السبت 21 مايو 2022
31 C
بغداد

الحنين الى العبودية

ما الذي يستهوي المستعبدون في حياة العبودية و الذل حتى يحنون اليها ويتشوقون الى اغلالها ؟
يشير اريك فروم في كتابه (الهروب من الحرية) الى ان الحرية تستلزم المسؤولية والمستعبدون اعتادوا ان يلعقوا صحون اسيادهم فهم يعتادون هذه الحياة اللامسؤولة حيث الحد الادنى من متطلبات العيش حد الكفاف ذلك الحد الذي يضمن لهم البقاء احياء ومع هذا التحليل المذهل يصح القول ان الحياة صنيع الاحرار وان المستعبدون دوماً على الهامش.
تصور معي كيف سيشعر المستعبدون حين يُقتطعون عن اسيادهم وحين يوضعون امام مسؤولية انفسهم سيشعرون بانهيار عالمهم الذي اعتادوه و استمرأوه.
ان اي انهيار في نظام ما سيتبع بزلزال اجتماعي يضع اناس ويرفع اخرين ويحدث تبلبلاً هذه العملية ستجعل الكثير مبهوتين امام الحدث وقد يخسر الكثيرين في هذه العملية وضعهم الاجتماعي السابق.
عادة يتحكم الاسياد في عقول مستعبديهم فلا يرونهم و لا يكشفون لهم سوى ما يضمن لهؤلاء الاسياد البقاء كأسياد وما يرسخ هذا النظام ويجعله الامر الطبيعي الذي تنبني عليه اساسات الحياة
فالاسياد يمارسون وأد الوعي وتسطيح العقول وقمع التفكير الحر و زرع الخوف والتردد بحيث يكون هذا الخوف ثيمة اساسية في سايكولوجية المستعبد تمنعه عن العيش بايجابية وتعزز البلادة لديه.
حتى حين يبدأ الوعي المخدر للمستعبدون بالاستفاقة يبقى متمسكاً بمعادلة السيد والعبد ويبقى المجهول مخيفاً و غير مسموح بتخطي حدوده واستكشافه اذ هو لا يزال يعتقد ان القيود لا تزال تحز في معصميه .
من الصعب اقناع المستعبدين بأنهم اصبحوا احرارا فالشعور العميق بالعبودية و الاغلال النفسية لا يمكن تكسيرها بسهولة اذ الانسان ميال بطبعه الى الدعة والسكينة وليس الحركة ولذلك اي تغيير اجتماعي وطبقي يلاقي معوقات وصعوبات والمستعبدون يميلون وفقاً لهذا الطبع الى ابقاء المنظومة الاجتماعية التي يعيشون فيها على ما هي عليه.
ان الحرية كقيمة من القيم العليا غير موجودة في قاموس هؤلاء المستعبدون فلا يمكنهم التفكير بحرية ولا التصرف بحرية ولا اتخاذ الموقف المناسب بحرية ولذلك يبقى هؤلاء بحاجة الى من يقودهم و يدلهم ويأخذ بايديهم .
لذلك نجد اليوم وخاصة في خضم انتفاضة تشرين نموذج من المستعبدين في زمن النظام البعثي الفاشي يحنون الى ذلك النظام ويتناسون جرائمه
يتناسون الجوع والالم وشظف العيش
يتناسون الغربة خارج الوطن والاغتراب داخله
يحنون الى السجن الكبير الذي كان يحوطنا به العفالقة
ويحنون الى العيون البوليسية التي تحسب علينا انفاسنا و تراقب حركاتنا
يحنون الى ايام (السخرة) حيث يسخرون الناس لاحتفالات عبثية
هذا التناسي وذلك الحنين مرده الاستعباد الذي فُرض عليهم وتعشق في جنبات تفكيرهم وعشعش حتى في اوهامهم.
الحرية باهضة الثمن
لكن حلاوتها لا يضاهيها حلاوة ولا يساويها ثمن.

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
859متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

اعتكاف مقتدى الصدر وسيلة لمواجهة الخصوم!

مقتدى الصدر رجل الدين الشيعي وابن رجل الديني الشيعي ماليء الدنيا وشاغل الناس ، جمع تناقضات الدنيا في شخصه ، فهو الوطني الغيور والطائفي...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الحبوب تدخل ازمة الصراع الروسي الغربي

يبدو أن العالم على أبواب "المجاعة" وسط ارتفاع أسعار القمح وترجيحات بانخفاض المحصول العالمي ، الأمر الذي دفع دولا لإيقاف بيع محاصيلها وأخرى لإعلان...

الحاضر مفتاح الماضي

ليس بالضرورة أن تشاهد كل شيء بأم عينك. فكثير من الأمور المتاحة بين أيدينا الأن يمكن الاستدلال منها على ماض معلوم. يمكن تخمين ما...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

البرلمان بين سلطة الأغلبية والاقلية المعارضة

استجابت القوى السياسية جميعها لنتائج الانتخابات، التي اجريت في تشرين الماضي 2021، بعد ان حسمت المحكمة الاتحادية الجدل في نتائج سادها كثير من الشكوك...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

طبيعة كتاباتنا!!

المتتبع لما يُنشر ويصدر من كتب ودراسات وغيرها , يكتشف أن السائد هو الموضوعات الدينية والأدبية وقليلا من التأريخية , وإنعدام يكاد يكون تاما...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

القصور والأقبية

لا أحد منا يختار الظروف التي يولد فيها، كما أننا لا نختار كل الأشياء التي يتم تصنيفنا تلقائياً على أساسها في هذه الحياة بدءاً...