السبت 11 تموز/يوليو 2020

أنا موجودة

الخميس 12 آذار/مارس 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

شاهدته يبتعد عنها وهو معصوب العينين ومقيد اليدين خلفظهره….شعرت بقلبها يتهشم كقطعة زجاجكانوا يقتادونه الىالمجهول وكان عليها ألا تصرخ او تعترض بشدة لكنها صرخت مع ذلكولم تشعر بما خلفته ركلة رجل الأمن من آلاموابتعد عنها ، وكان آخرماشاهدته من بين فيض دموعها خاتم زواجه الذي كان يتلألأ تحتالشمس وهو يحيط ببنصره ..كانت تقول له : اريدك ان تتزوج لارىاطفالك واختارت له ابنة جارتها ولم يعترض فقد كان يود ارضاءها بكلالطرق ولم تمض على زواجه منها الا شهور حين اندلعت تلكالانتفاضة وبدأ بعد احباطها مسلسل تصفية اكبر عدد ممكن منشباب محافظته ..

بعد سنوات ، عثر الاهالي على عظام ابنائهم في مقابر جماعيةوهرعت الام لتفتش عن عظام ابنها ووجدتها ..تعرفت الام على ولدهامن ذلك الخاتم الذي تلألأ تحت الشمس حين ازيل التراب عن بقاياهيكله العظمي ..اندهش الواقفون من جراة الام التي احتضنتالعظام كما تحتضن جسدا ينبض بالحياة وحملتها معها في منديللتضعها في حجرها وهي في الطريق الى المنزلنظر سائق سيارةالاجرة في مرآة سيارته وهو يستمع الى دندنة تصدر عن المراة الراكبةمعه فشاهدها تحتضن صرة من القماش وتهدهدها كما الرضيعفكر السائقكم انت كريه ايها التراب فقد اكثرت من اخذ الاحبةاحبة يذوبون فيهم عشقا وهاهم يذوبون فيك والفارق الوحيد انهميذوبون فينا برغبتنا ويذوبون فيك من دون رغبتهم ..

مرت سنوات ، ولازالت المراة العراقية تحصد ثمار السياسة الفجةفتودع احبتها الى جبهات القتال او المعتقلات او ساحات التظاهروتستقبل توابيتهم أو رفاتهم بصبر يفوق المعقول ثم تستعد لاستقبالمرحلة جديدة تنفض عنها احزانها فيها لتحل محل الرجال الغائبينوتتحمل مسؤولياتهم ..ففي بلدنا ، اعتادت المراة أن تصبح خارقةلتقاوم صعوبة الظروف التي أحاطت بها عقودا طوال ومازالت تمتحنصبرها وقدرتها على الاستمرار والعطاءوحين تحمل المراة مسؤولياتمضافة الى مسؤولياتها النسوية المعروفة فهي تضطر الى التخلي عنانوثتها وحاجاتها العاطفية والنفسية او التخلي عن أحلامهاوطموحاتها لتدفع عجلة المعيشة وحدها او تربي أولادها وتحققأحلامها من خلالهم ، وحين تصحو فجأة بعد أن تكتمل رسالتها تجدنفسها أحيانا وحيدة ، مهمشة وعاجزة صحيا ، وقد تحاصرها الكآبةوالامراض النفسية حين تشعربأنها أضاعت أجمل سنوات عمرها فيارتداء جلباب الرجل ونسيان كونها امراة ..

الحرمان اذن هو أكثر ماتعانيه المرأة العراقية في ظل ظروف عامةخارجة عن ارادتها لكنها تسحبها الى دوامتها سحبا ولايسهل عليهاالخروج منها دون خسائر ..

فالمراة العراقية واجهت معاناة تفردت بها عن غيرها حين عرفت الترملوالنزوح وفقدان الابناء واليتم وضياع الاحلام ..انها امرأة خارقة اذنفهي ورغم كل معاناتها الخاصة والعامة تواصل النضال وهي تستقبلعيد المراة لتضع قدمها بين أقدام اخواتها العربيات على عتبة المستقبلوتصبح واحدة منهن فقد علمتها الظروف الصعبة أن تتفوق علىنفسها وأن تطلق طاقاتها الكامنة لتقول للعالم كله :أنا موجودة ..




الانتقال السريع

النشرة البريدية