الخميس 21 أكتوبر 2021
22 C
بغداد

خدّام الشعب!

فجرت التظاهرات الشعبية مشاعر السخط ضد شخصيات وأحزاب حاكمة فاسدة، كانت وما تزال تعاني من الانفصال عن واقع الناس،والانشغال بالصراع على المصالح الحزبية والمناصب التحاصصية،وقد نسي الكثير من السياسيين أن جوهر وظيفتهم خدمة الناس وليس التعالي عليهم أو سرقتهم!
الاحتجاجات الشبابية وصرخات المقهورين هزت كراسي الحاكمين، ولا بد أن تضع هذه الأحداث الصادمة أمام كل ذي بصيرة ثاقبة ورؤية سليمة دروساً،في مفاهيم السياسة والحكم والإدارة،والدعوة إلى تغيير جذري في مفهوم السلطة وروح الدولة،وتقديم نموذج عراقي جديد،ينبع من روح الحضارة الإسلامية والعربية،وهو ما يمكن أن نسميه(دولة الخدمة) العامة التي يصبح فيها الحاكم خادماً للشعب، في مقابل دولة الاستبداد والتسلط والتكبر والطغيان والظلم التي عرفتها أنظمة الحكم السابقة.
إن جوهر الحكم ينبغي ان يكون(خدمة الناس) وتطبيق مبدأ(الرحمة فوق القانون)،ورغم إن إرضاء جميع الناس في بلد متعدد الأعراق والمذاهب مثل العراق،يبدو صعباً،لكن يمكن تجاوز الكثير من الأزمات من خلال تقديم نموذج في الحكم يقوم على التسامح والبساطة ومراعاة حاجات الشعب ورعاية الفقراء وكفالة العاجزين والأرامل والأيتام وإنصاف المظلومين، والتصالح مع التائبين المعترفين بذنوبهم،وتوزيع الثروات بعدالة،وتوفير الخدمات الضرورية وتلبية الحاجات الأساسية وبخاصة العمل والمسكن والمأكل والملبس.
من ناحية الشكل،في النظام السياسي والإداري،ينبغي إجراء مراجعة للقوانين والقرارات الموروثة وإلغاءها أو تعديلها، وفق متطلبات المجتمع وظروفه،وتنسجم مع بنود الدستور،ومباديء حقوق الانسان الأساسية،وفيما يتعلق بالأوصاف والألقاب الرسمية ورث العراق قاموساً هجيناً عجيباً، من التسميات الرسمية والإدارية، المتوارثة من العهد العثماني ثم الانجليزي ثم الملكي ثم الجمهوري ثم الأمريكاني،مثل فخامة الرئيس وسيادة الزعيم وصاحب المعالي،وغيرها من ألقاب التفخيم والتبجيل، التي تنفخ الغرور في شخصية المسؤول وتدعوه إلى الزهو والتكبر على الناس،في حين إن المطلوب أن يشعر الحاكم بالتواضع وخشية الله والخوف من الشعب، وأقترح أن تعاد صياغة تلك التسميات في الهرم الحكومي،وتثبت في قانون يصدر عن مجلس النواب يسمى(قانون الألقاب الرسمية العراقي) يستوحي جوهر الوظيفة،وهو(الخدمة العامة)، وهناك تسمية رسمية متكررة في بعض القوانين النافذة(مثل قانون الخدمة المدنية) وقانون(الخدمة العسكرية) وقانون( الخدمة الجامعية) وغيرها، فكلمة (الخدمة) ليست مسيئة في معناها، ولو طبق مفهوم خدمة الشعب، مثلما هو سائد في الدول المتقدمة، لأصبحت الدولة حاضنة وراعية للجميع، دون تفريق، وزال الشعور بالغبن والتهميش لدى بعض الناس، وعلى وفق هذا الاقتراح يمكن أن يصبح لقب المدير(خادم القسم) ويصبح المدير العام(الخادم العام)،ورئيس الجامعة(خادم الجامعة) ويصبح الوزير(خادم الناس) والنائب(خادم الشعب) ورئيس الوزراء(خادم الدولة) ورئيس الجمهورية(أمين الجمهورية)،وأن تثبت هذه التسميات في الدستور والقوانين،ويحاسب هؤلاء الخدم من قبل الشعب،على سلوكهم وأسلوبهم في التعامل مع الناس، عبر جميع القنوات والوسائل الديمقراطية،وتلغى جميع المظاهر التي تتناقض مع مفهوم الخدمة العامة،ونعود الى البساطة في الشكل والجوهر،بلا مظاهر رسمية تسلطية.
ومن ضمن تطبيقات مفهوم الخدمة العامة،ينبغي أن يتفرغ المسؤول(الخادم) في أي منصب، يوماً في الاسبوع لمقابلة الناس في دائرته،بلا حواجز،ويفضل أن يجلس في استعلامات الدائرة،لينصف مظلوماً،ويطمأن ملهوفاً،وأن يقوم في يوم آخر، بالنزول من مكتبه المكيف وسيارته المصفحة إلى ميدان عمل دائرته،فيطلع مباشرة على معاناة الناس ويستمع إلى شكاواهم وهمومهم واحتياجاتهم الحقيقية.
وضمن مفهوم الخدمة العامة، من الضروري مراجعة الإجراءات الروتينية الإدارية في الدوائر الحكومية، من أجل اختصار الوقت والجهد، وتوفير أجواء مريحة للمراجعين،ومحاسبة المقصرين والفاسدين من الموظفين،لكي لا ينسوا أبداً انهم خدم للشعب في دولة عادلة مزدهرة.

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
738متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الأيام الفاصلة القادمة في العراق

إن الهزة التي أحدثتها الانتخابات الأخيرة في المجتمع العراقي كانت، وبلا شك، ثمرة من ثمرات انتفاضة تشرين، رغم النجاح الخادع الذي توهمت الأحزاب والفصائل...

مقتدى والإصلاح نقيضان لا يلتقيان

منذ استلام الأحزاب الطائفية (الإسلامية) سدة الحكم في العراق بعد الغزو الأمريكي وهم مستمرون في سرقة ونهب أموال وخيرات البلد دون توقف. إن حصاد...

لغز رئيس الوزراء القادم !

لافوضى ولا صراع مسلح في سفينة العراق التي تتلاطمها الامواج حتى يكتب لها ان ترسو على بر المصالح السياسية التي عصفت بالبلاد منذ ثمانية...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

هل ستطرح الانتخابات نموذجا سوسيولوجيا للحكم بعد تهافت الأفكار العقائدية (الأيديولوجيا)؟

لابد أن نبتعد عن الأحلام والتمنيات الغير واقعية على أن العراق كيانا واحدا، بل يجب أن نؤمن بأن كل مكون من المكونات العراقية بمختلف...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

هل يوجد في الأديان إنسان حر ومساواة ؟

في الإسلام مثلا ً لايوجد إنسان حر بل الإنسان العبد والذي يخضع للسمع والطاعة وينقسم المجتمع الإسلامي الى مسلم وذمي ومعاهد ومستأمن , الحديث...
https://staging.kitabat.com/demo/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

العراق الأيراني الى أين؟؟

1 ــ ما يحدث داخل العراق الأيراني, المعلن عنه وغير المعلن, الراهن منه والقادم, حجم المجندين من حثالات الولائيين, القدرة على توظيف اسماء الله...