السبت 04 تموز/يوليو 2020

العراقيون بجامعة موسكو في الستينيات ومصائرهم (10)

الجمعة 06 كانون أول/ديسمبر 2019
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

نتحدث في هذه الحلقة عن اثنين من العراقيين في كليّة الفيلولوجيا بجامعة موسكو . كلاهما ترك الدراسة فيها . اتوقف اولا عند اسم طالب الدراسات العليا المرحوم سليم غاوي عبد الجبار, الذي كان يحمل شهادة البكالوريوس من دار المعلمين العالية في اللغة العربية وآدابها . كان انسانا هادئا ومتواضعا وخلوقا , الا انه كان منعزلا بعض الشئ, وارتبط اسمه بيننا ( نحن الطلبة العراقيين ) باسم الناقد الروسي بيساريف , و الذي كان سليم غاوي يخطط ان يكتب عنه اطروحته وكان يتحدث عن هذا الناقد الروسي دائما , لدرجة , ان بعض الطلبة كانوا يطلقون عليه اسم بيساريف في احاديثهم الضاحكة الخاصة جدا في اوساطهم , ولم يكن سليم يعرف بذلك طبعا. لم يتميّز سليم غاوي بمعرفته العميقة للغة الروسية , هذه المعرفة الضرورية جدا – بلا شك – لدراسة النقد الادبي الروسي وكتابة اطروحة دكتوراة حول واحد من اعلامه الكبار مثل دميتري ايفانوفيتش بيساريف ( 1840 -1868) , ولا اعرف سبب تركه الدراسة لاحقا , ولكني اظن , ان احدى هذه الاسباب حتما تكمن في انه فهم تلك الحقيقة العلمية والبسيطة في آن . ان الكتابة عن بيساريف ( رغم ان هذا الناقد عاش 27 سنة فقط ) تتطلب معرفة معمقة لمفاهيمه وآرائه حول بوشكين وليرمنتوف وغوغول وتورغينيف ودستويفسكي , ومعرفة معمقة لمسيرة النقد الادبي الروسي واعلامه من بيلينسكي وتشرنيشيفسكي ودبرالوبوف, وكل ذلك يتطلب طبعا معرفة معمقة باللغة الروسية , ويتطلب سنوات طويلة من الدراسة تكاد تصل – بالنسبة للاجنبي – الى ضعف المدة القانونية المحددة للدراسة . ولكن مع ذلك , يجب القول هنا , ان اختيار سليم غاوي لهذ الموضوع المهم والمتميّز في تاريخ النقد الادبي الروسي يعني ان غاوي كان يعرف بعض اوليات الموضوع , ويعني ايضا انه قرار شجاع وطموح جدا , ولكنه قرار غير واقعي , ولا يتناسب مع شخص اجنبي متخصص في اللغة العربية وآدابها ويريد ان يكتب اطروحة دكتوراة في النقد الادبي الروسي في جامعة موسكو .
حاولت ان ابحث عن معلومات اخرى حول سليم غاوي وانا اكتب هذه السطور عنه بعد اكثر من نصف قرن من آخر لقاء لي معه في جامعة موسكو آنذاك , ووجدت مقالة نقدية له نشرها في مجلة ( الرسالة ) الشهيرة عام 1952 بعنوان – (القيم الفنية للشعر المنطلق) , وما اجمل هذا العنوان وما أعمقه , اذ انه يحمل مصطلحات مبتكرة واصيلة حتى بالنسبة للقارئ المعاصر , ووجدت ايضا اشارة جميلة في مذكرات عبد الرزاق عبد الواحد حول سليم غاوي ( الذي كان يدرس معه في قسم اللغة العربية في دار المعلمين العالية ), ويقول عبد الرزاق عبد الواحد عنه – ( كان لي ابن عم اسمه سليم غاوي عبد الجبار ..كان معنا في القسم …انه مشروع ناقد يلفت النظر , لولا ان تشعبت به سبل الحياة..) , ويتحدث عبد الواحد في مذكراته تلك عن دراسة نقدية عميقة كتبها سليم غاوي عن شعر عبد الوهاب البياتي وألقاها امامه في (البرازيلية ) , المقهى البغدادية الشهيرة في شارع الرشيد , وكل ذلك حدث في العراق الملكي قبل ثورة 14 تموز 1958 طبعا.
الاسم الثاني , الذي يستحق ان اتوقف عنده وبكل جدارة هو د. سعد الجادر , الاخ الاصغر للفنان التشكيلي العراقي الكبير المرحوم د. خالد الجادر , والذي يرتبط اسمه في تاريخ العراق المعاصر بتأسيس اكاديمية الفنون الجميلة وكان اول عميد لها , وأخ الآثاري العراقي المرحوم د. وليد الجادر , الاستاذ في قسم الآثار بكلية الاداب في جامعة بغداد , والذي يرتبط اسمه باكتشافات آثارية عالمية مهمة في تاريخ حضارات وادي الرافدين , وابرزها طبعا مكتبة سوبار (انظر مقالتنا بعنوان – وليد الجادر ..عشرون عاما بعد الرحيل ). سعد الجادر هو الابن البار لهذه العائلة العراقية العريقة في دنيا الثقافة العراقية المعاصرة . كان طالبا متميّزا جدا في الصف الاول في كلية الفيلولوجيا بجامعة موسكو, وكان واحدا من ألمع العراقيين معرفة باللغة الروسية , ومتابعا دقيقا للحياة الثقافية الروسية حوله آنذاك . انتقل سعد للدراسة في معهد الهندسة المعمارية عندما دعت الملحقية الثقافية طلبة الدراسات الانسانية الى تبديل اختصاصاتهم ( انظر الحلقة رقم 8 من هذه السلسلة ), وانهى الدراسة الاولية ثم الدراسة العليا في هذا المعهد وبشكل متميز , وعمل في عدة دول باختصاصه الهندسي المعماري هذا , وأخذ يجمع التحف الفضيّة في تلك البلدان التي عمل فيها , وهكذا استطاع ان يجمع كمية هائلة منها , مستخدما كل طاقته وامواله , وتحولت هذه الهواية الفنية الى هدف حياتي له , وقام بتنظيم عدة معارض كبيرة في بلدان مختلفة لتلك التحف الفضية , وأثارت تلك المعارض ردود فعل عالمية , ثم أصدر كتابا ضخما باللغة الانكليزية عن هذه التحف الفضية الرائعة , ويضم هذا الكتاب صورا تفصيلية وتعليقات وشروحات عن تلك التحف . اعلن د. سعد تبرعه بكل هذه التحف الى المتحف العراقي في بغداد لعرضها الدائم في قاعة تحمل اسم الجادر , ووضع كل هذه الثروة الفنية الهائلة في بنك بالمانيا , ونشر وصيّة في موقع ( ايلاف ) يعلن فيها ذلك . لقد قرأت تلك الوصيّة وانا اكاد أبكي , وقلت بيني وبين نفسي لماذا لا تتبنى جمعية الفنانين العراقيين مثلا ( او اي جهة عراقية اخرى ذات علاقة بالموضوع) هذا المقترح العملاق وتسعى الى تنفيذه ؟ …




الكلمات المفتاحية
الستينيات العراقيون بجامعة موسكو

الانتقال السريع

النشرة البريدية