الجمعة 10 تموز/يوليو 2020

الأخضر بسعر اليابس!

الثلاثاء 21 نيسان/أبريل 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

السلع الرديئة الرخيصة تطرد السلع الجيدة والثمينة من السوق.. قاعدة اقتصادية، نراها واضحة جدا لدينا، من خلال ما يأتي به تجار الحروب والطارئين على التجارة، نتيجة لعدم وجود رقابة على ما يدخل الى البلد، او ما يصنع فيها.

على ما يبدو ان هذه القاعدة لا تنطبق في الاقتصاد فقط، انما في كافة المجالات والفعاليات الحياتية!

لغاية تسعينيات القرن الماضي، كان المجتمع العراقي شديد الاحترام، لأي شخص ينتهي نسبه للنبي محمد عليه وأله أفضل الصلوات، أو كما يطلق عليهم (السادة) ويقدمهم في كل شيء، كالمشاورة والمكان والطعام والكلام.. حتى أقحم الطاغية صدام على النسب دخلاء، واعطاهم من خلال اشخاص مأجورين يدعون علم النسب، وثائق تثبت انهم ينتمون الى النبي الاكرم وسلالته.

“السادة الجدد” انتشروا كالنار في الهشيم، واخذوا يضعون على رؤوسهم “الشماغ الأزرق” فأصبحوا موضع سخرية للجميع.. لاحقا وبطريقة خبيثة ومقصودة لم تعد السخرية مقتصرة على مدعي النسب فقط، انما شملت الجميع، مما اضطر الأصليين للتقهقر والاختفاء.

قبل سقوط نظام صدام والبعث كان العراقيون، يقدسون كلمة مجاهد، ويعشقون وصف الشهيد.. لكن بعد التغيير تبدلت النظرة لهاتين الصفتين، لان كثيرا من السراق والمهربين تم تدوين أسمائهم ضمن الشهداء، في (مؤسسة الشهداء !)، اما المجاهدون وخصوصا بعد الفتوى وانتهاء الحرب على داعش، فنتيجة لظهور كثير من المتسلقين على هذا العنوان، لمنافع شخصية وحزبية، مما أفقد هذه الكلمة قدسيتها، وهذا دفع المجاهدين الحقيقين لينزوا في الظلمة حياءا وحفاظا على تاريخهم وجهادهم.
تعدد عناوين الشهداء، بين شهيد دفاعا عن العقيدة والدين، وشهيد تظاهرات، وأخر لحرق المباني الحكومية، وغيره لقطع طرق وتسلب وشهيد الجوع، وربما سنسمع يوما عن شهيد الزوجة!
كل ما سبق أفقد الدم الطاهر قيمته في الوعي المجتمعي، وصار الناس لا يتعاملون بقدسية مع جميع الشهداء، حتى الشهداء الحقيقين، الذين اختفوا مع تعدد أنواع الشهداء.

في السياسة وبسبب تصدي الأصوات النشاز للمشهد، وسيطرتهم على الاعلام المرئي والمقروء، مقتت الناس السياسة، وفقدت حسها الوطني، واخذت تنظر الى الجميع بعين واحدة، وهي عين الفساد والسرقة.. فيما انزوى واختفى الوطنيون والمعتدلون من الساسة، خشية وخجلا مما أصبح عليه الوضع العام!

تنطبق القاعدة على كثير من الفعاليات العراقية، لكن جميعها تكون سلبية وغير منتجة، وللنهوض وتجاوز ما نحن فيه، يجب الا نقبل تعميم هذه القاعدة، ونعمل بقانون وقاعدة أخرى تعتمد مبدأ اعطاء كل ذي حق حقه.

نسمي الشهيد شهيدا، ونقول عمن انتحر منتحرا، ومن مات وهو يحرق بناية مخربا، وهكذا بالنسبة لباقي التوصيفات، ولا نقبل ان يباع الاخضر بسعر اليابس، والا سيبقى الوضع على ما هو عليه، مهما حاولنا التغير.




الكلمات المفتاحية
الأخضر اليابس

الانتقال السريع

النشرة البريدية