الأحد 27 أيلول/سبتمبر 2020

مختبرات البحث الامريكية ودورها في صناعة الاسلحة الجرثومية

الجمعة 06 آذار/مارس 2020
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

كتابة / ناتاليون سفارش
المادة: جزء من بحث ميداني مختبري مطول نشره الدكتور ناتاليون سفارسش اختصاصي كوبي في الطب الاستوائي، وباحث في علم الجراثيم، وكان احد اعضاء لجنة التحقيق في جرائم الحرب الامريكية في فيتنام وكمبوديا وكوريا، تبين دراسته حقيقة دور مؤسسات البحث العلمية الامريكية في صناعة وتطوير واستخدام الاسلحة الجرثومية وتسخيرها لاغراض القوات العسكرية. وسيرى القارئ من خلال المادة، ان الولايات المتحدة استخدمت هذا السلاح في عدواناتها على العراق بصورة غير مباشرة لكنها مفضوحة، واثارها مرئية على ارض الواقع……..
في بدء حرب الابادة الامريكية لشعوب فيتنام وكمبوديا وكوريا، لم تستعمل القوات الامريكية اسلحتها الجرثومية بصورة مباشرة ومفضوحة لكنها في المقابل قامت بما يشبه الحرب الجرثومية، وذلك بتدمير شبكة الخدمات الطبية عن طريق قصف مستشفيات امراض التدرن ومراكز معالجة مختلف الامراض المعدية.. مما اجبر المرضى المتكدسين فيها على الهروب منها، وبالنتيجة اختلاطهم بالسكان الاصحاء، واصبحوا بذلك ناقلين للامراض.
كما ان تدمير السدود والاقنية الذي احدث فيضانات جزئية ابطل المراقبة على الاصداف التي تنقل الديدان الطفيلية، وساعدت المياه الآسنة المتجمعة في الحفر التي احدثتها قنابل القصف الجوي والبري في الارض بيوض البرغش والبعوض بالتكاثر، فراحت الامراض المستوطنة التي تحملها نواقل احيائية واصطناعية تنتشر بسرعة.
في الهجوم على كوريا عام 1950، استعمل الامريكان بصورة اساسية نواقل حيوانية لا فقرية باطراف متصلة تعرف بـ ارثروبور، تعيش فيها جراثيم معدية، كالطاعون…. واستعملوا كذلك انواعاً اخرى من النواقل غير معروفة عادة في عالم الحيوان الجرثومي في هذا البلد، اخذت تظهر فيه خلال فترات مختلفة من فصول السنة انتشرت على اثرها عدة اوبئة، منها حمى سونغو. وبهذا الخصوص نشرت كوريا اقوال ستة طيارين امريكان كانوا اسرى لديها ، اعترفوا انهم شاركوا في نقل القنابل الجرثومية الى كوريا الشمالية. لكن معرفة الشعب الكوري التامة بعالم الحيوان الجرثومي في بلاده ساعدت كثيرا في اكتشاف واتلاف هذه النواقل مما الغى مفعول محاولات الامريكان المميتة.
لقد قام كل من البنتاغون ووكالة المخابرات المركزية الامريكية بنقل عدد من الابحاث الى اراضي البلدان الاخرى تحت ستار افتتاح مختبرات طبية هناك لاضفاء طابع اكثر سرية على هذه الاعمال. احد هذه المختبرات واقع في مدينة لاهور الباكستانية.
ففي كانون الثاني من عام 1981، ذهل الرأي العام العالمي عندما عرف بواسطة الصحافة العالمية عند نشرها معلومات متعلقة بالتجارب الفتاكة التي يجريها الامريكان في لاهور من قبل طاقم من جامعة ميرلاند حيث استطاع هذا الطاقم انتاج بعض انواع البعوض والبرغش والحشرات المعدية الاخرى… ثم يجري عدواها بامراض خطيرة مثل الحمى الصفراء وحمى دينغية والتهاب الدماغ الامريكي (سين لوي). وكان الطاقم المختبري يقوم بهذه التجارب على الفلاحين المحليين، حيث يدفع لكل فلاح ثلاثة دولارات مقابل ان يلسعه البعوض المعدي.
وقد اثبت هذا النوع من البعوض بمقاومته للمتغيرات المناخية وبانتشاره بسرعة، اذ باستطاعته نقل المرض الى نحو 90% من الاشخاص الذين يلسعهم، وهذه النسبة اعلى اكثر بكثير من النسبة المتعارف عليها ابان الوباء الطبيعي في هذه المنطقة.
وفي تموز 1981، اعلنت كوبا رسميا عن امكانية ان تكون الاوبئة الفتاكة التي اصابتها خلال سنوات منصرمة خصوصا حمى الضنك، قد سربت الى اراضيها على يد الامريكان الذين استعملوا وسائل كيماوية غير قاتلة وجهت الى عمال قصب السكر الكوبيين تصيبهم بامراض تشلهم لفترة مؤقتة لمنعهم من القيام بممارسة اعمالهم في حقول السكر لمدة يوم او يومين دون عواقب ضارة بصحتهم.

وتأييداً لأقوالها….. عرضت الحكومة الكوبية مقتطفات من تصريحات وبرقيات تثبت استعمال الوسائل المصنعة في مختبرات مؤسسة فورت ديتريك الامريكية.
لقد دأب خبراء القوات المسلحة الامريكية بعد الحرب العالمية الثانية جاهدين على درس عالم الحيوان الجرثومي في جميع مناطق العالم، كدراسة القراد والبرغش في فيتنام وكمبوديا وكوريا، ودراسة قراد وقمل القارة الافريقية والقراد الأماسن في امريكا الوسطى وقراد وبعوض وذباب بلدان المشرق العربي.
وبذلك يمكن الجزم، ان الامريكان يعرفون اليوم عالم الحيوان الجرثومي افضل بكثير مما يعرفه اقرانهم من رجال العلم الاخرين من خارج امريكا. فبالاضافة الى الدوائر المتخصصة في مختلف فروع القوات المسلحة الامريكية، هناك باحثون غير رسميين يعملون في خدمتها، جامعات، ومؤسسات تدرس عن كثب عالم الحيوان الجرثومي في جميع انحاء العالم.
ولدى الكثير من الهيئات العالمية الدولية من الادلة ما يكفي للجزم بان الدراسات التي نشرت من قبل الامريكان ليست الا جزءاً ضئيلاً من مجموع اعمالهم البحثية التي معظمها يحوي معلومات سرية للغاية، لكونها مكرسة للاستعمال العسكري فقط.
لقد جرت بعض التجارب في مختبرات القوات المسلحة الامريكية والتي يتم فيها تحضير عملاء جرثوميين اصطناعيين من خلال التلاعب والتحكم بهندسة الجرثومة الوراثية.
وقد عرفت مثل هذه التجارب بالتحول الجرثومي. وهذه التجارب هي التي مكنت العلماء الامريكان من تمييز وفصل المادة الوراثية النوعية للمرة الاولى، وبذلك تمكن هؤلاء العلماء من مضاعفة القدرة الجرثومية على التغلب على دفاعات الجسم، وان تحدث او تسبب في عدد من الجراثيم تغيرات في حساسيتها ومقاومتها للمضادات الحيوية والمعالجات بالكيمياويات……….
كما ان هناك تجارب اعتمد فيها العلماء الامريكان على العلاقات الموجودة بين الجراثيم والفيروسات الجرثومية (باكترويوفاج) التي تم بواسطتها تحضير عملاء للحرب الجرثومية وذلك بزيادة سمية بعض الجراثيم المنتجة للسم، وتعديل جراثيم اخرى لا تنتج السم بطبيعتها وتحويلها الى منتجات للسموم حيث تغير هذه العملية بعضاً من خصائص الجراثيم ممكنة اياها من انتاج السموم او تتم بجعل الجهاز الوراثي للجرثومة يتحد مع الجهاز الوراثي للفيروس (باكتريوفاج) الذي لا يظهر نفسه (فيروس كامن) لكنه ينتقل الى خلفاء الجرثومة ويستطيع ان يصبح ناشئاً تحت ظروف معينة كالاشعاعات مثلاً.
ان لهذه التغيرات الوراثية يمكن ان تشمل تغيرات احيائية في سلوك الجراثيم بما فيها التأثيرات التي تنتجها عندما تصيب الانسان او الحيوان او النبات.
ان اكثر هذه العمليات الغاية منها هي لاغراض هجومية عدائية خالقة جنساً من الجراثيم يصعب تشخيصها والشديدة السم والاكثر قدرة على تعميم نفسها في الكائن الحي المصاب.
ليس هناك اي شك في ان علماء القوات المسلحة الامريكية يقومون بدراسات مكثفة حول امكنة مختلفة من العالم التي توجد فيها امراض صادرة عن بؤر طبيعية في حالة الكمون، حيث شروط البيئة النوعية مواتية لتطوير بؤر طبيعية لامراض متوطنة اوحيث تتوفر الشروط الممكنة لكي تعود هذه الامراض الى الظهور من جديد بعد ان يكون قد تم التحكم بها عن طريق اعتماد بعض الوسائل التقنية في توسيع مساحة كل بؤرة طبيعية للامراض وزيادة عنف هذه الامراض، وافتعال نسف الحواجز البيئوية، فهناك مراحل طبيعية حصلت لبعض الامراض تعطي فكرة عما يمكن ان يحدث في حال استعمال وسائل اجرامية لاجل تغيير البؤر الطبيعية للامراض.
لقد دأبت اكثر دول العالم ولا سيما بعد التطور التقني الاخير الحاصل في انتاج الاسلحة الجرثومية على ادخال اساليب خاصة بالدفاع ضد اي هجوم جرثومي محتمل ضمن مناهج تدريب قواتها العسكرية ودفاعاتها المدنية، وذلك باستخدامها مادة ال (انترفيرون)، وهو بروتين صعب وغالي الانتاج بالكميات الهائلة التي يجب ان يخزن بها خاصة اذا علمنا انه يجب ان ينتج طبيعياً بواسطة الخلايا البشرية، لكن يمكن تجنب هذه المسألة جزئياً بانتاج انترفيرون فعال جزئياً في الانسان مستعملين خلايا خنزير لكن على اية حال فانتاج الانترفيرون بحصاده من الخلايا في المختبر مكلف للغاية خاصة انه يجب استعمال كميات ضخمة في كل حالة … لنتخيل فقط الكمية اللازمة للاستعمال الجسيم لمنطقة مكتظة بالسكان تعرضت لضربة جرثومية!!
ان العلم بحد ذاته اخلاقي وليس علماً الا اذا كان كذلك، واذا فقد صفته الاخلاقية تلك يغدو اسلوباً تقنياً فقط، وعندما يعترض التطور البشري ينقلب الى مضاد للعلم عند النقطة التي وصلنا اليها فيما يدعي بالحضارة الحديثة يصبح تطور العلم في اعلى هيئاته ضرورياً لحالة الدولة الاخلاقية اكثر من ضرورته لنعيها المادي. كتب ذلك باستور عام 1870، بينما كتب برناردو جوسيسي الامريكي اللاتيني الفائز بجائزة نوبل للسلام في الطب العام 1949 ((ليس هنالك علم بدون وعي وليس هنالك وعي بدون حريه)) اي نعمل ونفكر لاهداف الامبريالية الاعتدائية ليس نشاطاً علمياً، انه نشاط اجرامي مضاد للعلم والانسانية.
* عن مجلة Tricontinental العدد 79.




الكلمات المفتاحية
صناعة الاسلحة الجرثومية مختبرات البحث الامريكية

الانتقال السريع

النشرة البريدية