الخميس 09 نيسان/أبريل 2020

بعد أَنْ ضُرِبَ بحَجَر الشباب أزمة النظام السياسي في العراق

السبت 22 شباط/فبراير 2020
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

والبحث عَن مَنفذ ٍ في الدائرة المُغلَقة
والآن … ؟
بعد أن ضُرِبَ رأس النظام السياسي العراقي بحجر الشباب المنتفض في تظاهرات الاول من تشرين الاول عام 2019 التي إنبثقتْ في ساحة التحرير ببغداد وأمتد تأثيرها الى محافظات الوسط والجنوب ،
– ماذا على الشعب بكافة طبقاته وشرائحه وفئاته ومنظماته الجماهيرية المجتمعية أن يفعل ،وقبل ذلك ماذا على القوى السياسية الفاعلة والمؤثرة أن تفعل ؟
– هل ستبقى الكتل والاحزاب السياسية بموقع المتفرج على ما يجري ويدور مثلما تركوا إولئك الفتية والشباب يواجهون الرصاص الحي بصدورهم العارية أو يكونوا أهدافاً مكشوفة للقناصين وهم يُسددّون رصاصتهم نحو مواضع الرأس والقلب في الاجساد الغضة النحيلة ،وهل ستبقى الجماهير الغاضبة والمنتفضة بإنتظار ما يجود به زعماء أحزاب السلطة ورؤساء الكتل السياسية من أفكار وهم يعيدون إنتاج أنفسهم ونظامهم السياسي بنسخ متجددة دائماً رغم شعورهم الحقيقي بفشل العملية السياسية في تقديم مشروع بناء الدولة العراقية الحديثة .. دولة المؤسسات، ودولة المواطن العراقي الصابر والمظلوم .
لقد إنتهتْ العملية السياسية الى ما إنتهتْ اليه من أزمات متكررة ومُعادة ، وكلُّ أزمةٍ تتولّد في داخلها وتتخّلق في رحمها أزمة اخرى ، حتى بات النظام السياسي يجيء مأزوماً الى مجلس النواب مع كل دورة إنتخابية من قمة رأسِهِ حتى أخمص قدميِهِ التي تغوص في الرمال المتحركة .
لكنَّ أزمة الأخيرة للحكومة التي يرأسها عادل عبد المهدي وهي تواجهُ المتظاهرين العُزَّل بالقوة القاتلة قد حَكَمَتْ على نفسها بالفشل الذريع في التعامل مع واحدة من تلك الأزمات التي تعاني منها الدولة ومؤسساتها بعد أن لطخّتْ أيديها بدماء المتظاهرين الابرياء.
إن طريقة المعالجة العسكرية بطابعها الدموي لتظاهرات الاول من تشرين الاول 2019 لا تليقُ برجل سياسة مُخضرم مثل عادل عبد المهدي بكلِّ تقلباتهِ الفكرية وإنتماءآتِهِ المُتعددة والممتدة على طول سنين طويلة من العمل السياسي ،خاصة ً وإنهُ يقف الآن على أعتاب الثمانين من عُمرِهِ . كما أن تلك المواجهة الدموية مع المتظاهرين لمْ تَنُمْ عن حكمةٍ أو حنكةٍ سياسية أو روح وطنية مسؤولة ، كما أنها وفي الدرجة الأخيرة او أضعف الإيمان لم تتعامل اخلاقياً مع اولئك الشباب والفتيان؛ فالوازع الاخلاقي كان يقتضي من رئيس الوزراء بسنواته الثمانين أن يتعامل مع إولئك المتظاهرين اليافعين معاملة إنسانية ليس بروح الأب فحسب ،بل بروح الجَد الاكبر المليئة بالرعاية والحنان
فماذا أرادَ القائد العام للقوات المسلحة عادل عبد المهدي أن يضيف لنفسهِ ولتأريخهِ السياسي بتلك المواجهة الدموية مع الفتية والشباب وهم بعمر احفادهِ ؟
فهل كان تصرفهُ تصرفاً فردياً خاطئاً يتحمّل مسؤوليتَهُ هو نفسه وليس أحداً سواه،خاصة ً وإنه إعترف في خطابه الاول عقب التظاهرات بقولهِ ( أنا شخصياً أتحمّلُ مسؤولية قيادة الدولة في هذه المرحلة الحساسة )
إذن فقد وَضَعَ نفسَهُ في موضع المسؤولية التاريخية إزاء ما جرى خلال الأيام السبعة التي شهدتها التظاهرات بإعداد الشهداء والجرحى والمصابين والمعتقلين .
فهل يُعقل أن رئيس الوزراء يَدعّي الإستقلال السياسي يمتلك هذه القوة القاتلة التي يوجهَّها إلى صدور أبناء شعبهِ وهو بلا كتلة برلمانية كبيرة تساندُهُ وتدافعُ عَنهُ وعن خطتهِ الدموية لإنقاذ حكومته من السقوط تحت تأثير الإنتفاضة الشعبية ؟ خاصةً وإننا نعرف أنه لم يكن محسوباً على كتلة أو حزب سياسي مُشارك في إنتخابات عام 2018 فلقد إعتزل العمل السياسي بعد الإنشقاق الذي حصل في المجلس الاسلامي الاعلى وتفرَّق خط قيادتهِ الأوّل ، وحتى عندما ترشّح إسمه لرئاسة الوزراء فقد تمَّ تقديمُهُ على أنَّهُ سياسي مٌستقل !
لنتساءل إذن مَنْ يقف وراء رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة ليدفعهُ الى ذلك التصرف الأهوج والمعالجة الدموية للتظاهرات الشعبية العفوية ؟
أشباح … وكائنات فضائية
وبعد ذلك بدأ السيد القائد العام للقوات المسلحة بالتخبط في إدائهِ السياسي المُرتَبِك من أساسهِ ، وبدا وهو يحاولُ التنصّل من مسوؤليتهِ المُباشرة عمَّا حَدَثَ وإبعاد تهمة إستخدام القوة القاتلة ضد المتظاهرين وكأنهُ يترنح تحت وطأة ضربة الحجر التي تلقّاها على رأسهِ من اولئك الفتيان المنتفضين، وهنا في هذه النقطة بالذات ما عادَ (عبد المهدي) يعرفُ كيفَ يخرجُ من ورطتهِ ومحنته السياسية الكبيرة في إدارة الازمة المتفاقمة ، فبعد أيام عديدة من إستخدام القوة القاتلة ضد التظاهرات السلمية في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب وإرتفاع أعداد الضحايا والجرحى والمعتقلين بدأ رئيس الوزراء يتحدّثُ بأنهُ لم يُصدرْ الأوامر بإطلاق النارعلى الضحايا ، بل إدعّى أنَّ هُناكَ مُندسّين وقنَّاصين مجهولين هُم مَنْ قاموا بقتل المتظاهرين وأفراد القوات المُسَّلحة في وقتٍ واحد ، وهنا بدا القائد العام للقوات المسلحة وكأنهُ يتحدث عن أشباح، وكائنات غير مرئية،وعناصر مسلحة نزلتْ من الفضاء إلى ساحات المواجهة وقامتْ بإطلاق النار واستخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين وأفراد القوات المسلحة معاً !!
أيُّ مَشهَدٍ مُعّقدٍ وشائكٍ ومُلتبسٍ تعيش فيه حكومة السياسي المخضرم عادل عبد المهدي وهي لم تكملْ عامها الاول في سدة الحُكم ؟
الإستقالة ما زالت في جيبه
وفي إثناء إحتدام المشهد في شوارع بغداد والمحافظات والصخب والضجيج الناتج عن أصوات الهتافات الهادرة ولعلعة الرصاص الحكومي المنطلق نحو تلك الجموع المنتفضة صمتت الكتل والاحزاب السياسية المشتركة في تشكيل الحكومة، وفضّلتْ الإختفاء وراء شخصية عادل عبد المهدي وظلتْ تترقّبُ عمَّا يمكنُ أنْ يُسفَرَ عَنهُ ذلك المَشْهَد المُحتدم.
وفي ظل ذلك السكوت وعدم التعليق بأي كلمة من قبل أحزاب وقوى السلطة على ما يجري ويدور، بقيَ عادل عبد المهدي بصلاحيتهِ ومناصبهِ العامة ماضياً في حلّهِ العسكري بطابعه الدموي ، ولمَّا شَعَرَ أن ذلك لا يحلُّ الأزمة المندلعة، فلجأَ الى حلٍّ وقتي يتمثّلُ بفرض حظر التجوال وقطع خدمة الانترنيت وحجب مواقع التواصل الاجتماعي وقد تزامن ذلك بقيام عناصر مسلحة مجهولة الهوية بإقتحام وتخريب والاعتداء وإستخدام العنف ووصل الأمر الى حد إطلاق الصواريخ بواسطة طائرة مُسَّيْرة على بعض القنوات الفضائية التي نشطتْ في المتابعة الاعلامية لتلك التظاهرات ميدانياً ، كلُّ ذلك كان يجري في مشهد ظلَّ الترقّب والهدوء الحذر هو سيد الموقف فيه والمفتوح على كل الاحتمالات .
فقد توقَّع الكثير من المراقبين وبعض أحزاب السلطة أن يقوم (عبد المهدي) بخطوة طالما لوَّحَ بها في أكثر من مناسبة وهي إخراج إستقالته من جيبهِ ورميها بوجه الكتل والاحزاب التي جاءتْ به الى رئاسة الوزراء، خاصة ً بعد إشتداد الضغط عليه وبقائه وحيداً بمواجهة حشود المنتفضين وكنتُ أتوقّعُ شخصياً أن يُقدمَ ( عادل عبد المهدي) على تلك الخطوة في خطابهِ الأوّل الذي ألقاهُ بعد إندلاع المواجهات الدموية بين المتظاهرين والقوات المسلحة ،وكنتُ أظنُ أنه رُبَّما يريدُ أنْ يحفظَ بعض ما بقي لهُ مِن ماء وجهه كي يرجع الى إستقلاله السياسي الذي رَوّجَ له ، ويعود الى عزلته السياسية الشخصية كآخر السياسين المتوارين خلف الكواليس من عجائز المجلس الاسلامي الاعلى أمثال جلال الدين الصغير وهمام حمودي وباقر جبر صولاغ ..
وحتى بعض الكتل والأحزاب داخل البرلمان والتي كانت تسعى للضغط على عادل عبد المهدي وتعلن صراحةً بضرورة إستجوابهِ ومن ثم العمل لإقالتهِ والبحث عن بديل بسبب فشل برنامجهِ الحكومي وتلكؤ إدائهِ السياسي خاصة ً وإنها كانت تعمل من أجل ذلك تزامناً مع مرور السنة الاولى من عمر حكومة (عبد المهدي ) …هذه الكتل البرلمانية الكبيرة والمؤثرة قد لاذت بالسكوت عمَّا يجري، وبَدَتْ وكأنها تقف وراء عبد المهدي وتدافع عن بقائهِ على رأس السلطة التنفيذية لإخراجها من الموقف الصعب الذي وجدتْ نفسَها فيه وهي ترى المشهد الدموي آخذاً بالتأزم والإحتدام لتجسَّد بذلك نموذجاً من نماذج النفاق السياسي وإعلاء لروح الانتهازية واللعب على الحبال المعلقة .
لكنَّ( عبد المهدي) خيَّبَ كل الظنون وضَرَبَ كافة التوقعات وأعلنَ أنهُ يتحمّلُ مسؤولية ما يحدث ، لكنهُ بالمقابل ألقى باللائمة على الحكومات السابقة وحَمَّلها مسؤولية التراكمات والتركات الثقلية الموجودة في الدولة والمجتمع بما فيها الأزمات والمشاكل الاقتصادية المستفحلة والتي بسببها إندلعتْ شرارة التظاهرات .
وبذلك نعود لندخل الى الدوائر المغلقة التي أحكمتْ العملية السياسية حلقاتها على نفسها طوال ال16 عاما المنصرمة .
صخور … وسفينة غارقة !
فهل سيكون الإعتراف بالطبيعة التراكمية للمشاكل الثقيلة والازمات المستفحلة التي ورثها عادل عبد المهدي من الحكومات السابقة إيذاناً بالشروع والبدء بحلحلة تلك التركة الثقيلة وتفتيت صخورها الجبلية الصماء؟ وهل سيكون عادل عبد المهدي رجل المهمات الصعبة والقائد المناسب في هذه المرحلة الحساسة -كما وصفها هو – خاصة ً وإنه أعترف بخطابهِ الأوّل الذي أعقب المواجهات الدموية بأنه (لا توجدُ حلولٌ سحرية لتحقيق الاحلام ).
إذن مَنْ يرفعُ هذه الأثقال والصخور المُتكلّسة من سفينة الحكومات المتعاقبة والغارقة في بحار الفساد، والبطالة، والفقر، والمحاصصة، والتلكؤ، والفشل، والإحباط، واليأس، والإدعاء ،وإجترار الأخطاء، وتوقّف المشاريع، وتدني الخدمات العامة، وهدر الأموال في الموازنات الانفجارية،وغيرها الكثير من الأمراض المستعصية ، وليس أخرها إنسداد الافق السياسي والوصول الى هذا الطريق المسدود ؟
بمعنى هل هناك مشروع إصلاح سياسي لما إفسدتهُ الحكومات المتعاقبة والتي جاءت بها الانتخابات الديمقراطية ؟ أمْ أنَّ مشروع الاصلاح السياسي سيأتي به الشعب عبر حركاتهِ الاحتجاجية وتظاهراتهِ الشعبية ومن خلال رفع أهداف ومطالب ورسم مسارات بنيوية جوهرية تُصحِّحُ، وتنقذ ُ ما أُطلق عليه ب(العملية السياسية) مِمِّا إنتهت اليه؟
لا بُدَّ من التأكيد هنا بأن أيّ مشروع لل (الإصلاح) ينبغي لهُ أولاً من الإعتراف بأن هناك فساداً مُستفّحِلاً ومُتفشّياً في العملية السياسية التي تقود الدولة العراقية الحالية منذ عام 2003 ، وقد إنتشرَ في أدواتها وآلياتها وسياقاتها المعتمدة ، بل حتى مدوناتها المركزية ويقف الدستور في مقدمتها تنطوي على الكثير من الأخطاء والعيوب والذي يتوجب البدء بقراءتهِ قراءة جديدة في ضوء التجربة الفاشلة والمتعثرة والنتائج السلبية التي تمخضّتْ عنها، ومن ثم العمل على إعادة كتابتهِ من جديد ومعالجة الثغرات والعيوب التأسيسة التي حِفلَ بها ، وكذلك معالجة الأخطاء والممارسات التي رافقتْ العملية السياسية بما فيها نظام الانتخابات وقانون الأحزاب وطريقة المحاصصة المقيتة و(التوافقية الديمقراطية) التي غيّبتْ ركيزةً أساسيةً من ركائز الديمقراطية والمتمثّلة بالأغلبية السياسية أو ما يُعرف لدينا ب( الكتلة الاكبر ) وكذلك غياب (المعارضة) السياسية … وغيرها من الآليات التي يتوجّبُ مراجعتها ومعالجتها.
وإزاء إستفحال سرطان الفساد في جسد الدولة والعملية السياسية التي أنجبتها ، تتعالى الدعوات والإدّعاءآت والأفكار والأقوال لل (الإصلاح) مع إختلاف هذه المُتبنيات في درجة صدقيتها وجديتها أو في نضوجها وبلورتها لكنها في كل الاحوال لم ترتق ِ الى مستوى مشروع سياسي ستراتيجي ولم تُقدمْ كمنهاج متكامل أو برنامج حكومي كامل بتوجهات وتوقيتات وآليات مُحددة ، فهل يمكن أن ينبثق مشروع(الإصلاح) من منظومة سياسية فاسدة ظلتْ تعيدُ نفسَها في دائرة الحكم السياسي على مدى 16 عاماً ؟
الاذرع الاخطبوطية
لقد تمكّنتْ تلك القوى السياسية طوال السنوات الماضية من تثبيت أقدامها في الأرض وَعَمَدَتْ على مدِّ جذورها في تربة تلك الارض،وترسيخ وجودها ، ومن ثم إستطاعت نشر أذرعها الإخطبوطية في هيكل ومفاصل الدولة ، وما أن يتم الإعتراض على إسلوب قيادة تلك القوى للمجتمع،وطريقة بنائها للدولة التي تم إبتلاعها أو رفض بعض تصرفاتها وسلوكها السياسي،فإن تلك القوى ترِدُّ بالإجابة المعهودة دائماً بانها لم تغتصبْ الحكم أو الحكومة من أحدٍ ، بل جاءتْ إلى سدة الحكم ومركز صناعة القرار من خلال الإنتخابات وصناديق الاقتراع !!
إذن كيف سيخرج الشعب ومنظومته الإجتماعية من هذه الدوائر المغلقة التي أحكمتْ حلقاتها حولَ عُنقهِ؟ وإذا كانتْ الإنتخابات تشكّل الواجهة الرئيسة والدعامة الاولى في بناء الديمقراطية في البلاد أفليسَ التظاهرات والإحتجاج والرفض هي من حقوق وممارسات الديمقراطية ذاتها؟
– فلماذا إذن تصرف الحكومات المتعاقبة مليارت الدولارات لغرض إقامة الإنتخابات في حين أنها لا تصرف دينارا واحداً على تنظيم التظاهرات والسماح لقيامها، بل تواجهها الحكومة دائماً بالحديد والنار وتقف التظاهرات الأخيرة وموقف الحكومة منها شاهداً على ما أقول !!
وفي المأزق التاريخي الأخير والمواجهات الدامية بين القوات المسلحة والمتظاهرين العُزَّل وقفت القوى السياسية التي إنتخبها الشعب وأجلسها على كراسي صنع القرار تحت قبة البرلمان، متفرجةً ، وساكتة ، وساكنة أمام مشهد قتل المتظاهرين بدم بارد من قبل القناصين المجهولين ، وَبَدَتْ تلك القوى وكأنَّ الامر لا يعنيها في شيء، ففي الجلسة البرلمانية التي عُقِدتْ يوم الخميس 10 / 10 / 2019 تمّتْ الموافقة على ترشيح وزيرة التربية ووزير الصحة الجديد وإنفضتْ الجلسة وبعدها مَنَحَ مجلسُ النواب نفسَهُ عطلة تمتد لأكثر من عشرة أيام ، وكأن شيئاً لمْ يكنْ يحدث في شوارع وساحات وجسور العاصمة والمحافظات التي إصطبغتْ بالدم العراقي البريء على مدى إسبوع كامل !!
– تُرى أينَ يكمنُ الخلل في هذه المعادلة غير المتوازنة؟ هل هو في الشعب الذي إنتخبَ هذه النخبة السياسية التي أنتجتْ مجلس النواب ومنه إنبثقتْ الحكومة بشقيها التشريعي والتنفيذي ؟ أمْ أن الخلل يكمنُ في مجلس النواب الذي أدار ظهره للشعب المنتفض الذي يُقدّمٌ الضحايا والقرابين من أجل تصحيح مسار الحكومة ؟
نحن إذن أمام إزدواجية مُعَقّدة ومُلتبسِة تتمثّلُ بعلاقة الشعب بالحكومة وبينهما الانتخابات .. إزدواجية تُصعّبُ عملية التخلص من هذه الدوائر المغلقة التي أحكمتْ عملية الإغلاق على فراغ قاتل .
مكوِّنات … وكتل كبيرة
بعض الكتل السياسية الكبيرة وخاصة( سائرون) بزعامة السيد مقتدى الصدر التي تصّدتْ لتشكيل الحكومة ورشّحتْ عادل عبد المهدي لرئاسة الوزراء بتحالفها مع كتلة( الفتح) بزعامة هادي العامري في ظل عدم وجود ما يسمى ب(الكتلة الاكبر)… كتلة( سائرون) وبشخص زعيمها مقتدى الصدر شعرتْ بفداحة الموقف وأرادتْ الخروج من تلك الدائرة المغلقة ففتحتْ ثغرة ً في الجدار بواسطة قصاصة صغيرة كُتِبَتْ بخط يد السيد مقتدى الصدر وتم نشرها في مواقع التواصل الاجتماعي ودَعَتْ فيها صراحة ً الى إستقالة حكومة عادل عبد المهدي وحلِّ البرلمان والدعوة الى إنتخابات مُبَكِّرة وبإشراف الأمم المتحدة. في حين سارعتْ كتلة(نصر) بزعامة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي إلى الدعوة بتشكيل حكومة إنقاذ وطني وحلِّ الحكومة والبرلمان والدعوة إلى إنتخابات مُبَكِّرة .
إنَّ طرح مثل هذه الحلول الآنية إزاء التراكمات والتركات الثقيلة للحكومات المتعاقبة منذ عام 2003 ومن قبل شخصيات سياسية بارزة ومؤثرة في المشهد السياسي العراقي ، يُعبُّرُ بكل تأكيد عن وعي وإدراك لما وصلتْ إليه العملية السياسية من طريق مسدود،ويشير إلى ما تعانيه من أمراض مزمنة وجدتْ إنه لا شفاء منها إلاّ بهذا الحل بإطارهِ الأممي .
لكن هذا الحل الأخير الذي إقترحَتْهُ كل من كتلتي( سائرون) و(النصر) بفقراتهِ وخطواتهِ التي تمَّ الاعلان عنها لا يمكن التعويل عليه كثيراً في ظل الإنقسام السياسي الكبير الذي يَشهدُهُ مجلس النواب، وخاصة ً في ظلِّ الأزمة الخانقة التي تمرُّ بها حكومة عبد المهدي، فبعض القوى المؤثرة الأخرى بقيتْ مُترددّة ً بإعلان موقفها الرسمي والواضح من الأزمة ولمْ تُكلّفْ نفسَها عناء البحث عن حلول ومعالجات للخروج منها, في حين بعض تلك القوى والكتل والأحزاب وجدتْ أن ذلك الحل الذي أشرتُ اليهِ آنفاً لا يناسبُها ولا ينسجمُ مع طموحاتِها ومصالحِها ،وهي تنظرُ الى الأزمة ومعالجتها من زاويةٍ أُخرى، وترى أنَّ إقالة عبد المهدي هو بمثابة الذهاب الى المجهول ، ولذا فهي تدعو للإبقاء عليه في منصبهِ والإصطفاف معه وإسنادهِ والدفاع عَنهُ ، بل وإستعدادها للقتال من أجلهِ وهذا ما أعلنَهُ صراحة ً الرجل الثاني في كتلة(الفتح) فالح الفياض رئيس الحشد الشعبي ومستشار الامن الوطني .
أمّا جبهة (المُعارَضة) التي يمثُّلها تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم فقد بقيتْ تراوح في مكانها ولمْ تستطعْ أنْ تستقطب قوى وشخصيات برلمانية اخرى في حراكها السياسي المُعارض لتكون قوة سياسية مضادة فاعلة ومؤثرة وذات ثقل واضح في تصدِّيها للأزمة وسُبُل معالجتها.
وسيزداد الطريق الموصل الى الحلِّ الذي إقَترَحَتْهُ كتلتا(سائرون) و(النصر) صعوبةً ووعرةً في ظل إنقسام البرلمان العراقي حسب مكوناته القومية والطائفية ف(تحالف القوى العراقية) الذي يمثّلُ ما يُعرف سياسياً ب(المُكَوِّن السُّني) نيابياً وَجَدَ أنَّ هذه الازمة من حيث المنشأ والحل هي شيعية بإمتياز وتخّصُ ما يعرف سياسياً ب(المُكَوِّن الشيعي)الذي يحتكر منصب رئيس الوزراء ضمن حصص المكونات والطوائف في تشكيل الحكومة، فضلاً عن بقاء التظاهرات محصورة في محافظات الوسط والجنوب (الشيعي) العراقي ، في حين بقيتْ محافظات (المُكَوِّن السُّني) هادئةً لا يعنيها أمر هذه التظاهرات ومواجهاتها الدموية في شيء، ولذا لمْ تنظّمْ إليها في التظاهر والاحتجاج ولمْ تقمْ بتنبني منطلقاتها ومطالبها الجماهيرية، بل ولمْ تتعاطفْ معها حتى في أضعف الايمان.
أما التحالف الكردستاني الذي يمثل (المُكَوِّن الكردي) في البرلمان فهو أبعد ما يكون عن هذه الأزمة وسبل معالجتها، فضلاً عن أنَّ وجود عبد المهدي في دفة رئاسة الوزراء حققَّ لهُ التقارب والتفاهم بين بغداد والإقليم وضَمَنَ للتحالف الكردستاني المصالح والامتيازات والحقوق (القومية) للإقليم والتي تم حرمانه منها طوال سنوات حكم رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي.
البحث عن حلول
لقد أثبتتْ السنوات ال16 الماضية بإن النظام السياسي الجديد الذي إنبثق بعد عام 2003 أصبحَ قادراً على إعادة إنتاج نفسه مرةً تلو إخرى ، كما أنَّ له القدرة والإمكانيات على إمتصاص غضب الجماهير المحتجة ومظاهراتها وبما يُمكَّنهُ من عبور أيام الأزمة وتجاوز الموقف الصعب والخروج من الزاوية الحرجة ،ومن ثم الهروب الى أمام ليتمَّ بذلك تأجيل حل التراكمات والأزمات والمعضلات القائمة بإعتبارها إرث ثقيل وأعباء متوارثة من الحكومات السابقة!!
وفي حالة عدم تبني البرلمان للحلول التي تم طرحها من قبل (سائرون)و( النصر) بفقراتها وخطواتها، فإن الحل الامثل لكل هذه الازمات وتداعيايتها ولاجل الخروج من الدوائر المغلقة والقفز على الطريق المسدود يتمثّلُ أولاً بتبني الكتل والاحزاب الكبيرة مشروع إصلاح سياسي حقيقي وجاد وبنظرة شاملة وعميقة تشمل إعادة النظر بالعملية السياسية برمتها وتغيير شكل ونظام الحكم السياسي بما في ذلك تقييم وتقويم مُدونة الحكم الاولى (الدستور) والذي يتوجب البدء بقراءتهِ قراءة جديدة في ضوء التجربة الفاشلة والمتعثرة والنتائج السلبية التي تمخضّتْ عنها، ومن ثم العمل على إعادة كتابتهِ من جديد ومعالجة الثغرات والعيوب التأسيسة والأخطاء والممارسات التي رافقتْ العملية السياسية بما فيها نظام الانتخابات وقانون الأحزاب وطريقة المحاصصة المقيتة و(التوافقية الديمقراطية) التي غيّبتْ ركيزةً أساسيةً من ركائز الديمقراطية والمتمثّلة بالأغلبية السياسية وكذلك غياب (المعارضة) السياسية ، وغيرها من الآليات التي يتوجّبُ مراجعتها ومعالجتها
والحل الثاني يتمثّلُ بولادة البطل الوطني المُنقِذ بمواصفات تاريخية من رحم هذه المعاناة الطويلة لينقذ الشعب مما هو فيه، وهو أملٌ ربما سيطولُ إنتظارهُ طويلاً، وربما لا يأتي أبداً ذلك البطل الوطني المُنتظر،
والحل الثالث يتمثّل بحراكٍ شعبي واسعٍ وعريض يزحفُ من المحافظات بإتجاه بغداد وتحديداً نحو المنطقة الخضراء والضغط عليها بإهداف وشعارات سياسية ومطالبات إصلاحية واضحة ومحددة .
ومن غير ذلك وسواه من الحلول فإن الوضع يبقى على ما هو عليه الى ما لا نهاية تماماً مثل الخط المنحني على نفسهِ في الدائرة المغلقة
* رضا المحمداوي / ناقد وشاعر ومخرج تلفزيوني

مقالات سابقة للكاتب المزيد من مقالات الكاتب



    الكلمات المفتاحية
    أزمة النظام السياسي الشباب النظام السياسي في العراق

    الانتقال السريع

    النشرة البريدية

    تعليقات فيس بوك

    تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

    التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.