الاثنين 28 أيلول/سبتمبر 2020

عن آخر حروب الفيران والثيران

الثلاثاء 31 كانون أول/ديسمبر 2019
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

لو كانت الصواريخ العيماء التي أرسلها أبو مهدي المهندس، مالكُ حزب الله العراقي، إلى مُجمّع كركوك العسكري الأمريكي دفاعا عن العراق وسيادته وكرامته واستقلاله لزغرد لها كل فتيان وفتيات ساحات التحرير في بغداد والمحافظات المنتفضة الأخرى.

ولكنها مكروهة ومرفوضة من العراقيين والعراقيات، أجمعين، لأنها إيرانية الصنع، ولأنها اُطلقت من شدة حنق الولي الفقيه الإيراني وضيق صدره وغليان دمه وغضبه على الرئيس الأمريكي ترمب الذي لا شاغل له، حتى وهو في عز أزمته الرئاسية المُحرجة، سوى تعميق وتشديد وتفعيل سياسة الخنق التي بدأها، والإصرار على خوضها حتى نهايتها، فيتوب النظام الأحمق عن حماقاته، ويتبرأ من سياساته التوسعية والعدوانية الدموية، ويحمل عصاه عائدا إلى داخل بلاده ذليلا مدحورا، أو حتى يثور عليه شعبه ويسقطه ليريح ويستريح.

والظاهر أن الذي خطط لها، والذي نفذها كان في غاية الغباء والغفلة وقلة الخبرة وانعدام التركيز. فـثلاثون صاروخا إيرانيا أمطرها على القاعدة الأمريكية في كركوك فلم تقتل سوى (متعاقد) واحد فقط مع وزارة الدفاع الأمريكية، وقد لا يكون أمريكيا، ولمتحدث سوى أضرار مادية في مركبات ومذاخرعتاد ليست في حساب الترسانة الأمريكية أكثر من حبة خردل واحدة من بيادر لا حدود لها من مركبات وذخائر وجنود.

ومقابل الصواريخ الثلاثين الخائبة التي تورط أبو مهدي المهندس بإطلاقها أرسلالأمريكان إليه أربعة صواريخ فقط، لا غير، على ثلاثة من مواقعه في العراق، واثنين في سوريا، فدمرت مستودعات أسلحته، وقواعد قيادة وسيطرة، ويقال إنها قتلت عشرين (مجاهدا)، وأصابت العشرات، ولا يُعرف لحد الآن عدد القتلى والمصابين النهائي، كما تقول الوكالات العالمية الكبرى، وذلك لأن كثيرين ما زالوا تحت الأنقاظ.

وردا على هذا الضربة الموجعة أرسلت كتائب حزب الله أربعة صواريخ أخرى سقطت قرب قاعدة التاجي شمال بغداد التي تضم جنودا أميركيين، وفق ما أفاد به مسؤول أمني عراقي دون أن تسفر عن ضحايا.

ولأن كتائب حزب الله العراقي جزءٌ مهمٌ من مليشيات الحشد الشعبي شبه الرسمية الحكومية، فإن هجومها على القوات الأمريكية الموجودة باتفاق رسمي مع الحكومة العراقية للمساعدة والتدريب في القتال ضد تنظيم داعش، يُحمّل الحكومة العراقية جزءً كبيرا من المسؤولية، ويكشف عن ضعفها وعجزها عن حماية أمن شعبها وسلامة بلادها، ويؤكد أنها حكومة كارتونية لا تحل ولا تربط، وأن المليشيات التي تعمل بتوجيهات إيرانية مباشرة، مستترة أحيانا، وعلنية أحيانا أخرى، هي التي تملك خيوطها وتغزل لها غزلها.

خصوصا وأن أصغر وأبسط مواطن عراقي يعلم بأن الذي أنعم عليهم وحملهم من مقاهي طهران وعمان وبيروت ولندن وسوريا وجعلهم أئمة ورؤساء ووزراء وسفراء وأصحاب مليشيات هم الأمريكان، وأن الذي استنجد بالضباط والجنود الأمريكان المتواجدين في قواعد كركوك وأربيل والأنبار والتاجي، والذي استضافهم لمساعدة حكومته على طرد المحتلين الدواعش وتحرير المدن التي تسبب أحد أشقائهم (المجاهدين) في احتلالها هو رئيس الحكومة التي يملكها ويدير شؤونها الإيرانيون ووكلاؤهم العراقيون.

والشيء الآخر هو أن هذه الهجمات الخائبة الغبية تأتي ونظام الحكم العراقي محاصر، ومحتقن، ومتشرذم، ومضطرب، ومهدد بطوفان الغضب الشعبي المستاء جدا من عمالة أحزابه الحاكمة، ومن عدم اكتراثها بأمن شعبها ومصالحه الحيوية الوطنية العليا،ومن سعيها لاتخاذ أرض العراق وأهله ساحة صراع دولي خارجي دون مبرر من أي نوع.

وهذا دليل آخر قاطع على أن زعماء تلك الأحزاب والمليشيات، مختارين أو مجبرين، يزيدون، بحماقة وصفاقة وجهالة، غضبَ الغاضبين عليهم، ونقمة الناقمين على أسيادهم، ويقطعون آخر خيوط الأمل في إمكانية صحوتهم من غفلتهم، وعودتهم إلى شعبهم بعد فراق طويل. إنهم، بعد كل شهداء شعبهم ومصابيه ومغتاليه ومخطوفيه ومفقوديه، لم يدركوا بعد ما ينتظرهم من عذاب عظيم.

وخلاصة الخلاصة أن من المخجل والمحزن، في آنٍ واحد، هو هذه المقاتلة بين الفيران العراقية الإيرانية المنهكة المتهالكة وبين ثيران الأمريكان الهائجة، وعلى أرض العراقيين الأبرياء، وداخل أحيائهم وبين منازلهم ودكاكينهم التي منها يأكلون ويشربون. آهٍ، لو كان الغباءُ رجلا لقتلته منذ زمن طويل.




الانتقال السريع

النشرة البريدية