الأحد 12 تموز/يوليو 2020

حرب الحرائق في العراق

الثلاثاء 09 تموز/يوليو 2019
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

بين فترة وأخرى يصحو العراقيون على مصيبة جديدة، وجديد هذه المصائب الحرائق التي تشهدها الحقول الزراعية في محافظات شمال العراق منذ أكثر من شهر بالتزامن مع موسم الحصاد، بعد أن انتعشت الزراعة في عموم البلاد اثر موسم أمطار غزيرة، لكن وقوع “٢٧٢” حريقا كان كفيلا بتحويل محاصيل الحنطة والشعير في أكثر من سبعة وثلاثين ألف دونم إلى رماد، موقعة خسائر فادحة تقدر بمئات الملايين من الدولارات يتحملها في المقام الأول الفلاح البسيط بشكل خاص واقتصاد البلاد بشكل عام، الأمر الذي يثير تساؤلات حول الجهة التي تقف وراء تلك الحرائق والمستفيدة منها.

وتأتي هذه الحرائق التي يمكن وصفها بالحرب التي تستهدف الاقتصاد العراقي ضمن سلسلة حوادث مماثلة، حيث سبق ذلك كارثةنفوق الأسماك وتلف محاصيل الطماطم، وجميعها منتجات كان العراقعلى وشك إعلان اكتفاءه الذاتي منها.

وإذا ما أردنا أن نبحث عن المستفيد من ذلك والجهة التي تقف وراءها،نجد أنها تصب في مصلحة إيران لتكون السوق العراقية محلتصريف لبضائعها في مواجهة العقوبات الأميركية، وهو ما أكده النائب السابق مشعان الجبوري على وجه الخصوص بالنسبة لحرق المحاصيل الزراعية قائلا: إن معظم هذه الحرائق تحصل بفعل فاعل لصالح الأرجنتينفي إشارة إلى إيران، مضيفا “فضلا عن دوافع طائفية بهدف منع الإستفادة من مبالغ المحاصيل الزراعية للمحافظات المدمرة في إعادة أعمارها.

وما يعزز هذه الحقائق، امتلاكها أذرعا طويلة داخل البلاد ذات سطوةكبيرة متمثلة بمليشيات تعلن جهارا نهارا ولاءها لإيران تمكنها منإشعال الحرائق من دون أن يجروء أحد على محاسبتها، علما أن محافظتي صلاح الدين ونينوى المسيطر عليهما أمنيا ميليشياتالحشد الشعبي، سجلتا أعلى نسبة حرائق في المحاصيل الزراعية .

إن ظاهرة الحرائق باتت تؤرق العراقيين، ويمكن تقسيمها إلى قسمينأحدهما قبل احتلال العراق والأخر بعده، فقد ظهرت أول مرة بُعيدانتهاء العدوان الثلاثيني على العراق عام 1991، حينما دخلتمجموعات مرتبطة بأحزاب السلطة الحالية قادمة من إيران، وقامتبحرق عدد من مؤسسات الدولة ومن بينها وزارات معينة التي كانتتعنى ببرنامج النفط مقابل الغذاء والدواء بهدف منع دخولهما إلىالعراق وحرمان العراقيين منها، ومحاولة إرباك الدولة العراقية، وكذلكحرق دوائر النفوس والتسجيل العقاري، وشمل ذلك نحو 14 محافظة،فيما يعرف بصفحة الغدر والخيانة“، وكانت تهدف هذه الممارساتفي حينها إلى محاولة التغيير الديموغرافي خاصة في المحافظاتالمجاورة لإيران بحرق دوائر النفوس، كذلك التلاعب في عائديةالعقارات وتحويل ملكيتها إلى آخرين بحرق دوائر التسجيل العقاري،لكن هذه المحاولات فشلت بفشل المشروع الإيراني آنذاك وعودة تلكالمحافظات الى حضن الوطن.

أما بعد احتلال العراق عام 2003، فلا يكاد يمر عام إلا وتلتهم الحرائق عددا من المؤسسات، مستهدفة ملفت حساسة، عام ٢٠٠٧ بدأ مسلسل الحرائق من مبنى الوثائق والملفات في وزارة النفط لتنتقل إلى معظم الوزارات ودوائرها.

وأعقب ذلك، حرق البنك المركزي العراقي وخاصة قسم المفتش العامعام 2008، بهدف إخفاء وإتلاف أكبر قدر ممكن من الوثائق الرسميةالتي تدل على تورط جهات داخلية وربما خارجية بجرائم فساد ماليوإداري، كما عبر عن ذلك في حينه رئيس لجنة النزاهة السابق فيالبرلمان صباح الساعدي.

وفي العام ذاته تم حرق القسم الذي يحوي ملفات العقود الخاصةبالبطاقة التموينية التابع لوزارة التجارة، التي تؤمن المواد الغذائيةللمواطن العراقي بشكل شهري رغم عدم صرفها، فضلا عن الحريقالذي نشب عام 2014 في مكتب المفتش العام لوزارة الداخلية، والذييحوي أهم ملفات الوزارة، فضلا عن حرق غرف العقود في وزارةالصناعة عام 2015، بالإضافة إلى حرق عدد من المجمعات التجاريةالكبيرة في سوقي الشورجة والعربي. حتى أن الحرائق لم تستثنِ صناديق الاقتراع حيث ضاعت بموجبها أصوات الاف النازحين وذلك في عام ٢٠١٨.

لجان التحقيق تنسب معظم الحرائق للتماس الكهربائي، لكن مختصين يرجحون أن أغلب الحرائق مفتعلة كونها تتزامن مع فتح ملفات الفساد، وهذا ما أكده مصدر في النزاهة بوقوف متنفذين خلف الحرائق التي أخفت صفقات مشبوهة ومشاريع وهمية، وبالتالي حققت هذه الحرائق مكاسب للبعض عبر طمسها لحقائق كثيرة.

يتضح مما تقدم، أن عملية الحراق في العراق هي جريمة منظمة وسطغياب حكومي عن الكشف عنها ومحاسبة الفاعلين، الأمر الذي يضعهافي خانة الشراكة في هذه الظاهرة التي باتت تشكل خطرا علىمستقبل البلاد، وبالتالي يجب العمل على إحالة هذا الملف إلى الأممالمتحدة ووضع العراق تحت الحماية الدولية كونه عضوا في هذهالمنظمة وبالتي يتوجب عليها توفير كل مستلزمات حمايته.




الانتقال السريع

النشرة البريدية