الخميس 19 مايو 2022
22 C
بغداد

الحفر في دهاليز التاريخ

في مجتمعات “اللا دولة” وبغياب قانون متفق عليه لتفاصيل الحياة، يتقزّم المجتمع وينكمش إلى “ملجئيات” تحتضنه وتوفر له الأمان الذي يفتقده بغياب الجامع الوطني، تلك الملجئيات الجزئية تكمن في نظام العشيرة وقائدها، والدين والمذهب ومجموعة المخلصات الغيبية ورموزها، والملجأ الأخير هو المال الذي وصفه المفكر العظيم علي بن أبي طالب بأنه وطن في الغربة وفقدانه غربة في الوطن: ” الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة”.

وفي ثلاثي الملجئيات الفكرية (العشيرة والدين والمال)، يهرب ويلجأ النازحون إلى دهاليز التاريخ في واحدة من محاولات ( تسخين الجمجمة ) كما يطلق عليها المصريون في تحشيشاتهم سواء الفكرية أو الدخانية، والتاريخ كما هو متداول ومعروف مجرد تسجيل أحداث من زاوية الشاهد وثقافته ومدى قرّبه وبعده عن الحدث، بل ومدى تعاطفه أو معاداته لتفاصيله وشخوصه، ولذلك نرى اختلافات حادة في توثيق أو تأْريخ ذات الحدث ومن قبل مدونين عاصروه أو كانوا جزءاً منه ومن تفاعلاته.

وتبقى عملية البحث عن الحقيقة في تلك الأوجه للمدونات التاريخية للأحداث، أسيرة رؤى مختلفة وأمزجة متناقضة، بل ومواقف معادية أو متحالفة مع الحدث وعناصره وأسبابه ومسبباته، وهي بالتالي تحتاج إلى أدوات ووسائل غاية في الدقة والمهنية والتحقيق، لأن الحفر في التاريخ بمعاول مثلومة، ربما تقودنا إلى دهاليز معتمة، أو تفاجئنا بأحداث تعيد ذاكرتنا إلى ما لا يشتهيه البشر، وعلينا أن نتذكر دائمًا أن التاريخ ليس صفحات مقدسة أنزلتها الملائكة من عند الرَّب إنما هي أحداث وثّقها بشر مثلنا، تتحكم فيه الغرائز والعواطف والحب والكره والانفعالات، وهو في الآخر يكتب من خلال زاويته التي ينظر منها إلى الأحداث، على خلفية معلوماته أو مشاعره تجاهها، وكيف يراها حسب تلك الميول، ومن هنا ندرك أن التاريخ ليس كتاباً مقدساً لا يخضع لتلك العوامل، وهو بالتالي كما يراها كاتبها في تلك اللحظة التي وثّقها، ولذلك علينا أن نتوخى الدقة في قراءة تلك الأحداث والاهم قراءة صاحبها الذي دونها؛ لذلك أرى أن الطريق الأقصر في بناء مجتمعات حديثة بعيداً عن دهاليز أولئك الذين سجلوا تلك الوقائع تحت ضغط أمزجتهم، سواء أكانت تلك الصفحات معتمة أم مضيئة، أن نؤسس بنائنا على العلم الحديث والاستنتاجات بثقافة نقدية لكل ما سطره الأولين في توثيق الأحداث التي أنتجت هذه المجتمعات لكي نصل إلى مجموعة معطيات نبني على أساسها مجتمعاتنا الحديثة، وكلما تعلمنا أكثر، تعلم أبناؤنا وبناتنا أكثر، دونما العودة الببغائية والصنمية إلى التاريخ وصفحاته، فمن يبني حاضراً جميلاً لن يحتاج العودة إلى الماضي لكي ينظر إلى المستقبل.
[email protected]

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
856متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

سياسة الإطار. والتيار من الممكن إلى الانتحار

السياسة قبل أن تكون وسيلة لتعقيد الأمور ، كانت ولا زالت حرفة لتعبيد طرق الوصول ، وهي علم يبحث في قيام وممارسة وانتهاء السلطة...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

“الساخر العظيم” فضحت تجنيد الـ (سي آي أي) لصحفيين في العراق

ربما يعد الناقد الأدبي والروائي المتعمق في طرح رؤاه وأفكاره النقدية حميد الحريزي أكثر من سبر أغوار رواية " الساخر العظيم " للروائي والكاتب...

الاختلاط وداعش الذي يتجول بيننا !

أخيراً اكتشف وزير التربية المحترم ان سبب انهيار نظامنا التعليمي وتدني مستوياته الفكرية والعلمية والمنهجية ، يكمن في الاختلاط بين الجنسين في المعاهد الاهلية...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

رسالة من أب مهاجر إلى وطنه الغادر

إلى الوطن الذي أحببته وخدمته اكثر من ربع قرن، فتنكر ليٌ ولمواطنتي ولخدمتي الطويلة التي قمت بها بكل تفاني وأخلاص ونزاهة، وطن يبادل الوطنيين...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

كذب المحللون السياسيون وإن صدقوا

سنوات من المحاولات لإيجاد حل دبلوماسي للأزمة في دونباس وعدم إحراز أي تقدم في عملية مينسك ، ما جعله السبب الرئيس للعملية الروسية في...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

العواصف الترابية من وجهة نظر اجتماعية

تكاثرت علينا هذه الأيام التقلبات المناخية في العراق وعموم الشرق الاوسط، منها تكرار العواصف الترابية التي تجتاح البلاد كل أسبوع تقريباً، والكل يرمي تأويلهُ...