الاثنين 19 آب/أغسطس 2019

الحرب بين الدبلوماسية والتصعيد

الأربعاء 29 أيار/مايو 2019
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

لاحظت ان مقالاتي السابقة وهذا المقال لا نذكر فيها الدول لأن الصراع يعني الصراع الامريكي الايراني والحرب تعني الدولتين نفسها ، والدبلوماسية تعنيهما ايضا ، وكأن العالم كله يجلس على التل مراقبا هاتين الدولتين، ومحللا اين ستسقط الشظايا .

الدبلوماسية هي لعبة القوة ومن لا يمتلك القوة ليس فقط سيخسر الحرب بل سيخسر المفاوضات ايضا وهو سيلعب لعبة الدبلوماسية فقط كي يقدم اقل ما يمكن من التنازلات وليس كي يربح المفاوضات ولذلك نجد ان السيد الخامنئي قال (لا حرب ..لا تفاوض) ،. وهناك من يتصور ان الدبلوماسية لا تحتاج الا الى ذكاء وخبرة ومرونة وصبر والحقيقة تقول ان امتلاك القوة هو اساس في اللعبة الدبلوماسية ، وبالتالي فأننا نجد في ستراتيجية (لا حرب ..لا تفاوض) ان الاثنتان خاسرتان بالنسبة لأيران ، وما هي الا حالة المراهنة على وحدة الشعوب الايرانية وتماسكها وصبرها الى ان يأذن الله بمتغيرات في البيئة الدولية والإقليمية. قد تحصل وقد لا تحصل .. هل يعني ذلك الغاء دور الدبلوماسية ؟؟ كلا بالطبع فالسياسة والدبلوماسية دورها يبرز في البدايات وتبدأ بقراءة مصالح الشعب والدولة قراءة سليمة وتدرس البيئة الاقليمية والدولية وقدراتها هي وقدرات الآخرين لتعرف اي من المصالح ممكن تحقيقها وأي منها غير قابلة للتحقق وتسير بموجبها … اكرر في البدايات وليس في النهايات ، ويؤكد قولي هذا حوار دار بين داهيتين من دهاة العرب حيث سأل معاوية ابن العاص عن رؤيته للدهاء فأجاب (( عندما ادخل مكانا لا بد لي ان اجد فيه منفذ)) وأعاد بن العاص السؤال على معاوية فأجابه (( انا لا أدخل مكانا ليس لي فيه منفذ)) اي لا يدخله قبل ان يتأكد من وجود المنفذ ، ولعل ايران وتركيا وجدتا في خروج العراق من المعادلة الاقليمية وبدء الخريف العربي فرصة مؤاتية للتمدد .. تركيا لعبتها حسب قدراتها فتمددت اقتصاديا وحمت اشرطتها الحدودية مع العراق وسوريا بالتموضع داخل حدود الدولتين وتقيأت البي كي كي على سنجار واستمرت في بناء قوتها الشاملة لأنها وعت ان البيئة الدولية مهيأة ان يكون الشرق الأوسط لأمريكا وليس لها … اما ايران فقد عبرت الحدود لتوحيد العالم الاسلامي كما هو مثبت في دستورها ، فحصلت المواجهة بعد ان باتت السياسة والدبلوماسية مجدية فقط في تحديد اي من النقاط الاثني عشر يمكن الموافقة عليها واي منها غير ممكنة ، في ظل المعطيات الحالية ( روسيا ليست مطفأة حريق كما قال بوتين ، والصين مشغولة ومشاغلة بالعقوبات الامريكية عليها ، وأوروبا مع الامريكان كعادتهم ، والعراق عاجز عن القيام حتى بالوساطة كونه حليف ستراتيجي لأيران فضلا عن ان نفوذ ايران في العراق بات مكشوفا .

عندما نتحدث عن القوة فأننا نعي انها ليست القوة بمفهومها العام فقط بل ان هناك ايضا ما يسمى (بالقوة الكامنة) كأن تمتلك نفطا غير مستخرج أو غاز مهدور منذ نصف قرن كما في العراق ، او قدرات شبابية معطلة وهكذا .. وهناك القوة الاعتبارية فمصر عبدالناصر ليست مصر مبارك وألمانيا هتلر ليست المانيا غيره . كان البعض يقولون ان المقاومة العراقية هي التي اخرجت المحتل من العراق وكان البعض الآخر يقول ان المفاوض العراقي هو الذي اخرج امريكا من العراق ، وأن كانت الاولى تمتلك القوة وقتلت 4500 جندي امريكي وجعلت وضع امريكا مزعج في العراق من حيث حسابات (الكلفة والتأثير) التي يحسبها كل محتل ، وبالتالي فهي اثرت بشكل او بآخر على انهاء الاحتلال (العسكري) ، فكيف يمكن تفسير الحالة الثانية ، وما هي القوة التي كان يمتلكها (المفاوض العراقي) بحيث اجبرت امريكا على الانسحاب ؟؟؟؟

هذه الدبلوماسية قد تجري على طاولات مستديرة او مستطيلة ،بشروط مسبقة او بدونها ، وقد تجري في الهواء الطلق وعبر الاثير كما يجري اليوم كمرحلة اولى بين ايران وامريكا ..هذا يقول ليتصلوا بي وذاك يقول لن نتصل وهكذا الطرفان يريدان الحوار بالطريقة التي يريدها كل طرف ، والطرفان يعلمان ان الحل السلمي هو الامثل فمهما زادت قوة احدهما او ثبات مبادئ الآخر يبقى تجنب الحرب هو الافضل لطرفي النزاع وهما يتوقان اليه بشغف .ولذلك قد يرضوا بوسطاء ضعفاء سوف لن يكن لهم دور سوى مشاغلة الرأي العام وإيصال الرسائل بينهما .

امريكا بانسحابها ستخسر هيبتها وعندما تسقط هيبة اي امبراطورية وهي الأعظم في صراع مع قوة متوسطة فأن الخسارة سوف لن تتوقف عند ذلك الحد بل ستستمر ، وسيعزز الأمر من (القوة الاعتبارية) للطرف الآخر الذي هو يعيش معتمدا على ذلك النوع من القوة ، وبالتالي ستبقى مصالح امريكا مهددة في الشرق الاوسط والخليج العربي بشكل خاص … وبما ان قبول امريكا بذلك ضرب من المستحيل ، فأنها ستقاتل لتجنب هذا الوضع ..مع العرض انها تختلف عن باقي الدول في ان شظايا الحرب لن تصل نيويورك او مانهاتن في اسوأ الاحوال ، ولن ينزل جندي ايراني في تلك الولايات ولن يكن الامريكي تحت الاحتلال الايراني ، ولن يحل الجيش الامريكي ويتلاعب بمصيره من يشاء ، كل شيء سيبقى على حاله وتبقى الدولة قائمة وهو المهم ، ولذلك عمد الامريكان الى تدمير (الدولة) العراقية

أما ايران فهي الاكثر شغفا بتجنب الحرب ، لكونها ستخسر الكثير فيها فكل مخرجات الاحتلال الامريكي للعراق باتت معروفة بدقة لديها فلو كان العراق قد تمكن من تجنب الحرب لما حصل ما حصل في المنطقة ولما تعملقت السعودية وتركيا ولما هيمنت ايران على خمسة عواصم كما صرح احد السياسيين الايرانيين .. ولما كان هناك تنظيم قاعدة او داعش …كل ذلك كان مخرجات للحرب العراقية الامريكية ولا اعتقد ان ايران لن تكون اقوى من العراق بعد الحصار خصوصا وأن ما سيواجهها ليس حصارا بل ان ستراتيجية (الخنق) الاقتصادي هي المرجحة .. بل حتى ان الدول التي انتصرت على امريكا كفيتنام … هل سمعتم باسم فيتنام منذ تحريرها لحد الآن ؟؟ انا سمعت فقط بالرز الفيتنامي ، وهل ان امريكا تدمرت نتيجة ذلك النصر؟؟

السؤال الاخير الذي يثار هو كيف سيكون وضع ايران ان تنازلت ونزعت فتيل الحرب .. الأمر سهل برأيي المتواضع ، هي ستخسر الكاريزما ، والكثير من الدول المتحضرة تعيش بلا كاريزما ، وستخسر النفوذ العسكري خارج ايران ، وسويسرا ايضا لا نفوذ لها خارج حدودها ، وهي بإمكانها ان تكون دولة متحضرة كاليابان بلا نفوذ خارجي فالنفوذ اليوم نفوذ هواوي وأبل وفيس بوك ، ولنتخيل وضع العراق ، وأيران لو انهما لم يتحاربا ويتلفا مئات الآلاف من الشباب ومئات المليارات من الدولارات ، ولنتخيل لو ان سبعينيات القرن الماضي في العراق …سبعينيات الخطط الانفجارية والاستقرار المطلق استمرت حتى اليوم بلا حروب.

قد يقول قائل وأنا معه ان المصالح الايرانية مصالح (عقيدية) يصعب التنازل عنها فأذكره بصلح الحديبية ، وأذكره ان السيد الخميني الذي هو اكثر كاريزمية من السيد الخامنئي سبق وأن تنازل امام العراق ودون عقوبات اقتصادية مدمرة فكيف اذا كان الامر مع امريكا في عهد اكثر الرؤساء مصداقية وجنونا ؟؟؟ كفانا الله جميعا شر امريكا




الكلمات المفتاحية
التصعيد الحرب الدبلوماسية

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.