الجمعة 15 تشرين ثاني/نوفمبر 2019

القرارات الاصلاحية للحكومة الحلقة – 2 …توزيع الاراضي السكنية خطوة متخلفة لارباك تخطيط المدن

الاثنين 21 تشرين أول/أكتوبر 2019
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

من القرارات الاخرى غير الموفقة والمرتبكة والتي لم تعتمد على دراسة فنية واقتصادية مسبقة هو قرار توزيع الاراضي السكنية وسندرج لاحقا اراءنا بهذا الخصوص ، لكنا وقبل ذلك لابد من تأشير بعض الملاحظات على الاداء الحكومي للحكومات ما بعد 2003 حيث يبدو انها جميعا لا تعمل وفق برامج اقتصادية تنموية معدة مسبقا تتوافق ووضع العراق المالي والاجتماعي والجغرافي وانما تعمل وفق مبدأ الفعل ورد الفعل ، لانها اُسست على مبدأ خاطيء هو مبدأ المحاصصة المقيت مما سمح لها ان تعيش صراعات وابتزازات متبادلة قوضت القانون والغت مبدأ المواطنة ، وهذه الابتزازات افرزت عوائل غنية من المال الحرام من كل المكونات وذلك عبر السماح لانفسها بتمثيل الطوائف والعرقيات الاخرى ، مع ان جميع ابناء الطوائف قد خسروا مستقبلهم وانفسهم والاكثر خسارة كانت المناطق التي احتلتها داعش بالتوافق مع قيادات صارت غنية بشكل مفرط على حساب مصائب قومهم وكذلك مناطق الوسط والجنوب الذين خسروا ثرواتهم وخسروا استقرار مناطقهم عبر حرمانها من كل خطة استثمارية بسبب فساد من ادعى تمثيلهم ، فهؤلاء جميعا ادخلوا العراق نفق حمامات الدماء وخسارة امواله وخرجوا هم الرابحون فقط ، لذلك لا يمكن ان نتوقع ان يكون هنالك اصلاحا في ظل وجود هذه العقليات التي لا تتفتق عقول اصحابها الا عن حلول ترقيعية لان كل اهتماماتها في تعظيم مداخيلهم مهما كان الثمن لذلك لا تجد في حجيرات عقولهم حيزا لاهتمامات اخرى ، من هنا وجب ان تذهب هذه الطبقة السياسية باجمعها والمجيء باناس عقولهم عراقية خالصة ، وندعوا الجميع الكف عن اتهام جهة دون اخرى من شركاء تدمير العراق ، وعدم الخضوع لاجندات خارجية ايا كان مصدرها لاستغلال التظاهرات التي تكفل بها الشباب هم انفسهم ممن حمل السلاح بالامس لطرد داعش ، وان لا نسمح ان يعكر اجواء هذه الاحتجاجات ممن يبحث عن مآرب اخرى قد تدمر العراق وتفشل الخيرين الذين يبذلون دمائهم دفاعا عن بلدهم ،

نعود الى موضوع توزيع قطع الاراضي على المواطنين الذي يعبر عن افلاس مهني ولا نستغرب ذلك وفق الوصف الذي ذكرناه انفا وندرج ادناه اسبابنا في وصف المقترح بالافلاس المهني لمن يقف خلف طرحه

أ – ان من مسؤوليات الحكومات الرئيسية في جميع الدول اكانت اشتراكية او رأسمالية ، فقيرة او غنية ، قضايا السكن اللائق لمواطنيها ، الامن الغذائي ، والتأمين الصحي ، وتضيف الدول التي تحترم مواطنيها قطاع النقل المريح ايضا كأحد الالتزامات الحكومية تجاه شعوبها ، اتذكر ان عرض التلفزيون العراقي مناظرة بين مرشحي الرئاسة الفرنسية في منتصف تسعينيات القرن الماضي وهما جاك شيراك ومرشح الحزب الاشتراكي الفرنسي ، لا اتذكر من هو بالضبط ، الا ان ما يهمني ان المرشح جاك شيراك تعهد في برنامجه الانتخابي بناء وحدات سكنية للمواطنين ، في دولة تستقطب اكثر من اربعين مليون سائح سنويا ، وعشرات الالاف من الطلاب للدراسة في جامعاتها وتستقبل مثلهم كلاجئين ، وجميعهم من تم ذكرهم يتوفر لهم سكن لائق ، ومع ذلك يتعهد المرشح في بناء وحدات جديدة ، وكذا فعل اردوغان الذي كانت بلاده من اكثر بلدان العالم تعاني من شدة ازمة السكن واليوم تركيا فيها من الوحدات السكنية ما تكفي لشعب اضافي ، وكذلك مهاتير محمد في ماليزيا والامثلة تتعدى بلدان كثيرة جدا ، حتى في دول افريقية مثل رواندا التي كانت وللامس القريب رحى لحرب اهلية دامت عقودا وهي لا تمتلك ثروات كبلدنا

ب – العراق يعاني من ازمة السكن بعد منتصف عقد الثمانينيات حيث تشير احدى وثائق اللجنة الاقتصداية برئاسة طه ياسين رمضان اعترافا رسميا بان العراق يعاني من نقص في الوحدات السكنية بمقدار 250 الف وحدة سكنية سنويا ، لذلك حاولت الحكومة ان تمسك العصا من المنتصف في معالجة ازمة السكن من خلال توزيع اراضي سكنية وتمليك الدور التشغيلية للعديد من دوائر الدولة وهي ارقام لا يستهان بها من حيث العدد ، كذلك انشأت مجمعات سكنية للوحدات الانتاجية خصوصا مصانع الانتاج الحربي ووفرت قروضا ميسرة واستوردت مسلتزمات البناء من خلال اجهزة الدولة حصرا وباسعار مدعومة حكوميا ، وكذلك شرعت قوانين حدت من الهجرة خصوصا الى مدينة بغداد وان كان ذا هدف سياسي الا انه اسهم في عدم تعظيم مشكلة السكن ، اضافة الى ان المشكلة كانت وقتذاك ليست بالشدة والضيق الذي بات يتلمسه الغالبية الساحقة من المواطنين في يومنا هذا ، بسبب تعاظم المشكلة مع تقادم السنين وانشغال العراق في حروب عبثية

ثم توقف توزيع الاراضي الى عموم المواطنين باستناء العسكريين ومنتسبي دوائر الرئاسة فقط ، وكذلك توقف بناء المجمعات السكنية لذلك بدأت المشكلة تاخذ حيزا كبيرا في تسعينيات القرن الماضي حيث شكلت البدايات الاولى لازمة السكن لكن بشكل خفيف نتيجة استمرار قرار حصر السكن في بغداد على تعداد 1957 ،

الا انه وبعد سقوط النظام ، وعدم وضوح اي برنامج حكومي للحكومات المتعاقبة في كل القطاعات وبضمنها قطاع السكن ، والغاء قرار حصر السكن لتعداد 1957 وغياب القانون في تنظيم شؤون الحياة اليومية للدولة والمواطن وحاجة الاحزاب الى اصوات انتخابية واستيلاء بعض الاشخاص على اراضي حكومية وزراعية وبيعها الى عموم المواطنين ، نشأت العشوائيات ، وتحولت الاراضي الزراعية الطابو والاميرية الى مجمعات سكنية ضخمة احاطت بالمدن وشوهت الخدمات واضافت قصورا الى الخدمات التي تشكو من القصور اصلا والسماح بالهجرة من كل المحافظات الى محافظات معينة او من الريف الى مراكز المدن بعد تدمير القطاع الزراعي وعسكرة المجتمع بسبب الصراعات السياسية بين الفرقاء مما ادى الى انخراط ابناء الريف في الجيش والشرطة

كما ان حاجة السياسيين الى تعزيز مراكزهم الحكومية وجذب مزيد من المؤيدين والناخبين ، اضطر هؤلاء من غير الرجوع الى اسلوب مركزي واحد الى اسلوب شراء الذمم عبر توزيع اراضي غير مخصصة للسكن مثل الساحات العامة داخل المدن سواء المخصصة كأراضي خضراء او لابنية مدرسية او مؤوسسات حكومية مستقبلية ، كلا وحسب اجتهاده حتى اختنقت مدننا وزادت من التلوث الذي ياتي بمضار صحية لعموم المواطنين ، واختفت مساحات ممكن ان تكون مدارس ومستوصفات ومراكز ترفيهية واجتماعية ، من اجل عيون شخص عادي اتت الصدقة به الى موقع حكومي مهم ، والانكى ان توزع هذه الاراضي على اشخاص من ذوي المراكز في ادارة الدولة كرشوة ، حيث يمتلك هؤلاء اكثر من منزل واكثر من قطعة ارض وتراهم يختارون الاراضي ومن ثم الذهاب الى الشخص المسؤول ليحصل على فرمان لتمليكها اياه ، ولم تمس هذه رغم عدم جدواها شغاف المحتاجين للسكن ، علما ان الدولة العراقية وعلى مر سني تاسيسها كانت تعتمد اسلوبا في منح الارض لمن لا يملك هو وزوجته وابناءه القاصرين دارا سكنية او قطعة ارض وفق مستمسكات رسمية ، الا ان الوضع حاليا بات فوضى هنالك اشخاص حصلوا على اكثر من قطعة وقطعتين وامتلاكهم اكثر من منزل ومنزلين ولا نقول اكثر ، وندرج ادناه اراءنا حول عدم جدوى توزيع الاراضي

1- توزيع الاراضي اسلوب لا يتماشى وروح العصر الذي ينحو نحو انتاج مدن مجمعه غير مشتتة من اجل تقديم افضل الخدمات وخلق الرفاهية للانسان

2- المدن الممتدة افقيا ستكون خطرة على البيئة ، ولايمكن الحد من خطورنها ايا كانت الاجراءات ، لان طبيعة تمددها تجبر النشاطات السكانية على زيادة الانبعاثات

3- سوف تستهلك الكثير من المال العام في توفير الخدمات من ماء وكهرباء وطرق وخدمات اخرى ، وكلما توسعت شبكات الخدمات كلما زادت تكاليف المشاريع الخدمية وكلف صيانتها ، ولتقربيب الصورة ، اذا كان نصف قطر المدينة 2 كيلومتر فان الخدمات مطلوبة لتغطية ما مساحته 12,57 كيلومتر مربع ، وعند زيادة نصف القطر بمقدار كيلومتر فقط فان المساحة التي يجب ان تخدم بالشبكات الخدمية ستكون 28,28 كيلومتر مربع ، اي ان المساحة الناجمة عن زيادة كيلومتر واحد لقطر المدينة فان المساحة المطلوب خدمتها سوف تتضاعف مرتين وربع ، كما ان الخدمات كلما زاد امتدادها قلت كفاءتها او زادت نفقات الحفاظ على كقاءتها

4- زيادة تمدد المدن سوف يقلل من المساحات الخضراء التي توفر لسكان المدينة الهواء النقي

5- السكان في ازدياد مستمر ، الا ان الارض محدودة ، ولا بد من الابقاء على مساحات للاجيال القادمة وللمشاريع المستقبلية التي يتطلبها تطور الحياة سيما وان التكنلوجيا تسير بوتيرة متصاعدة تضيف للحياة مفردات جديدة كل سنة ، ولا يمكن الاستئثار بها من قبل الجيل الحالي فقط

6- ثم من اين تأتي الدولة بالاموال الضخمة لتوفير سهولة البناء وهي تعيش ازمة خانقة في ظل وجود ميزانية متخمة باستحقاقات رواتب ضخمة ومنح لا لزوم لاكثر من 70% منها عبر مؤوسسات تحت شتى العانوين سمحت لمئات الالاف من التمتع باكثر من مصدر مالي

7- في الامتداد الافقي ، سيكون تكريس للعادات السيئة التي اعتاد عليه المجتمع من انتشار للقمامة وتبذير في الماء الذي يمثل خسارة في اموال وجهود التصفية وبنفس الوقت التبذير يسبب تلف بقية الخدمات وسط غياب الصيانة المناعية او الدورية مثل الشوارع والارصفة والبنى التحتية الاخرى ، خصوصا اذا ما علمنا اننا الشعب الوحيد بالعالم يستهين بنعمة الماء ومقدار الهدر تتجاوز 80% من الكميات حسب مصادر امانة بغداد التي يتم معالجتها والشيء الوحيد الذي يمكن ان يحد من ذلك هو البناء العمودي والتوعية الاعلامية

8- وخطوة مثل هذه ونعني بها توزيع اراضي تمثل هروب الحكومات والحكام نحو الامام من اجل اسقاط فرض امام الجمهور فقط وغض الطرف عما تحمله هذه الخطوة من معاناة لاحقة يتحملها المواطن المسكين فقط ،

ان الاسلوب الامثل لمعالجة السكن الذي يمثل التزاما اخلاقيا للسلطات الحاكمة نحو شعبها في دولة تعتمد ميزانيتها على مبيعات النفط فقط الذي هو ملك الشعب وليس من نشاطات ضريبية كما هو شأن غالبية دول العالم او من نشاطات اقتصادية اخرى للدولة ، ففي الوقت الذي وجد الساسة حلا لمشكلتهم السكنية من خلال الاستيلاء على الابنية الحكومية او منازل المسؤولين السابقين او ممن يعيشون خارج العراق ووفق اسعار رمزية من خلال استخدام نفوذ هؤلاء الساسة وسيطرتهم على القرار لذلك اصبح من مسؤولية الحكومة العراقية

1- انشاء المجمعات السكنية وفق رؤيا تنموية شاملة بعيدة المدى في عصر يعتمد عنصر التخطيط الحضري لاقامة التنمية المستدامة كهدف ستراتيجي في العصر الحديث التي تؤكد عليه الامم المتحدة والبنك الدولي ودول العالم نتيجة التغيرات المناخية التي تسببت في ازمات التصحر وزيادة الحرارة وبالمناسبة العراق هو الدولة الاكثر تضررا بارتفاع درجات الحرارة ، والاكثر لا ابالية في مكافحة اثار التغيير المناخي العالمي

2- ومن خلال استقراء تجارب دول العالم فاننا على يقين بان مثل هذه الخطوة لن تكون مكلفة ويمكن تنفيذها على مراحل حسب امكانية سوق العمل وامكانية الدولة المالية التي يجب ان تخصص نسبة سنوية لهذا الغرض، علما بان مشاريع الاسكان هي الاقل تكلفة بين المشاريع الاخرى ، ففي بغداد وخلال عقد الثمانينيات نفذت مشاريع غيرت من وجه بغداد بكلف واطئة بالمقارنة مع مشاريع تنموية اخرى مع غلاء تنفيذ الاعمال الانشائية من قبل الجهات الاجنبية في العراق بسبب اعتبار العراق منطقة حربية خلال الحرب العراقية الايرانية

وقد قدمنا العديد من الافكار تم طرحها بعد عام 2006 على الدولة التي اعمى بصيرة حاكميها ان ترى برامج تنموية يقدمها عراقيون غير متحزبين وفضلت امية الوافدين على كفاءات البلد ، من هذه المشاريع كيفية تمويل بناء مشاريع ستراتيجية ، ومشروع اعادة بناء مدينتي الصدر والشعلة وفق مراحل وآلية توفر ظروف صحية وبيئية وامنية واقتصادية مناسبة تنقل العراقي من حياة ضنكة الى حياة افضل في حدودها الدنيا لان اقامة اية مشاريع حديثة لمدينة تجاوز عمرها الفني المدة المقررة اضافة الا ان ظروف توزيعها قد اختلفت اليوم وباتت اعداد غفيرة تسكن حيزا صغير جدا لبيوت متلاصقة لا توفر ظروفا صحية وبسبب تقادم الزمن اصبح مستوى المنازل اوطأ من الخدمات التي يراد تنفيذها ، اضافة الى عدم وجود مرونة للمدينتين لاستيعاب الانطار العائلي مما خلق ظاهرة خطيرة وتمثل عبئا على خدمات الدولة اضافة الى كونها ظاهرة مخلة بجماليات المدن ، فمثلا الدار ذات 144 مترا مربعا اصبحت عبارة عن ثلاثة بيوت مما اصطر السكان لاستغلال الارصفة وحتى الشوارع لاضافتها الى السكن ، ثم انتشرت هذه الظاهرة الى داخل احياء كانت تمثل الى وقت قريب احد مظاهر جماليات مدينة بغداد ، وقد تم تجيير هذا المشروع بالذات من قبل احد مستشاري رئيس الوزراء وتبديله الى نسخة مشوه من الفكرة التي تم طرحناها عبر عنوان 10×10 مما تسبب في هدر المال العام وصرف ملايين الدولارات دون ان يفهم مغزى الفكرة الاساسية

والذي يريد ان يخدم شعبه ، لن يجد صعوبة في الوصول الى الكيفية التي تحل هذه المشكلة من خلال استنباط كلف الانشاء عبر طرق سهلة وممكنة ، وكما اسلفنا انفا هنالك تجارب عالمية واقليمية في هذا الشأن ممكن تقديم العديد منها اذا رغبت الحكومة بشكل جاد في حل ازمة السكن ،

3- اختيار نمط البناء العمودي وتشجيع المواطنين على استخدامه من خلال تشريعات وحوافز وتحديد مناطق لا يجوز فيها البناء الافقي ، وتحديد مساحات خارج مراكز المدن للبناء الافقي للتشجيع على الهجرة المعاكسة من مراكز المدن وبالتالي تحفيز السكان على التعايش مع ظروف حياتية جديدة تدفع لايجاد عمل ثاني مثل الزراعه او تاسيس مشاريع قد تكون نواة لمشاريع اكبر

لا يمكن حصر كل الافكار الخاصة بالسكن على وسعها في مقالة واحدة لكونها من الاهتمامات التنموية التي تفوق في اهميتها اي اعتبار اخر ، لكننا اردنا التنويه الى ضرورة ان تكون الدولة لها اليد الطولى في حل ازمة السكن وليس الهروب للامام عبر هذه المقترحات التي سوف يستغلها الفاسدون ايضا.




الكلمات المفتاحية
القرارات الاصلاحية للحكومة توزيع الاراضي السكنية

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.