الثلاثاء 16 أغسطس 2022
40 C
بغداد

العراق بين الوسط والوسيط

تمر علاقة العراق مع إيران من جانب ومع أمريكا من جانب أخر، بمفترق طرق خطير ومفصلي، يحتاج لحنكة وحكمة في التعامل مع الطرفين في ظل طبول المواجهة التي تقرع عاليا بينهما.
ايران ترتبط بعلاقات متشابكة مع العراق كشعب ونظام وحكومة، تمتد لمئات السنين.. وتجذرت وتعمقت لتصبح علاقات اسرية.
بالمقابل العلاقة العراقية مع امريكا علاقة استراتيجية حيث تشابك المصالح ومركزية الوجود الامريكي في الساحة العراقية، يضاف لها أن أمريكا اليوم هي اللاعب الأول في المنطقة والعالم.
وضع العراق هذا دفع حكومته إلى إيصال رسائل لطرفي الخلاف إيران وأمريكا، بأهمية تقدير وضع العراق، وتركه بعيد عن الانتماء لأي طرف أو محور، وأن العراق سيكتفي بموقع الوسط في الخلاف المشترك.
يبدو ان طرفي النزاع تلقيا موقف العراق بحذر تارة وعدم رضى أخرى، فلكل طرف منهما أوراق في العراق قد تجهلها حتى الحكومة، لايمكن أن يتركها في لحظة المواجهة.
العراق الذي يصدر حوالي 98% من نفطه عبر مضيق هرمز المهدد بالإغلاق في أكثر من حالة وسيناريو، عند إيقاف تصدير النفط الإيراني وعند نشوب المواجهة بين الطرفين، هذا يجعل موقع الوسط الذي يراد للعراق لا يلبي حاجته وأدلن يكون قارب نجاة للبلد وإقتصاده المتداعي الذي يشكل النفط مصدره الاول والاهم، فضلا عن كارثية أي مواجهة على المنطقة والشعب الايراني وموقع امريكا في العالم.
إن سياسية التهديد ولي الأذرع لا يمكنها ان تنجح في العلاقات الثنائية بصورة عامة، أما في منطقتنا فهذه السياسية لعب بالنار، لا يمكن لأحد ان يتكهن بنتائجه، خاصة بين ايران الدولة العقائدية التي لاتمتلك خيارات كثيرة، فهي أمام خيارين أحلاهما مر، إما أن تنتظر لتخنق وتلفظ أنفاسها الأخيرة، أو تواجه لتوفر لنفسها فرصة مهما كانت ضئيلة لتعيش.. فيما أمريكا الدولة الأكبر في العالم وفي المنطقة الأهم بالنسبة لها، وما لايمكنها أن تفرط بها مهما كان الثمن، حيث الحليف الاسرائيلي وهنا الثروات الخليجية والانظمة الحاكمة التابعة قلبا وقالبا للإدارة الأمريكية، هذا الحال يعزز أن أي مواجهة بين الطرفين سوف تحرق الأخضر واليابس لان خيار التراجع غير متوفر لدى أي من الطرفين، هذا هو الأخير يدفع العراق ليغير دوره في المشهد.
إذن على العراق أن يبحث عن دور وموقع أكثر فاعلية وأهمية من الوسط وتأثير في تفادي المواجهة، هذا الدور أن يكون لاعبا في الساحة من خلال التوسط بين طرفي الأزمة لنزع فتيلها، تمهيدا للإنتقال إلى طاولة المفاوضات لحل الخلافات بما يخدم مصالح البلدين والمنطقة والعالم.
العراق مؤهل بشكل كبير ليلعب هذا الدور أفضل من جميع الاطراف الاخرى، لعلاقته المتزنة والمتوازنة مع الطرفين، الثقة العالية بالقيادات العراقية من قبل الاطراف المتنازعة، اضافة لوجود اوراق مهمة ومؤثرة في النزاع يمتلكها العراق يحاول الطرفين تجنب دخولها وتحييدها قدر المستطاع، حاجة الطرفين للعراق وحاجته لهما بنفس الأهمية مع تفوق للكفة الإيرانية لشعبية العلاقة معها.
كل هذه الحقائق تدفع العراق ليتقدم خطوة مهمة للأمام من الوسط إلى الوسيط، لينزع فتيل ازمة سيكون في وسط لهيبها مهما حاول..

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
867متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

المؤرخون الإسلاميون والباحثة بثينة بن حسين

شخصيا أثمّن الجهّد المبذول من قبل الباحثة التونسية في كتابها الموسوعي (الفتنة الثانية في عهد الخليفة يزيد بن معاوية) وهو من الكتب الضرورية ويستحق...

لماذا لم يكتب الشيعة تاريخهم بايديهم

عندما تبحث عن أي حدثٍ ما في تأريخ الشيعة سياسياً أو عقائدياً أو اقتصاديا ،أو كل ما يهم هذه الطائفة من أسباب الوجود والبقاء...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

محاولة اغتيال سلمان رشدي: جدلية التطرف في الفكر وممارسة العمل الإرهابي؟

في نهاية القرن العشرين واجه العالم عملية إحياء للأصولية الدينية إذ شكل الدافع الديني أهم سمة مميزة للإرهاب في الظروف المعاصرة، بعد أن أصبح...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

لقد ابكيتنا يا رأفت الهجان…

اليوم وانا اعيد مشاهدة المسلسل المصري القديم رأفت الهجان من خلال شاشة الموبايل وبالتحديد لقطات لقاء بطل الشخصية مع عائلته في مصر بعد عودته...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

أموال ( النازحين ) تحولت إلى خزائن اللصوص ؟!

معظم النازحين في العراق وإنا واحد منهم سجل أسمه في قوائم وزارة الهجرة وتم توزيع تلك القوائم إلى منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الأخرى والأطراف...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الإنسداد السياسي في العراق… ومتاهات الفراعنة

يبدو المشهد السياسي في العراق مثل متاهات الفراعنة أو دهاليزهم السِريّة كمن يحاول الخروج من غرفة مظلمة عِبرَ باب دوار حتى يجد نفسه قد...