الأحد 4 ديسمبر 2022
17 C
بغداد

بعد خراب البصرة.. بعد خراب العراق

” بعد خراب البصرة ” مثل سائر يطلق كلما تأخر حل معضلة كبيرة بعد أن تتفاقم وتترك أذىً بالغاً.
لم يبحث أغلب الناس في سبب إطلاق هذا المثل واقترانه باسم البصرة.
قصة المثل ترتبط بأحداث ثورة الزنج (الزنوج) في البصرة أيام الدولة العباسية، هؤلاء الزنج الذين دفعتهم ظروفهم القاسية إلى الثورة حين كانوا يعملون في سبخ المستنقعات لجمع الملح مقابل أجور زهيدة.
إستمرت الثورة أربعة عشر عاماً ( 869 – 883 م )وأقضت مضاجع بني العباس في العاصمة سامراء، ثم انتهت أثناء خللافة المتوكل الذي أرسل جيشاً كبيراً لقتالهم بقيادة اخيه الموفق.
( من يروم الإستزادة يجد بغيته في كتاب “ثورة الزنج” للمرحوم الدكتور فيصل السامر وزير الإرشاد في العهد الجمهوري بعيد ثورة تموز 1958 ).
لم تهدأ الثورة إلا بعد أهوال عاشتها البصرة من قتل ونهب ومجاعة بلغت حد أكل جثث الحيوانات النافقة ، وعندئذ أطلق الناس قولهم الذي صار مثلاً : إن الثورة لم تنته إلا بعد خراب البصرة !.
لم يثر زنج البصرة مطالبين بتيار كهربائي لم يكن مخترعاً ، ولا تعبيد طرق بأسفلت لم يكن معروفاً، ولا توظيف الخريجين لعدم وجود كليات ومعاهد بصرية آنذاك، ولا حصصهم من نفط مدينتهم الذي لم يكن مكتشفاً، بل للمطالبة بلقمة الكفاف وكرامة العيش، واليوم يتظاهر أبناؤها مدفوعين إلى إعلاء الصوت مطالبين بعلاج كمّ من الأزمات التي تنذر بكوارث وفواجع وآلام ، وضمان الحقوق المشروعة التي نشأت مع تطور الحياة والعلوم واتساع مديات الطموح الإنساني في العصر الحديث، وغضبهم يتزايد مع توفر كل عوامل العيش الكريم في بلد غني تبتلع جيوب الفاسدين جلّ ثروته.
ومثل هذه الحال نجدها في الموصل التي تحولت إلى ركام وعاد أهلها إلى حياة ما قبل قيام الدولة العراقية منذ ما يقرب من قرن.
ومثل هذه وتلك نجدها، بملامح تتشابه أو تتباين، في أنحاء عراقية عديدة في صلاح الدين وفي ديالى وفي ذي قار وفي .. وفي..
إن للظاهر الإجتماعية أسباباَ ، إذا نضجت فلا بد للظاهرة من الحدوث، والثورة لا تشذ عن هذا القانون الحياتني، وحين تتوفر أسبابها تكون طوفاناً مدمراً لا ينتهي دون دمار وضحايا. وما يحصل الآن في البصرة وسواها من انتفاض ، يشتعل حيناً ويخبو حيناً ، لا يواجه من قبل السلطات بغير الوعود التي لا تتحقق، والتهديد غير المشروع، وإلصاق التهم بالمتظاهرين وإطلاق أوصاف ( الغوغاء ) و (الهمج )أحياناً !.
لم يخرج الناس بطراً ولا شرهاً، بل أخرجهم شعور بالظلم والإهمال وغياب العدالة وفساد السلطة.
هل ستدرك السلطات المسؤولة حجم خطر استمرار استخفافها بغضب الشعب،أم أننا لن نجد الحل إلا بعد أن يسود مثل أكبر وأخطر يقول . ” بعد خراب العراق” ؟.

المزيد من مقالات الكاتب

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
895متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

خطة السنوات الخمس بلا نتائج

جوزيف ستالين رئيس الاتحاد السوفيتي السابق كان أول من تبنى مفهوم الخطة الخمسية وادخلها حيز التنفيذ عام 1928، بهدف تطوير الصناعة وتجميع الزراعة بهدف...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

حيَّ على الفساد

لا أدري من هو مؤسس فِكرة مُقايضة الحُريّة والإفلات من السِجن مُقابل تسليم المال المنهوب أو البعض منه إلى الحكومة في العراق. فُكرة غاية في...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ضرورة تشكيلة لجنة عليا لتدقيق العقود الكبيرة

منذ عام 2006 ووحش الفساد تحول لغول كبير يأكل الاخضر واليابس, حتى تضخم وتجبر في زمن الكورونا, حيث اصبحت السرقات علنية مثل نهب المليارات...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

بداياتهم .. الأديب والصحفي هاتف الثلج

الأديب الشامل والصحفي المعروف هاتف عبد اللطيف الثلج الذي نتعرف على بداياته اليوم ، هو أديب ذا مقدرة أدبية وصحفية ممتازة أتاحت له الظروف...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ماذا بعد تحديد سقف أسعار النفط الروسي ؟

منذ بداية العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، الاتحاد الأوروبي والتحالف الانغلوسكسوني (الولايات المتحدة وبريطانيا ) وحلفائهم ، لا يألون جهدا في اتخاذ مئات القرارات...

امرأة عراقية تتزوج بعد تجاوزها العقد الثامن!!

اصبح من اللافت للنظر ان يتكرر علينا مشهد المواطن المتذمر والمواطن الراضي مع اختلاف النسب ، فلو جربنا ان نقف يوميا امام احدى المؤسسات...