الجمعة 13 كانون أول/ديسمبر 2019

هل أنا عراقيّ؟ وأنت؟

الأربعاء 13 تشرين ثاني/نوفمبر 2019
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

هذا ليس سؤالاً عابراً وحسب.

أنه سؤال اصبح بحكم الوجوديّ في العراق هذه الأيام.

ولماذا في هذه الايام على وجه الخصوص؟

حينما ترى مئات الآلاف من شباب العراق فتيات وفتيان يحملون علم العراق ويطالبون بوطن. لن يكون بوسع أحد إلا أن يطرح سؤالاً على نفسه بشكل أو بآخر: بأيّ وطن يطالب الشباب؟!

هل يطالب الشباب بوطن أسمه العراق؟

على الأرجح نعم! فالراية التي يحملونها كجناحين ارتفعوا بها عن كل المسميات التي كان لها فعل القانون ودرجة القداسة.. هيّ راية العراق بلا شكّ.

الآن، هل نحن بصددّ بناء هوية وطنية عراقية؟ ربما.

لكن بعيداً عن الحماس الكبير الذي توّلده انتفاضة شبابنا، فالهويات الوطنية لا تُبنى على ردّات فعلّ.

التمردّ على الانتماء المذهبي قد لايؤدي بالضرورة الى البحث عن هوية وطنية. والفساد المستشري في بلد، لا يؤدي هو الآخر، الى صناعة مثل هكذا هوية.

عن أيّ وطن يبحث صانعو ثورة تشرين؟

هل هوّ وطن للجميع؟

هل هو وطن للشباب الذي داسته عربة عملية سياسية فاسدة ورمت به بعيداً عن أحلامه المشروعة؟

بمعنى آخر… هل يطالب الشباب الذي خرج متحدياً العنف المفرط للدولة بوطن نحققّ فيه  جميعاً- أحلامنا التي سرقها أرباب تلك العملية السياسية ووضعوا بدلاً منها مشاكل لا حصر لها تأكل المواطن العراقي كما يأكل الأسمنت يدّ عامل البناء؟

هل إستشهد مئات من خيرة شبابنا من أجل ذلك؟

قد تكون صورة الوطن غائمة في الأذهان.

ذلك أننا لم نشعر يوماً بأننا مواطنين كاملي المواطنة. والاكثر من هذا أن جميع السلطات التي تتابعت على حكم هذا البلد في العصر الحديث كانت تضع قائمة الواجبات قبل الحقوق أمام كل جيل يبدأ باستقراء واقعه، حيث لا فرق بين الدولة والوطن ولافرق بين القائد والوطن ولا فرق بين المجرد والواقع!

شيئاً فشيئاً أصبح الوطن آيديولوجيا أكثر مما هو واقعاً يُعاش؛ شكلاً من الفنطازيا نموت من أجله في ساحات القتال أو في زنزانات الطغاة، لا فرق.

تجارب الأمم، وهذا نسبيّ الى حدود كبيرة، تقول بأن الشعور الوطني يرتبط بالشعور بالمواطنة.

وأن هذا الشعور يتولّد نتيجة معادلات عديدة منها تلك المعادلة البسيطة: ماذا يمنحك الوطن وماذا يأخذ منك. أعتقد أن الشباب في العراق حسبوها بهذا الشكل. وهم على حقّ في ذلك!

ثمّة نموذج يسود في بلدان عديدة، أهمها بلدان شمال أوروبا، يضع على الدولة مسؤوليات كبيرة اقتصادية واجتماعية سياسية. ذلك النموذج هو دولة الرفاه. حيث توّفر الدولة لمواطنيها حياة كريمة من الطفولة الى الشيخوخة. وعلى المواطن إداء واجباته وأولها دفع الضرائب. المعادلة هنا واضحة: ادفع الضرائب واحصل على حقوقك.

يعي شباب العراق أنهم أفراد يعيشون في بلد هو بين أغنى بلدان العالم. هذه حقيقة لامراء فيها.

ولكن لماذا يعيش اغلب شبابنا حتى أصحاب الشهادات الأكاديمية في وضع اقتصادي مقفل تماماً، يجدون فيه انفسهم محاصرين بعملاق مشوّه أسمه دولة تضع شروطاً ومتطلبات دون أن تمنح أحداً حقّه البديهي في وطنه؟الدولة تأخذ المال الريعي بكامله ولا تمنح شيئاً!

هنا مال الميزان بشكل آذى الملايين من العراقيين، وفي مقدمتهم الشباب.

كان لابدّ المطالبة أولاً بوطن، هذا ما حصل في الواقع.

وطنٌ يكون وعاءً نضع فيه حقوقنا وواجباتنا لنعرف أين تميل الكفّة؟ وذلك لا يحصل الا من خلال مؤسسات تصنع ماكنة كبيرة اسمها الدولة.

الشباب فهم جيداً أن المطالبة بتغيير شكل الدولة لن يحققّ إلا القليل من أهدافهم. بل أن عليهم بناء وطن كاملٍ بمؤسساته ابتداءً من نفق التحرير وصولاً الى لجنة صياغة الدستور. هل هم قادرون على ذلك؟

الحقيقة لا أحد يستطيع في سنوات بناء هكذا وطن-دولة.

سيأخذ هذا وقتاً طويلاً. ولكننا محظوظون في العراق! ربما لأنّ من أخذ على عاتقه هذه المهمة هم من الشباب بين 18-28 عاماً. أيّ أن أمامهم حياة طويلةً عليهم فيها أن يتعلموا بناء دولة تمنحهم حقوقهم كمواطنين أفراد. وأنّ عليهم بناء نموذجهم الخاصّ دون التعالي على تجارب الشعوب الأخرى أو تجاهلها. وعليهم أن يستمروا في التعلّم من الواقع. وسيعرفوا أن هذا النظام الفاسد الذي يناصبهم العداء هو في الحقيقة أبسط مشاكلهم. فبناء الوطن يقتضي أن نُنزل الوطن من حدائق الاحلام الى الواقع الذي هو أكبر بكثير من ساحة التحرير ومن الثورة ذاتها، لأنه هوَّ المنبع وهو المَصب.

سعد الشديدي




الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.