الاثنين 03 آب/أغسطس 2020

العراق .. اللادولة – قراءة في الراهن العراقي

السبت 18 نيسان/أبريل 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

يذهب بعض الباحثين بالفكر السياسي الى الإعتقاد بأن ماحدث بعد عام 2003 يمثل نشوءا للدولة الثالثة، باعتبار أن العهد الملكي 1921_ 1958الدولة الأولى، والعهد الجمهوري 1958 _2003 انطلاق الدولة الثانية، لكن القراءة المتأنية للبعد السياسي والإجتماعي والاقتصادي أيضا، تشير لتحولات في العقلية المجتمعية خلال العهد الملكي اختلفت عن ماكان قبلها، كما انقلبت أنماط التفكير والعيش بالعهد الجمهوري الذي استثمر التغيير الجذري بالقطاعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية (باختلاف مراحله) بهدف إدامة سلطاته بالترافق مع أنماط الإستبداد التي عاشها المواطن العراقي بثنائية التكيف والمقاومة .
لكن مع ماحدث بعد 2003 لايمكن التعبير عنه بالدولة الثالثة بسبب أن لاتغييرات جوهرية طرأت على العقلية المجتمعية في التفاعل مع بنية النظام السياسي المستحدث بشروط المحتل وعنوانه الديمقراطي، وهاهي النتائج تتوالى بعد 17 عاما حيث يظهر فاقدا للمحتوى الديمقراطي سياسيا وعمليا، وكذا الحال مع البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي فقدت صفاتها الحركية والحياتية وانطبعت بالإنكماش والسكونية، إن لم نقل بالموت الانتاجي، وأصبح النظام الاقتصادي بطابع ريعي يعتمد على مدخولات الثروة النفطية وبقية الموارد الأولية، كما استبد به الفساد لدرجة أنه لم ينتهج الاستثمار والتطوير حتى في قطاع النفط المصدر الأول لموارد الدولة ومعيشة المواطن، بخلاف الدول النفطية بالعالم والتي تغطي احتياجات الطاقة والصناعات النفطية من منتجات النفط بمصافي ومنشئات بتروكيماوية وطنية وغيرها .
عانى المواطن العراقي من عسف وحروب النظام السابق وقمع الحريات السياسية وكان يقاوم بالسر أو يلجأ للهروب، والآن تدور ذات الدوائر مع فوضى أمنية وتنوع مصادر التهديد والقتل، وللشعب كل الحق بالتظاهر والحرية في التعبير عن الرأي، لكنه لايأمن على حياته من القتل أو الاختطاف والتغييب القسري، مع اجتهاد نوعي من السلطة السياسية لي التبرأ مما يحدث بمحو صورة أو آثار القاتل .
لعل مصطلح الدولة الفاشلة هو الأقرب للإنطباق على العراق في سنوات مابعد 2003، حين تلتقي اهداف اصحاب المال من تجار واصحاب مصارف ومقاولين مع احزاب نفعية وميليشات مسلحة بتشكيل نسقية السلطة ونفوذها تنتفي مع صفات الدولة الثالثة المزعومة وتتحول الى اللادولة .
ولعل بعضهم يحسب أن هذه الدولة الثالثة الهجينة تشكل تمهيدا لنشوء الدولة الرابعة ذات الخصائص الديمقراطية والحضارية، لكني أرى بيانات الواقع المترشحة عن سبعة عشر سنة ضياع وتمزق وفصل مجتمعي مكوناتي والتفاوت الطبقي مابين طبقة سياسية تملك السلطة التنفيذية والمال ووسائل القمع والقضاء، وبين شعب يكاد يكون أعزلا _ إذا ماحسبنا انتماء البرلمان لأحزاب السلطة، فأن ضعف المعارضة الشعبية والسياسية غير قادرة على خلق توازن بصراع القوى يؤدي الى تطور بطبيعة النظام لكي يتحول، وفق منطق الديالكتيك، من هنا أجد توصيف مايحدث بالتحول للدولة الرابعة استناج سياسب يفرط بالتفاؤل .
تدفع أنساق الصراع في النظام الديمقراطي لتطوير بنيته وآلياته ذاتيا، يحدث هذا في ظل قواعد الضبط الذاتي لتلك الأنساق والحث الدائم لتحسين مستويات إدائها بحسب توفر قواعد الحياة الديمقراطية، وأهمها الحياة المدنية والتداول السلمي للسلطة، استقلال السلطة القضائية ، حرية التعبير والاعلام والنشر ، انتخابات حرة نزيهة، سيادة العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والتوزيع العادل للثروة بين ابناء الشعب، وثقافة المواطنة .. وجميع هذه الركائز او القواعد .
لايمكن إنطباق وصف (الدولة ) على مايحدث بالعراق من مظاهر التحلل في ظل غياب سيادة القانون وتغول الفساد وإنهيار قواعد ضبط السلوك السياسي بموجب الدستور الذي يقسمون عليه وحين يتقاطع مع مصالحهم الذاتية والحزبية يلقونه في سلّة المهملات ، واقع تتحكم به مافيات المال والاحزاب وتمظهرات السلاح وقوته تحت سلطة الميليشيات مقابل تهرئ المؤسسة الأمنية، وهذا يستدعي أن يجتهد الباحث في علم الإجتماع السياسي بابتكار تسمية تليق بالحالة العراقية من 2003- 2020 .!
ربما يكون وصف اللادولة هو الأقرب بحسب رأيي .
[email protected]




الانتقال السريع

النشرة البريدية