الجمعة 21 حزيران/يونيو 2019

كهرباء الحكومة : أحرقت مآقينا ، انتهكت أمننا ، كفّرتنا بكل شعارات الحرية

الأربعاء 12 حزيران/يونيو 2019
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

عراقنا أبو الليل الجميل ، صارت عاصمته بغداد ومحافظاته يرعبهاالظلام، تهرب مسرعة نحو ملاذها ، تطلب الأمان المفقود ، اختفت اغلبمعالم الحياة نهاراً كما اختفى النور فيها ليلاً . أطفالها يصرخون رعباًمن ذلك الظلام الدامس، حيث تطفئ بغداد وبقية المحافظات يومياًبشكل شبه كامل تقريباً

إذ كل ما يمكن أن يقدم من الكهرباء هو عبارة عن ساعات معدودةلاتتجاوز الأربعة أو اقل  في أحسن الأحوال يومياً . ولم تعد قصصالجدات عن عصر ماقبل الكهرباء تؤنس أطفال مدننا فوحدها سيُرالمأساة تشد الأسماع وتعيد صياغة اللغة المتداولة في اغلب مدننا .

هذا وصف مأسارومانسي للكارثة الكهربائية التي ضربت اغلب مدنعراقنا فألغت فيها معالم الحياة، على الرغم من الجهود الخيرةلمنتسبي مؤسسات الكهرباء في إصلاح وترميم شبكات ومحطاتتوليدها .

إن أي كلام عن عودة الكهرباء بشكلها الحضاري لن يتم وفقالتصريحات الحكومية إلا بعد كذا سنة، من العمل المستمر في إصلاحمادمره الاشرار . أما وأن راهن الحكومة من كل جوانبه  غير مقبل علىنهاية ما في الأفق المنظور ، فأن مدننا ستبقى تغرق في ظلام مرعبلم يحدث أن شهدته مدن في العالم المتخلف كله ، أعاد الناس إلىمرحلة ما قبل اختراع الكهرباء بفارق أن مولدات الكهرباء الحديثةحلت لدى البعض القليل محل وسائل الإنارة البدائية .

تنقسم أغلب مدننا الآن إلى إحياء وشوارع وأبنية يقاوم كل منها علىطريقته الخاصة انقطاع الكهرباء . وتنشأ في هذا الإطار علاقاتومفاهيم وأوضاع تقترب من السوريالية حيناً وتحاذي البدائية أحياناً،تتسم بالعنف والعدائية في جزء منها ويغلب على جزء أخر السلموالتكامل والتضامن ، ويقوم المولد الكهربائي في تلك الأجزاء مقامالدماغ ، فبواسطته تنظم الحياة وتزود شرايين الجسم بالحركة والعمل. ولآن تلك الآلة هي السبيل الوحيد لمواجهة الانقطاع المستمر فيالتيار الكهربائي ، صارت الضامن الأساسي لسير دورة الحياة فيبعض مفاصلها ، أما في قطاع المواطنين العاديين من ذوي الدخلالمحدود والفقراء تتجه الغالبية منهم إلى استعمال وسائل اقل كلفة منالمولد الكهربائي كالشمع ومصابيح النفط ( اللالات ) وبطارياتالسيارات .. وكلها وسائل تفي بالحد الأدنى من الحاجة إلى النور ليلاًولاتستعمل في توليد الطاقة اللازمة للعمل نهاراً .

وقبل الحديث عما مايولده انقطاع التيار الكهربائي من أزمات ومشاكللاحصر لها ، ينبغي الإشارة إلى قافلة شهداء الكهرباء الذين سقطواسعياً وراء إيصال التيار الكهربائي إلى منازلهم أو مراكز عملهم . أحدهم كان يحاول تركيب خزان وقود يغذي المولد الكهربائي في منزلهحين وقع انفجار بسبب استخدامه اسطوانة أوكسجين لتلحيم الخزانغير مأمونة الصمام مما تسبب في مقتلة وجرح آخرين من أفراد عائلتهمع بعض الأضرار المادية بمنزله وغيرها كثير

أما عن أضرار انقطاع التيار الكهربائي فأنها باتت قدراً في كلالقطاعات، ففي الميدان الصناعي منيت المصانع بخسائر فادحةلافتقادها الطاقة اللازمة لتسيير العمل . ويقول ذوي العلاقة بالتجارةوالصناعة العراقية ، أن خسائر القطاعين باتت لا تحصى وان العديدمن المصانع  اقفل لانعدام  الطاقة الكهربائية وبالتالي اضطرارهالإقفال أبوابها وصرف العمال ، أما المصانع التي تعمل بواسطةمولدات الكهرباء فأنها مضطرة لرفع أسعار منتجاتها وتخفيض  عددالعمال بالإضافة إلى اختصار ساعات العمل اليومي . ويخشىأصحاب هذه المصالح في حال استمرار أزمة الكهرباء أن يمنىالقطاع الصناعي بضربة ذات آثار سلبية هائلة على مجمل الاقتصادالوطني العراقي .

وفي مجال آخر ، تفيد الأخبار عن ضبط كميات كبيرة من الموادالغذائية الفاسدة يومياً في المخازن والمحلات الكبرى ، ويشار إلى أنهذه المواد تفسد بسبب عدم حفظها في البرادات مما يؤدي إلى تلفهاالسريع . والخسائر لاتطول فقط كبار التجار بل تنزل كذلكبالمؤسسات المتوسطة والصغيرة من مطاعم وباعة وكل ميادين التجارة.

أما في مستشفيات بغداد وبقية المحافظات العراقية ، فهناك من بدأيتحدث بجدية عن الكارثة الكبرى، إذ أن استمرار انقطاع التيارالكهربائي في شكله الراهن يهدد بتحجيم عمل المؤسسات الصحيةوبالتالي عجزها عن تقديم أي خدمة علاجية كاملة كونها تعتمد فيجميع أنشطتها على التيار الكهربائي .

ولاتزال أصداء النداءات التي أطلقتها إدارات بعض المؤسساتالصحية لتزويدها بالطاقة تدوي في أذهان المسؤولين والمواطنين من لهعلاقة بذلك لكن لاحياة لمن تنادي ، وتعتبر هذه المؤسسات العصبالأساسي في القطاع الصحي ، ويشكل عجزها ضربة قاسمةللعراقيين في الظروف المأساوية التي يعيشونها .

وتعمل معظم المستشفيات حالياً بتوليد الطاقة من المولدات الضخمةذات التكاليف الباهظة والتي لايمكن الاستمرار بالإيفاء بها مع تصاعدأزمة الوقود . ويقول أحد المسؤولين في إحدى مستشفيات بغداد ، أنالوضع بات لايحتمل ، فالساعات المحدودة لتوليد الطاقة عبر المولداتلاتكفي للقيام بعمل كامل في أقسام المستشفى، فكل شيء يحتاجللكهرباء ، ففي أقسام الطوارئ تعمل أحياناً على ضوء مصابيحالبطريات مما يزيد من حدة المعاناة بالنسبة للأطباء والمرضى .

وفي هذا المناخ الأسود تحول الكهرباء إلى أهم سلعة في حياةالعراقيين وباتت سعادة المواطن وتعاسته تقاس بامتلاكه هذا المولد أوعدمه وبات الطلب على شراء هذه الآلة من قبل الميسورين مزدهراً حتىأصبحت تشاهد الأرصفة والمتاجر مثقلة بها وهي تعرض كأي سلعةاستهلاكية لاغنى عنها . وتشهد اغلب شوارع المدن العراقية مثل هذهالظاهرة إذ تمتد واجهات المتاجر والأرصفة المقابلة لها بكل أنواعوإحجام المولدات . وقد تحول عشرات التجار عن مهنهم السابقة إلىالإتجار بالمولدات المستوردة التي ارتفعت أسعارها بمعدلات سريعةحيث بلغ سعر المولد المنزلي ما يقارب الـ (700) دولار أمريكي . واللافت أن هذه السلعة لاتباع  بالعملة الصعبة او بما يعادلها  ممايجعل الكثيرين غير قادرين على امتلاكها . وبفعل ذلك ارتفعت معدلاتاستهلاك وقودها  كما ارتفعت أسعار هذه المواد وبات من يملك مولداًبحاجة إلى استهلاك يومي للمحروقات مما فرض أعباء مالية إضافية.

وإذا مررت في أي شارع من شوارع مدننا العراقية فانك ستحاصربرائحة المحروقات والهدير والدخان الأسود المتصاعد من مولداتالكهرباء . وهذا ينسحب على بقية الشوارع والمناطق الأخرى . وباتترائحة المحروقات دليل عافية ويسر في عرف البعض ومثار حسرةوبؤس في عرف الأغلبية . ولو تنصت إلى أية مدينة ليلاً لسمعت هديراًهائلاً ينبعث من أحيائها التي تعمل بواسطة الموالدات الكهربائية ،كذلك فان الخيوط الأولى من نهار كل يوم لاتطلع إلا وتكون المولدات قدبدأت بالعمل مما يزيد من هموم العراقيين ومشاكلهم .

وليس امتلاك مولد كهربائي نعمة لصاحبه بل يتحول إلى نقمة ، فكثيراًما تندلع مشاحنات كلامية بين أبناء الحي الواحد والبناية الواحدةنتيجة احتجاج البعض على هدير المولد ، فهناك من يريد الاستفادةمن المولد بينما هناك من يريد أن يرتاح ، وطبعاً لاتحسم الخلافاتأحياناً إلا بواسطة السلاح .

وعلى الرغم من هذه الصور السلبية لما يجري فأن ظواهر كهربائيةتعبر عن ايجابيات لدى العراقيين ، ومنها ظاهرة التضامن بين أبناءالحي الواحد على مواجهة انقطاع التيار الكهربائي . فقد ابتكرالبعض وسائل تعاونية مثلى في الحي الواحد عن طريق مساهمة عددمن العائلات لشراء مولد كهربائي جماعي يستعمل في أوقات محددة . وقد جرت مبادرات مماثلة في عدد من إحياء بغداد المرفهة على عكسنقيضها التي لم تستطيع توفير هذا الأمر لمحدودية دخلها .

وطلاب العلى هم الضحايا الأولون لهذه المأساة ، إذ لا يستطيعالطالب العراقي متابعة دروسه بعد عودته إلى منزله مما يحمله منأعباء إضافية خلال النهار لايستطيع في الغالب بالإيفاء بها . أماالذين يضطرون للدراسة في الليل فإنهم يستعينون على ذلك بضوءالمصابيح النفطية والشموع حتى تتورم مآقيهم . ويلاحظ مسؤولون فيالمدارس والجامعات العراقية أن انقطاع التيار الكهربائي قد أثربشكل سلبي على عطاء الطالب ، فبالإضافة إلى الآثار المترتبة عليهكمواطن من الناحيتين العلمية والنفسية فان غياب الكهرباء يدفعه إلىإهمال واجباته ومتابعة دراسته . ويقول هؤلاء أن ذلك بدأ واضحاً فينتائج الامتحانات الفصلية خاصة لدى طلاب المدارس الابتدائيةوالثانوية .

ولدى الأسرة العراقية يصبح للمسألة بُعد أكثر دراماتيكية ، فقد ابلغنارب أسرة أن اضطرابات بصرية بدأت تظهر لدى أربعة من أبنائهالصغار . ويعزو ذلك إلى اضطرار أولاده إلى متابعة واجباتهمالمدرسية بواسطة ضوء المصباح النفطي .

وتتعدى الأزمة هذا الميدان لتضرب العراقيين في نفوسهم وأفكارهم . إذ يقول طبيب لديه عيادة للعلاج النفسي ، انه بدأ يستقبل العديد منالمرضى الذين يشكون من تهيؤات ليلية وكوابيس تكاد تحول حياتهمإلى جحيم .

ويذكر واحدة من زبائنه ، فتاة تبلغ من العمر (23) عاماً لاتستطيعالنوم بمفردها بسبب العتمة وأنها تنام إلى جانب والدتها ولا تفارقهاحتى بزوغ الفجر . ويشير إلى أن مريضته لا تتوقف عن سرد ما تراهفي أحلامها من كوابيس وأشباح مما جعلها تصاب بحالة اكتئاب دائم.

ويتحدث الطبيب ذاته عن آثار العتمة على الأطفال من ناحية التخيلوالسلوك والعلاقة بالأب وإلام والآخرين . ويثير الطبيب قضيةالخلافات الزوجية والعائلية بسبب انقطاع الكهرباء ، ويقول :- إن ذلكيحدث غالباً بين الأسر الفقيرة التي لاتملك إمكانية الحصول علىوسائل الإنارة الحديثة . فمن الهموم والاحتكاكات التي تولدها العتمةإلى الشكوى من عدم الحصول على مولد كهربائي مروراً بغيرة الزوجأو الزوجة من حصول الجار أو القريب على تلك الآلة إلى خلافاتأخرى قد تتسبب بمشكلات خطيرة داخل البيت .

وبالإضافة إلى ذلك ، فأن المواطن ينحو إلى العزلة منكفئاً إلى أسرتهأو إلى ذاته . فقد ضمرت العلاقات الاجتماعية وندرت الزيارات المتبادلةبين الجيران والعائلات بسبب غياب الكهرباء وبالتالي فإن الانتقال فيالشوارع المظلمة بات يدفع سكان بغداد إلى عدم المخاطرة بالتجول ثمأن ترك الأطفال وحدهم في البيت جريمة لاتغتفر .

مدننا من شمال الوطن إلى جنوبه صارت تنام في ساعة مبكرة ،أسواقها ومتاجرها ونواديها ، تقفل عند المغيب استعداداً لليل طويلكثيف السواد . ولايجد أطفال المنازل الغارقة في هدوء صارم غيرمتابعة أخيلتهم التي يعكسها ضوء المصابيح النفطية حتى يتعبواويناموا في حضن العتمة أملاً بفجر جديد .

[email protected]




الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.