السبت 06 حزيران/يونيو 2020

ياسين الهاشمي.. الحالم بعرش العراق.. مات كمداً

السبت 04 نيسان/أبريل 2020
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

شخصيته:
(الازدواجية).. جزء من سلوكه.. وأسلوبه في العمل.. فلم يكن له موقف واحد إزاء الحدث المعين.. إنما موقفان مختلفان.. وربما متعاكسان.
من الأمثلة على ازدواجيته: عندما نشبت الأزمة بين الملك فيصل الأول والمندوب السامي البريطاني في آب 1922.. كان الإنكليز مستاءين من موقف الملك اللين من المعارضة الإسلامية.. زار الهاشمي المس بيل في نهاية آب.. وراح يحدثها عن المعاهدة واصفاً إياها “بأن العراق لا يستطيع أن يتوقع شروطاً أكثر تسامحاً منها”.. وأخذ يتهجم على الملك.. ويلقي المسؤولية على الإنكليز لأنهم لم يسيطروا عليه.. مما ترك في نفس المس بيل انطباعاً إيجابيا.. حيث وصفته: “إنه رجل القدر.. فهو يملك من الذكاء والنشاط أكثر من أي عربي آخر أعرفه.. إن الملك يعرف قوته ويخشاه.. لكنه لغروره الكبير يحسب إن في مقدوره أن يخضع ياسين ويستعمله.. واني أعتقد إن ياسين سوف ينال الحظوة لدى الملك عن طريق التظاهر بالرضوخ له.. لكنه عندما يتمكن من الموقف بصورة مؤكدة سوف يمسك الملك من رقبته ويجبره على اتخاذ السياسية التي يريدها.. عند هذا سيتلوى كما تتلوى الحية.. وسوف يقرر مصير العراق على هذا الأساس.. حيث يعيد التاريخ نفسه.. فيصبح ياسين الحاكم الفعلي ويكون الملك مجرد رئيس رمزي”.
لكن هذه الصورة تغيرت عند الإنكليز عندما وقعت بأيديهم رسالة منه الى صديق له يتهجم فيها على الإنكليز ويتمنى طردهم من العراق.

السيرة والتكوين:

ياسين حلمي سليمان الهاشمي من مواليد بغداد 1882.. في البارودية.. من أحياء بغداد.. نشا في أسرة متواضعة.. كان أبوه مختاراً لذلك الحي.. وتقول ابنته صبيحة ياسين إن والدها علوي النسب.. ويعتقد توفيق السويدي (رئيس وزراء في العهد الملكي): إن أصل الهاشمي من كفري أو من جوار طوزخرماتو.. فيما تشير تقارير الاستخبارات البريطانية إن أسرة ياسين جاءت من جوار كركوك.. وقد تكون من سلالة تركية سلجوقية.
فيما يذكر مصدر آخر الى إن ياسين وأخوه طه كرديان من عشيرة الكاكائية.. التي تقطن منطقة كفري شمال العراق.. وقد رباهما رئيس الكاكائية بعد أن فقدا والديهما..وأدخلهما المدرسة الابتدائية.

ـ سافر ياسين بعد أن أكمل دراسته الابتدائية الى إسطنبول وتخرج من المدرسة العسكرية ضابطا العام 1902 ثم اشترك في الحروب التي نشأت قبيل الحرب العالمية الأولى.. لاسيما في حرب غاليسيا.

ـ لقبه: يقال إن ياسين حلمي سليمان وقع في أسر قوات الأمير فيصل في دمشق خلال الثورة العربية الكبرى1917ـ 1918 فانقلب ياسين على ما كان يدعيه سابقاً من التزام بجماعة الاتحاد والترقي وعلاقته الوثيقة بالفريق كمال أتاتورك.. وادعى إنه هاشمي.. وسيلتزم بفيصل.. ويعتبر نفسه وأخوه طه هاشميان.. فأصبحا وزيرين من وزراء فيصل.

الملك غازي.. وخطبة ابنة الهاشمي؟

ـ حامت الشبهات بنية الملك غازي أو رغبته الزواج من ابنة ياسين الهاشمي الصغرى.. (نعمت).. أصغر منه بثلاث سنوات.
وفي مقابلة مع صبيحة الهاشمي في 22/ 12/ 1972 في دارها في ألوزيرية في بغداد.. أكدت إنها وأخواتها كانت لهن علاقة صداقة قوية مع أخوات الملك غازي.. وكن يتبادلن الزيارات.. وحصل أكثر من مرة أن التقينً ولي العهد غازي.. أما عند ذهابهم لزيارة العائلة المالكة أو بعد الانتهاء من هذه الزيارة.. إلا إنها لم تفصح عن هذا الالتقاء.. أهو مصادفة أم كان يحصل وفق ترتيب مسبق؟.. لكنها لم تستبعد أبداً في حديثها “أن الأمير وأخواته كانت عيونهم على أختي الصغرى نعمت”.. و”كنا متفائلين جداً وتشجعنا للسير لهذا الاتجاه”.
بالمقابل سعى نوري السعيد وجعفر العسكري حثيثاً لإفشال هذا الزواج.. فسافر نوري السعيد الى الأردن.. واتصل بالملك عبد الله (عم غازي).. من أجل الإسراع بتزويج الملك غازي من الأميرة عالية.. وهو ما تم.

وزارته الأولى:

بعد استقالة حكومة جعفر العسكري في 2 أب 1924 التي اقتصرت على تصديق المعاهدة العراقية – البريطانية لعام 1922.. كلف المعتمد البريطاني في بغداد السير بيرسي كوكس ياسين الهاشمي لرئاسة الوزارة كونه المعارض لها وعليه تنفيذها.. كما إن الملك فيصل الأول وجد في الهاشمي شخصية قوية يمكنه انتزاع حقوق العراق وإجراء التعديلات المطلوبة في المعاهدة.
ـ ادخل ياسين في وزارته أربعة وزراء جدد لم يسبق أن استوزروا.. هم: رشيد عالي الكيلاني.. الشيخ محمد رضا الشبيبي.. مزاحم الباجه جي.. وإبراهيم الحيدري.. واحتفظ لنفسه بوزارة الدفاع أيضا.
ولما أنجز الهاشمي الانتخابات النيابية.. كان يطمح أن تكون الأغلبية فيه له.. لكن الملك أرادها لنوري السعيد وجعفر العسكري.. فلم يجد الهاشمي بداً من تقديم استقالته في 25حزيران العام 1925 التي قبلها الملك.

مناصب أخرى:

بقيً ياسين وزيرا للمالية في وزارة جعفر العسكري.. ومن ثم وزيراً للمواصلات في وزارة ناجي السويدي في تشرين الثاني 1929.. لكن ياسين استقال في آذار العام 1930.. وأعيد انتخابه لمجلس النواب في الانتخابات العامة العام1930.. وقاد المعارضة البرلمانية ضد حكومة نوري السعيد.. حيث أسس حزب الأخاء الوطني الذي أجازته وزارة الداخلية في 25 تشرين الثاني العام 1930.

وزارة الهاشمي الثانية:

ـ في السابع عشر من آذار 1935 شكل ياسين الهاشمي وزارته الثانية.. وفي عهد وزارته هذه.. صار العراق يعيش وضعا شاذًاً وسياسة قمعية قاسية.. وأعلنت الأحكام العرفية.. فتعطلت الحياة الديمقراطية.. وأوقفـت الأحـزاب الـسياسية.. وخنقـت الحريات.. وصحف المعارضة عطلت جميعها.
ـ بثت الوزارة الجواسـيس فـي كـل مكان لمراقبة المشتغلين بالسياسة.. وفرضت الرقابة على المخابرات والرسائل والكتب.. وألقت بعدد كبيـر منهم في السجون بدون محاكمات.. وحكمت على البعض الآخر بأحكام متباينة.. منها الإعدام.
وقد خولت الأحكام العرفية قائد القوات العسكرية بتنفيذ حكم الإعدام دون اخذ موافقة الملك.
ـ كما قامت الوزارة بفصل عدد كبير من الموظفين المعارضين لسياستها.
ـ استخدمت الجيش فـي ضرب الحركات المعارضـة لسياستها.. وأصدرت مجموعة من التشريعات أدت إلى انفراد ياسين الهاشمي بالسلطة.. وفرض دكتاتوريته في البلاد.
ـ أخذت حكومة الهاشمي بنشر الدعاية لنفسها.
ـ تمكنت هذه الوزارة من دعوة القبائل الى إلقاء السلاح والتعاون مع الحكومة.. كما حاول الهاشمي إصلاح الإدارة.. فعندما تسلم الوزارة كانت البلاد تغلي غليان المرجل البخاري فقد تعطلت التجارة وفقدت الثقة.. وأصيبت المرافق العامة بإضرار جمة وكشر الضعف على مؤسسات الدولة عن أنيابه.. وكان الجيش ما يزال مرابطاً في أطراف لواء الديوانية بعد القضاء على تمرد العشائر هناك.. فأراد الهاشمي أن يهدئ الخواطر فأوعز الى وزير الداخلية لاتخاذ الإجراءات الكفيلة لإصلاح الإدارة.
ـ بعد أن عطل الهاشمي الأحزاب اجتمع نواب المجلس الجديد في 1935.. قرروا تأليف هيئة نيابية تقوم مقام الأحزاب والتي تستند إليها الحكومة وانتخب ياسين رئيسا لهذه الهيئة.

زواج شقيقة الملك غازي:

ـ حادثة وقعت كادت أن تطيح بعرش الملك غازي.. وألحقت بسمعة العائلة الهاشمية المالكة العار.. كما أضرت بسمعة العراق داخلياً وخارجياً.. تلك هي فضيحة هروب الأميرة عزة بنت فيصل الاول الكبرى مع النادل اليوناني وزواجها منه واعتناقها الدين المسيحي.

ـ كان شقيق عزة.. الملك غازي يصحبها معه في سفراته السياحية الى الجزر اليونانية.. وهناك تعرفت على نادل أو طباخ يوناني في أحد الفنادق يدعى (أنستاس).
عند عودتها الى العراق تظاهرت بالمرض الشديد.. فطلبت من شقيقها الملك غازي السماح لها بالسفر للعلاج.. فسمح لها في أيار 1936 السفر الى جزيرة رودس.
في اليوم الثاني من وصولها سحبت الأميرة عزة من حسابها الخاص مبلغ مائة وخمسون ديناراً.. وكانت تصرفاتها طبيعية جداً.. ولم يبدو عليها أي علامة تثير الانتباه أو الشك.. وفي صبيحة اليوم الثالث (الأربعاء 27 حزيران 1936) حضرت الخادمة (طليعة عمر) التي كانت ملازمة للأميرة عزة.. ولم تكن الأميرة موجودة في غرفتها.. حيث تبين فيما بعد بأنها غادرت الفندق مع الشخص الذي تزوجته.. وتركت رسالة باللغة الإنكليزية الى شقيقتها الأميرة راجحة ـ التي كانت معها في السفرة ـ بتوقيعها تخبرها بأنها وبسبب فقدان والدها ووالدتها فأنها لابد لها من أن تلحق بالرجل الذي تحبه.. وقد تزوجت وتنصرت وأبدلت أسمها الى (أنستاسيا).

الهاشمي يستغل زواج الأميرة عزة لتولي العرش:

ـ استغل الهاشمي هذا الزواج أبشع استغلال بدعم السفارة البريطانية ونوري السعيد.. لإبعاد غازي عن العرش.. أو جعله ملكا اسميا فقط.
ـ تمكن ياسين من شل تصرفات غازي.. ولا يستطيع أن يتصرف بأبسط الأشياء دون أن يأخذ موافقة رئيس الوزراء.. وذلك بعد أن يفاتح رئيس الديوان الملكي بواسطة دائرة المرافقين.. وهكذا استطاع ياسين أن يحول الملك فعلا الى مجرد رمز.

استفاقة الملك:

إن خضوع الملك لضوابط ياسين لم تستمر طويلاً.. ففي أوائل تموز 1936 ظهرت بوادر محاولاته لاستعادة سلطته.. والظاهر إن التخلخل الذي ظهر داخل الوزارة قد ساعد الملك على استعادة شيئاً من نشاطه السياسي.. ففي 28 تموز 1936 طلب الى الوزارة إعادة النظر في نظام تشريفات الدولة الذي كان قد اقره مجلس الوزراء.. وفي 9 آب 1936 اعترض الملك على فصل مديرية الآثار القديمة عن مديرية التربية والتدريس.
ـ حاول الملك توسيع شقة الخلاف بين ياسين ورشيد عالي الكيلاني من جهة ونوري السعيد وجعفر العسكري ضد ياسين من جهة أخرى.. فاخذ يخبر ياسين بمشاغبات نوري وجعفر ضده أي ضد ياسين.. وبالفعل حاول ياسين إضعاف تكتل نوري وجعفر بتعيين جعفر سفيراً في إنكلترا.. إلا انه واجه معارضة نوري.
ـ ازدياد شدة المعارضة للوزارة الهاشمية خلال الفترة التالية أعطى زخماً أخر للملك على طريق استعادة سلطته للوزارة.. ففي آب 1936 وبسبب استخدام حكومة الهاشمي القسوة ضد العشائر.. وموافقتها على اتفاقية سكة الحديد مع بريطانيا من ناحية أخرى.
ـ كما كان لعودة جريدة صوت الأهالي بإشراف حكمت سليمان وجعفر أبو ألتمن دور واضح في التركيز على انتقاد سياسة الحكومة.. مما دفع بالحكومة الى مداهمة مبنى الجريدة ومصادرتها في 12 آب 1936.
ـ استغلت المعارضة ذلك العمل من الحكومة.. فرفعت احتجاجاً في نفس اليوم الى الملك موقعاً من حكمت سليمان وجعفر أبو ألتمن وكامل الجادرجي كشفت فيه الأعمال المشينة التي قامت بها حكومة ياسين الهاشمي.. وطالبت الملك بوضع حد لها حماية للدستور.. لم يشجع الملك الرجال الثلاثة على التمادي في معارضة الوزارة.. بل نصحهم بإتباع الحكمة والحلم اعتماداً منه على وطنيتهم بان يعتصموا بالهدوء.. ريثما يحين الوقت المناسب لعمل اللازم.
ـ بدأ الملك يهتم بإنقاذ شعبيته بين الناس.. فاخذ يرعى جميع الأعمال الاجتماعية والخيرية.. وعندما علم بان في نية ياسين زيارة الشمال قرر هو الآخر القيام بجولة لزيارة شمال العراق.. حتى أصبحت مسألة سبقه ياسين في القيام بتلك الجولة شيئا يثير احتجاج الملك ويبعث على استيائه.

الهاشمي: يتباهى انه أول رئيس وزراء يمنع المواكب الحسينية:

اشتهر الهاشمي بمعارضته للأنظمة الإسلامية والحجاب.. وهو أول رئيس وزراء عراقي يمنع المآتم الحسينية قي العراق.
ـ اتبع ياسين الهاشمي سياسة قمعية وقاسية وشديدة ضـد الطائفة الشيعية.
ـ ففي ٢٣ آذار ١٩٣٥ خرجت مظاهرة في مدينة الكاظمية احتجاجاً على تشييد دائرة للبرق والبريد على مقبرة للمسلمين الشيعة في مدينة الكاظمية.. فأدت هذه المظاهرة إلـى معركة دامية بين الشرطة والمتظاهرين.. إذ أطلقت الشرطة الرصاص الحي على المتظاهرين.. مما أدى إلـى قتـل ما يقارب الثلاثين شخص.. وجرح نحو ثمانين.
ـ على اثر هذه المظاهرة.. ركنت وزارة الهاشمي إلى الشدة والقـسوة المفرطة ضد أهالي (الكاظمية).. فأوقفت عدداً من وجـوه وأشراف المدينة بتهمة التحريض على القيام بهذه المظاهرة.
ـ لبث الموقوفون في السجن ثلاثة أشهر جرت خلالها محاكمتهم واستجوابهم.. وحكمت المحكمة الكبرى المنعقدة في بغداد في ٢٢ حزيران ١٩٣٥ علـى سبعة من الموقوفين بالحبس الشديد المؤبد.. وعلى غيرهم بعقوبات مؤقتة.. والسبعة هم: صادق الحاج احمد الإستربادي.. وحسين إبراهيم حباشة.. ونجم موسى راضي.. وإبراهيم بن احمد.. وحسن المرتضى ألخالصي.. وعبد الأمير عبود شمارة.. وعلوان بن السيد سلمان.
ـ فيما انطلقت التظاهرات في الكاظمية خلال شهر محرم وعاشوراء العام 1935.. وأقامت المواكب والمجالس الحسينية.. وارتفعت في وجه هذه الحكومة وقطبيها ياسين الهاشمي رئيس الوزراء.. ووزير داخليته رشيد عالي الكيلاني أعلن منع المواكب والمجالس الحسينية ودفعت بالشرطة لغلق هذه المجالس.
ـ بالمقابل تصاعدت مطالبات الشيعة بالمساواة.
ـ انطلقت التظاهرات وتوسعت وانزاح الوضع برمّته إلى حافّة الانفجار المسلّح.. وبعد اعتقال رجل دين شيعيّ.. ثارت بضع العشائر.
ـ كما قصف الطيران العراقي لواء الديوانيّة قبل أن تنضمّ عشائر سوق الشيوخ والناصريّة إلى التمرد.. فقُطع خطّ سكة الحديد بين البصرة والناصريّة.. وتم احتلال مدينة سوق الشيوخ.
ـ هذه الانتفاضة سجلت أحداثاً مجيدة في تاريخ النضال التحرري للشعب العراقي.. الحدث العظيم الذي حدث في ميثاق النجف 23 آذار 1935.. الموجه من الشعب العراقي لمرجع المسلمين الشيعة آنذاك الإمام الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء.
وواجهت الحكومة المتظاهرين بالنار والحديد.. وزجوا بالعشرات واعتقلوا بعض وجوه وعلماء الشيعة في الكاظمية.. ونفى بعضهم لإيران.

ميثاق النجف:

ـ كان لحادثة الكاظمية الوقع الأليم فـي النفـوس.. فقـد فجعـت عائلات.. وترملت نساء.. واستشهد أبرياء.. وأوقف وسجن بسببها بعض الأشراف.. علـى الرغم من أن الحادثة لا تستوجب من السلطة اتخاذ كل تلك الإجراءات القاسية.
ـ رفع عدد من رؤسـاء العـشائر (ميثاق النجف) احتجاجاً إلى الملك غازي على ما أصاب أهالي الكاظمية من تعسف الوزارة.
جاء فيه:
(نرفع لأعتابكم أحزاننا وأشجاننا بما أصاب أبناءك وإخواننا الكاظمين من المذابح بصورة وحشية بـدون مبرر الأمر الذي دعانا لرفع هذا الاحتجاج تجاه وزارة لا تمثل إلا نفسها.
إن السياسة القمعية الشديدة التي اتبعتها وزارة الهاشمي ضد أهالي الكاظمية.. ومنعها إقامة المواكب العزائية الحسينية أثارت بعض القوى الشيعيـة ضد وزارة الهاشمي.. ففي مناسبة (عيـد الغدير):
اجتمع في النجف عدد كبير من الناس من مختلف الطبقات لبحث الموقف الراهن.. وانتهـز فريـق من المحامين في بغداد هذه الزيارة فقصدوا مدينة النجف.. واجتمعوا بالعلامة الشيخ محمد حـسين آل كاشـف الغطاء.. وحسنوا له تنظيم مطالب الشعب في الإصلاح واقترح بكتابة ميثاق يوقعـه الزعماء ويرفعـه سماحته إلى الملك غازي مباشرة وحكومته يطالب بإنجازها.. فيكون وثيقة ناطقة بتبرم الشعب مـن الأوضاع السائدة يومئذ.. وقد لقي هذا الاقتراح تأييداً من قبل حجة الإسلام الشيخ محمـد حـسين كاشـف.
ـ فوضع الميثاق المحامون ذيبان الغبان.. ومحمد عبد الحسين.. ومحمد أمين الجرجفجي
وجاء فيه:
(لقد تمشت الحكومة العراقية منذ تأسيسها حتى اليوم على سياسة خرقاء لا تتفق ومصالح الشعب..
واتخذت سياسة التفرقة الطائفية أساساً للحكم.. فمثلت أكثرية الشعب بوزير واحد أو وزيرين.
وعلى مثل هذا تمشت في سياسة التوظيف.. فظهر التحيز صريحاً في انتقاء الموظفين وأعـضاء مجلس الأمة.
. فلإيجاد الاستقرار والطمأنينة في نفوس الشعب ورفع التفرقة بين أبناء الأمة يجب أن يسهم الجميع في مجلس الوزراء.. وفي مجلس الأمة.. وسائر وظائف الدولة.. وجوب تعديل قانون الانتخاب لمجلس الأمة.
ـ وذلك بوضع القيود التي تمنع الحكومة من التدخل وان يكون الانتخاب بدرجة واحدة واعتبار كل لواء منطقة انتخابية مستقلة.
ـ ووجوب تعيين القضاة الشرعيين من مذهب أكثرية السكان.. كمـا نص عليه القانون الأساسي.
ـ ولزوم تدريس الفقه الجعفري في كلية الحقوق العراقية..
ـ وان يكون من كل فـرع مـن فروع محكمة التمييز عضو شيعي أسوة بالطائفتين المسيحية واليهوديـة.
ـ وإطـلاق حرية الـصحافة.. وتعديل لجان تسويه الأراضي.. وتنفيذ قانون البنك الزراعي الصناعي.. وإلغاء ضريبة الأرض والماء..
ـ وتوزيع مؤسسات الدولة الصحية والعمرانية والتهذيبية بنسبة عادلة.. حيث إن الحكومة لم تراع فـي توزيعها بنسبة عادلة.. خاصة في المنطقة الجنوبية.
ـ كما يجب منع تفشي الأمراض الاجتماعيـة والأخلاقية.. وتهذيب مناهج المعارف.. ومنع البغاء.. وكل ما يؤدي إلى فساد الأخلاق).

تهم فساد:

تسجل على ياسين الهاشمي وحكومته تهم فساد.. منها:

ـ انتشرت في عهد وزارته المحسوبية وابتزاز الأموال.. حتى إن ياسين الهاشمي نفسه ووزير داخليته رشيد عالي الكيلاني تنامت ثروتهما عـن طريـق حصولهما على أراضٍ أميرية جديدة.

ـ فقد استولى ياسين الهاشمي.. على أراضي الحكومة.. وصار هو ورشيد عالي الكيلاني من كبار الإقطاعيين.. ـ المصادر: (عبد المجيد حسيب القيسي..التاريخ يكتب غدا ص ٧٠ .. ومير بصري ـ أعلام السياسة ص ١٨٢ ).. كذلك رؤساء الوزراء الآخرون.. (حنا بطاطو ص ٣٩٤ و٢١٢ ـ ٢١٨ ).

ـ كما اتبعت حكومة ياسين الهاشمي إسلوب الرشاوى والمكافآت.. إذ أغـدقت على رؤساء العشائر الموالية لها الأموال والأراضي والإعفاء من الضرائب.
ـ صادرت الأموال والأراضي.. وفرض الغرامات على رؤساء العشائر المعارضة لها.

قانون التجنيد الإجباري.. وإعلان الجمهورية:

يعتقد بعض السياسيين ومنهم ياسين الهاشمي بان لا بد أن يكون للعراق جيش قوي مسلح يصون كرامة البلاد ويحفظ أمنها الداخلي ويصد عنها الإطماع والعدوان.. لذلك أصدرت الإرادة الملكية في 2 أيار 1935 قانون الدفاع الوطني.. الذي ينص على التجنيد الإجباري.
ـ السياسيون المحترفون وجدوا الفرصة سانحة لإثارة الرأي العام وشيوخ العشائر ورجال الإقطاع على وزارة ياسين الهاشمي وقانون التجنيد الإجباري وصوروا لهؤلاء إن القانون سيخلق في البلاد جيشا قوياً يقضي على سلطتهم وامتيازاتهم القبلية.. وأذاعوا بين سكان المدن بأنهم سيموتون جوعاً وتعبا إذا التحقوا بالخدمة الإلزامية.
ثارت العشائر واستخدم ياسين القسوة ضدها.. وأصبح وضع الوزارة خطراً بعد أن مال محمد زكي رئيس مجلس النواب الى المعارضة.. وهكذا وجد ياسين بأنه لابد أن يضع حداً لمشاكله عن طريق إعلان الجمهورية مستنداً على أخيه طه الهاشمي رئيس أركان الجيش وبعض الرؤساء الإقطاعيين فاتصل بهم لتهيئة عشائرهم لتطويق بغداد ممهداً لإعلان الجمهورية ووعدهم بمناصب وامتيازات كبيرة.

انقلاب بكر صديقي:

كان الإقطاعيون مجتمعين في قضاء كفري لمناقشة طريقة إسناد ياسين بإعلان الجمهورية..عندما فوجئوا بانقلاب بكر صدقي في 29 تشرين الأول العام 1936.. حاول بكر إعدام جميع الساسة من أقطاب وزارة ياسين الهاشمي.. إلا إن السفير البريطاني هدد حكمت سليمان رئيس وزرائه.. واجبره على الحفاظ على سلامة حياة أعضاء الوزارة الهاشمية.. وهكذا سافر ياسين ورشيد عالي الكيلاني الى سورية.. فيما لجأ نوري السعيد الى السفارة المصرية التي نقلته الى مصر..
لم يمض شهران على سفره توفي ياسين الهاشمي.. وفقدانه جميع طموحاته وأطماعه في العرش.. فمات كمداً!! في بيروت.. ودفن في دمشق.




الكلمات المفتاحية
الحالم العراق ياسين الهاشمي

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.