الجمعة 05 حزيران/يونيو 2020

الموت في الغربة وطن

الخميس 20 شباط/فبراير 2020
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

اراك تنعى نفسك يا صديقي؟!

ما كنت أراه من نجاح في حياتك العملية وهدوء تعاملك اصبح فيما بعد طموح كبير لدي بأن اكون كما انت في كل شيء. ، الا رئتاك اللتان علمت فيما بعد إنهما غير صالحتان للاستعمال التنفسي…!

قد تكون رحلة الموت في الغربة اكثر هدوء من موت تستنشقه في صدر مخرق وسط بلد لا يستحق منك حتى ذكر اسمه على أطراف لسانك.. بلد لا يكون وطنًا لو وضعناه على المعايير الدولية لقياس الأوطان، فهو لم يعد كما تعتقده انت من قبل، اذ ان حاضره لا يختلف كثيرا عن ماضيه ولا يعد اقل سوءًا من مستقبله الذي بات مكبل بعمائم وظفت الدين والدنيا لأجل مصالحها الضيقة ومنافعها الشخصية ، الوطن الذي تفتقده أوصيك أن تنعاه ونفسك في آن واحد. فهو لا يختلف كثيرا عن رئتيك اللتان خرقهما “الخبيث” ، فالخبيث واحد وان تغير شكله أو تبدلت ملامحه، وقد تقاسم الاستيطان بين رئتيك ووطنك وأي مصيبة تمر بها انت يا صديقي؟!

لا تنعى الوطن بعد اليوم ولا تتغنى بالوطنية. فكل شيء في زوال يا صديق المنفى وأستاذ المهنية.. فتش عن وطنا يأويك أو عن وطنا تكون مساحته بحجم أحلامك ، فالعراق لم يعد كافيا لأحلامك ولا لطموحات ابناء الشهداء والراحلين بغير ذنب إلى مقابر الموت..

صديقي..!

ان تموت بين ذراعي قريبة منك لافضل من الدفن في مقبرة وادي السلام التي قد يتحول قبرك فيها الى شارع تسحقه اقدام السائرين وهم متجهين الى مثوى أحبتهم او الزائرون لمراقد ذويهم.. أما إذا كنت من ذوي النفوذ وتمكنت من الحصول على قطعة قبر تكون ركناً على شارعين تجاريين. فأعلم ان الباعة المتجولون سيتاخذون من قبرك رصيف يبتاعون عليه بضاعتهم ويعرضون عليه “دبات المي ورد” وأعواد البخور التي لن ينفعك عطرها لان رئتيك لا يتحملان كثرة الشهيق …! وحتمًا ستزعجك اصواتهم وهم يحاول مراوغة ذوي الموتى في ترغيبهم لشراء ما يتاجرون به في المقبرة..! فكل شيء يا صديقي اصبح تجارة في بلدك العراق، حتى الموت اصبح تجارة رائجة ومربحة جداً ولا تحتاج للتسويق أو الدعاية أو الإعلام، فالموت اصبح هنا بحسب الطلب وبخدمة التوصيل المجاني وكيفما ترغب رغمًا عن انفك..!

لا تنعى نفسك في بلد لم ينعاك يوماً ولا تتحسر على وادٍ اصبح مرتع لتجار الحشيشة ونباشي القبور.. فقبورنا أصبحت متصحرة كارواحنا لا زرع فيها ولا مغتسل انيق نغتسل فيه ما تبقى من ذنوبنا قبل الوشاح الأبيض او قبل الرداء الأخير … ما نحلم به ايها الصديق هو ان ندفن في قلوب احبتنا الى الأبد وان يكون لنا مرقداً مذهب في ذاكرتهم كلما ذكرونا قراءوا لنا ما تيسر لهم من الكلام الجميل.. دمت حيا وميتا وكفاك الله شر العراق ورزقك الشفاء لاوجاعك في ديار الغربة..

اذ يحيي الرئتين وهي رميم..!




الكلمات المفتاحية
الغربة وطن الموت

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.