الأربعاء 29 يونيو 2022
38 C
بغداد

كوفيد 19 .. تسونامي النظام العالمي الجديد

من الطبيعي أن ترافق الأحداث و المحن على مستوى العالم ردود افعال تصدر من السياسيين و القادة و الخبراء و رجال الاعمال و الريادة و المشاهير في المجالات الاخرى . و مع تعاظم أعداد الاصابات الاجمالية في العالم بالفايروس المستجد كوفيد 19 ” كورونا ” بصورة عامة و في الولايات المتحدة الأميركية بصورة خاصة صدرت العديد من البيانات او التصريحات التي تعبر عن مواقف الشخصيات ذات التأثير كالساسة و المشاهير و غيرهم .
و في هذا الاطار برزت تصريحات فيلسوف السياسة الأميركية هينري كيسنجر ، وزير الخارجية الأميركي الأسبق في إدارتي الرئيسين السابقين نيكسون و فورد ، و الذي دق ناقوس الخطر محذرا من أن العالم ما قبل ” كورونا ” ليس كما بعده ، متوقعا حدوث اضطرابات سياسية و اقتصادية قد تستمر لأجيال بسبب الوباء ، ملمحًا إلى تفكك العقد الاجتماعي محليا و دوليا .
اليوم يتسابق مئات الملايين من البشر إلى فهم طبيعة فيروس كورونا و كيف و متى سيزول خطره ، لذا يجب أن نذهب إلى ما هو أبعد بمحاولة خلق تصور لما سيكون عليه شكل العالم سياسياً و اقتصادياً بعد الأزمة الحالية . كصعود الحركات القومية و الطارئ سيدوم و انتقال في ميزان القوى العالمي حيث يقول ستيفن والت ، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفرد إن الوباء سيدعم صعود الحركات القومية و يدعم سلطة الحكومات و قبضتها على مقاليد الأمور . و ستتبنى الحكومات بمختلف اتجاهاتها إجراءات طارئة في محاولة لاحتواء انتشار الفيروس ولن يتخلوا عن تلك السلطات بسهولة فور انتهاء الأزمة . كما سيؤدي الفيروس إلى سرعة انتقال ميزان القوى العالمية من الغرب إلى الشرق و إلى دول استطاعت تدارك الأزمة بشكل سريع نسبياً ككوريا الجنوبية و سنغافورة و الصين في وقت تباطأت فيه الحكومات الغربية الأوروبية و دخلت في طرق عشوائية لاحتواء الأزمة و هو ما سيؤدي في النهاية إلى زوال عصر سطوة العلامة التجارية الغربية .
فيما أكد عديد الخبراء الاوروبيين بان وباء كورونا سيكون سببا في نهاية العولمة بشكلها الحالي خاصة و أنه يأتي بعد توتر تجاري بين الولايات المتحدة الأمريكية و الصين و مطالبات نشطاء البيئة بخفض انبعاثات الكربون و هو ما سيدفع الحكومات إلى إعادة النظر في الاعتماد على خطوط الإمداد بعيدة المدى . و ستدفع أزمة كورونا الحكومات و الشركات و المجتمعات إلى التكيف على فترات طويلة من الاكتفاء الداخلي و العزلة الاقتصادية .
يشير الخبراء أن العولمة ستنتقل من مركزها الحالي بالولايات المتحدة الأمريكية إلى الصين كمركز جديد لها . و هو تغيير بدأ بالفعل قبل ظهور الفيروس و ذلك بعد فقدان الأمريكيين الثقة بالعولمة في وقت إزدات فيه ثقة الصينيين بها . و ثبت الصينيون انفتاحهم الاقتصادي على العالم خلال السنوات الماضية و صارت لديهم الثقة بقدرتهم على المنافسة في أي بقعة من بقاع العالم .
البعض يؤكد إن الوباء سيؤدي إلى صعود القومية و السلطوية حتى بين أكثر الأنظمة ديمقراطية في العالم و لكنه سيكون صعوداً مؤقتاً مثل ما حدث خلال الثلاثينيات و الأربعينيات من القرن الماضي قبل أن تصل تلك الدول إلى الديمقراطيات الحقيقية التي سادت بها لعقود طويلة . أي أن ما سيحدث هو اكتشاف تلك الدول لدميقراطياتها الحقيقية عبر فترة انتقالية من السلطوية .
هذا الوباء قد يغير شكل العلاقات السياسية بين الدول و داخلها . و قد يزيد سطوة الحكومات و يقلل التحرر و لكن هذا لا يعني أن الشمولية ستسود فدول مثل كوريا الجنوبية و سنغافورة نجحت إلى حد بعيد في احتواء الأزمة و هي أنظمة ديمقراطية و ليست ديكتاتورية . لكن في جميع الأحوال ستتجه الدول إلى الانغلاق و الرغبة في التمحور داخلياً و سيؤدي هذا إلى عالم أفقر و أقل كرماً . سيؤدي الفيروس إلى خلق مرحلة جديدة من الرأسمالية العالمية ستخشى فيها الشركات و الحكومات من نظم التجارة الحالية العابرة للحدود و خاصة بعدما اظهر الفيروس أن هذا الانفتاح الكبير قد يجلب معه أمراضاً مميتة في غضون أيام و ساعات .
قد تسعى تلك الشركات و الحكومات بعد الخسائر التي تتكبدها حالياً و مستقبلاً بسبب الفيروس ، إلى الانطواء داخلياً و تتبع نهجا يقضي بالاعتماد على الإنتاج و التوزيع و الربح الداخلي كوسيلة أكثر أماناً من الانفتاح العالمي الهش . كيف سيكون شكل العالم ما بعد كورونا ، هل سنفيق في صبيحة أحد الأيام لنسمع إعلان الحكومة عن انتهاء الأزمة فيعود كل شيء إلى ما كان عليه . زحام في الأسواق و المولات و المراكز التجارية ، قعدات شيشة على المقاهي ، انفصال اجتماعي في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ، تلويث للكوكب و عدم اكتراث بالمستقبل . أم أن الأزمة ستترك بصماتها على حياتنا ، و تجعلنا نغير من نمط حياتنا ؟ جاء فيروس كورونا ليمنح كوكب الأرض استراحة محارب ، و يجعله يتنفس بعيدا عن ممارسات البشر ، جاء الفيروس ليمنح الأسر فرصة للتواصل و الجلوس معًا .

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
865متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

البعض وحرفة الكتابة

في الاساس كانت الكلمة، ومن خلالها تشكلت العلاقات على مختلف مستوياتها، وقد تطور استخدام الكلمة مع الزمن ليتم استخدامها في العملية الكتابية، ولعبت الكتابة...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الناتو العربي الجديد …. العراق بين مفرقين معسكر الحق ومعسكر الباطل ؟

ان فكرة انشاء هذا التحالف المشؤوم (ناتو شرق اوسطي ) هو ليس وليد هذه الساعة او هذه المرحلة وانما منذ ان تعثرت فيه المفاوضات...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

العالم قبل الحرب الروسية الأوكرانية ليس كالعالم بعدها

قبل 125 يوماً بالتحديد كانت هناك دولة جميلة في أوروبا ينعم مواطنيها بالأمان والاستقرار ولها من العلوم التطبيقية والصناعات المتقدمة ما جعلها قبلة لبعض...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مشروع داري مماطلة في تنفيذه

يتساءل المواطنون عما حل بمشروع " داري " السكني الذي اعلنت عنه الحكومة ومتى تفي بوعودها وتوزع سندات التمليك عليهم , اكثر من نصف...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

زيف تعاطي الغرب مع موسكو في الحرب !

امسى بائناً أنّ واشنطن ولندن " قبل غيرهم من دول اوربا " بأنّهما اكثر حماساً من اوكرانيا او زيلينسكي في مقاتلة القوات الروسيّة ,...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

خالد العبيدي

ـ كان طفلاً اعتيادياً.. خجولاً.. هادئاً.. ثم تطورت شخصيته عندما كبرً فأصبح.. صريحا.. ذكيا.. شجاعاً.. جريئاً.. لا يخشى في قول الحق لومة لائم     ـ مواقفه...