شعبان بين انتفاضتين!

فساد بعض الطبقة الحاكمة في عراق اليوم، مهما كان حجم هذا البعض، ليس مبرراً للمقارنة بين نظامين: الأول، يمارس الديكتاتورية من أوسع أبوابها، والطغيان والربوبية لدرجة أنّه سار بطريق تأليه الحاكم الفرد. والثاني، بُني على اساس ديمقراطي حر، وكما يقول بعض المفكرين؛ حيثما وجدت الحرية بمكان او زمان فهو افضل.
والفضل الوحيد لذلك النظام، هو انه عرفنا بكذب الأنظمة الاستبدادية وزيف ادعاؤها للبطولة والشجاعة.
تلك الشجاعة التي غابت عن نظام الطاغية المقبور، في العام 1991 عندما انهزم ذليلاً من الكويت، بعد أن أصرّ على البقاء، وفي ذلك الإصرار انكشفت ثلاثة صفات جوهرية كان يتصف بها الديكتاتور:
1- الغباء السياسي وسوء التشخيص والإنحطاط الفكري.
2- ضعف الإمكانية العسكرية، وانعدام التخطيط الاستراتيجي.
3- السادية والإجرام وعدم إحترام عقائد الناس، والتعطّش لدم الشعب الذي تمظّهر جلياً بجرائم النظام في الجنوب والمدن المقدسة والشمال.
ومن تلك الخصال، إنبثقت ثورة الجيش ضد النظام، فالانتفاضة الشعبانية، انطلقت شرارتها بقذيفة دبابة اطلقها عسكري عراقي مهزوم من الكويت على صورة صدام حسين في ساحة سعد بمحافظة البصرة. كانت تلك القذيفة، ثورة ثأر لكرامة الجيش المستباحة، وساندها الشعب الذي كان يخضع لمزاج شخص بتلك المواصفات الهابطة.
ما يثبت هبوط أخلاق وانعدام كرامة النظام البعثي في العراق، هو انغماسه الإرادي في بحر الذل، بعد قبوله بشروط خيمة (صفوان) المهينة والتي تنازل بها عن الاراضي العراقية من اجل تحقيق غاية وحيدة: ذبح الشعب العراقي الأعزل بعد تصنيفه طائفياً وقومياً!.. وبأختصار؛ فأنّ انتفاضة شعبان كانت رفض شعبي للحروب العبثية الخاسرة، والتخلف الذي جلبه نظام البعث للعراق. بمعنى أنّ الشعب مهما نسى او اشتكى من فساد نظام ديمقراطي، لكنه يرفض ويثور ويقاتل أي نظام استبدادي ديكتاتوري متعجرف.
وهو ما أثبتته وقفة شعبان من العام 2014. كانت الدولة آيلة للسقوط، وقد انكفأت خلف أسوار المنطقة الخضراء، بيد أنّ كلمة مرجع طالما وصفه أصحاب النظرة الضيقة ب(الصامت) اعادت السلم، وهزمت رغبات التسلط والقتل المزمنة في نفوس ورثة التراث المشوّه والموضوع زيفاً.
زيف يراد له أن يسيطر على العقول الضعيفة، ويقص ذاكرتها في صالة عمليات المقارنة بين زمنين. زمن القهر والاستبداد، وزمن الحرية في كل شيء؛ فكيف لعقل سوي أن يختار الديكتاتورية وتكميم الأفواه على زمن التحرر؟
سيقول بعضهم: ماذا كسبنا من الحرية؟.. ورغم أنه سؤال برؤية مبطنة؛ ولكنه يعكس مرضاً نفسياً، فعقدة حب الذل والعيش بدونية وعبودية، هي ما يفسر المقارنة بين الأنظمة، وتفضيل أسوأها كطريقة للحياة. غير أنّ انتفاضات شعبان، حددت شكل الدولة، فالثورة ضد التسلط بذرة مغروسة في النفوس، مهما ضعفت قواها.

المزيد من مقالات الكاتب

المادة السابقةاقتباس القرآن من كتب سابقة له
المقالة القادمةأنتحار سياسي

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
770متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

معنى التظاهرات في دائرة “علم النفس الاجتماعي”

اشعر بالفرح .. عندما ارى تظاهرات تطالب بحقوق هدرت ، وبقوانين عطلت ، وبمشاريع تلكأت ، وبحكومة تحترم مطالب المتظاهرين ، ولا تطلق الرصاص...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

المقاطعون هم الصحيح ، ذات الوجوه المكررة

نعم لا تغيير الا بالقدر القليل ، ذات الوجوه الماكرة ، ذات العقليات القاصرة ، ذات الشعارات الغابرة ، بعد نكسة الانتخابات وعزوف الأغلبية...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ما بينَ ” التيّار والإطار” مُحلّلون أَم مُنجّمون .!؟

منْ قبلَ أنْ يبدأ , وقبل أن ينعقد لقاء السيد مقتدى الصدر بقادة " الإطار التنسيقي " , وحتى اثناء ذلك الإجتماع , شرعَ...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

العنف السياسي في العراق: ماضيا وحاضرا ومستقبلا؟

ترتبط ظاهرة العنف السياسيّ بالأداء العامّ لوظائف النظام السياسيّ، فكلما كان أداء النظام السياسي فاعلاً وشاملاً وعادلاً، ضعفت فرص بروز ظواهر العنف السياسيّ بوصفها...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

نحن والامم المتحدة والانتخابات

اكدت مبعوثة الأمم المتحدة إلى العراق جنين بلاسخارات أن الترهيب وممارسة الضغوط لتغيير نتائج الانتخابات في العراق، سيسفر عن نتائج عكسية, وقالت خلال إحاطة...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

آية لاتحرم القتل حيث القتل فضيحة للحياة

1_ إنما هناك حالات كثيرة يجوز فيها القتل بنص القرآن منها الذي لايقيم الصلاة ولايؤدي الزكاة مَن قَتَلَ نَفْسًا (بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ) فَكَأَنَّمَا...