الأحد 21 تموز/يوليو 2019

العراق خلال العقد القادم

السبت 20 نيسان/أبريل 2019
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

معظم دول العالم المتقدم والمتحضر بمؤسساته وتشريعاته وقوانينه تحاول دائماً تقييم واقعها ونتائج سياساتها على مختلف الأصعدة وذلك بهدف إستشراف وإستنباط ما ستؤول اليه حالة البلد في المستقبل القريب والمتوسط وأهمها المستقبل البعيد الذي تتجاوز مدده عدة عقود قد تصل الى قرن من الزمن في بعض الأحيان . وعادةً ما تجرى بإستمرار دراسات وأبحاث من قبل عدة جهات رسمية وغير رسمية وإختبار سيناريوهات متعددة لرسم معالم البلد مستقبلاً من جميع النواحي وموقعه بين دول العالم المتنافس . فجميع ساسة دول العالم ، بدون إستثناء ، يُصٓرحون ويعلنون بأن البلد سيكون في صدارة الدول من ناحية التقدم العلمي والإقتصادي وسوف تتصدر المواقع المتقدمة في إتخاذ القرارات الأممية بشكل عام . فأمريكا وروسيا والصين والدول الأوربية عموماً تستهدف مثل هذه المواقع ، وكذلك بعض الدول الناشئة إقتصادياً مثل سنغافورا وماليزيا وهونكونك أو حتى بعض دول العالم الثالث في الشرق الأوسط مثل مصر ودوّل الخليج وإيران والعراق أو حتى ما تسمى دول مثل الصومال وأريتيريا . الغريب في الأمر ان ساسة الدول المتقدمة واضحين وصريحين وصادقين أمام شعوبهم فيما يطرحونه من أهداف وسياسات وصورة المستقبل بحيث تكون مصلحة الوطن فوق جميع المصالح ، أما في باقي دول العالم ، وخصوصاً الدول المتخلفة عن ركب التقدم والتطور مثل معظم دول الشرق الأوسط وبضمنها العراق ، فإن معظم الساسة غير صادقين وغير حريصين على مصلحة الوطن بقدر مصالحهم الشخصية والفئوية . وبذلك فجميع تصريحاتهم عبارة عن تحايل وتخدير لمشاعر الشعب الذي هو جاهل ومغيّب أصلاً وتثقيفه بثقافة عبادة الشخص ” الرمز ” وممارسة أساليب المدح والتبجيل والتهويل للقائد الضرورة وما شابه من هذه الممارسات السائدة في معظم الدول المتخلفة .
ما يخصنا هنا هو العراق وما هو المتوقع له خلال العقد أو العقدين القادمين في ضوء الظروف المحيطة به . ولكي نشخص بموضوعية وحيادية وبشكل منطقي ما سيؤول عليه الواقع العراقي بعد عقد أو عقدين من الزمن لا بد من إستعراض الواقع الآن وما أفرزته تجربة الحكم منذ عام ٢٠٠٣ ولحد الآن . وهذه مسألة مهمة جداً لتسقيط أحداث الماضي والحاضر بكل جوانبها ومضامينها على الصورة المستقبلية للعراق . بدايةً يمكن تلخيص الواقع العراقي الآن بالآتي :
أولاً : توفرت للعراق عام ٢٠٠٣ فرصة تاريخية نادرة لا يمكن أن تتكرر للتخلص من نظام ديكتاتوري شمولي ساهمت فيه الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها ، ولم يكن بإستطاعة أي قوى داخلية مهما كانت أن تزيح ذلك النظام مطلقاً .
ثانياً : مما يؤسف له ، وبغباء الأمريكان من بعض النواحي ، سمحوا للتيارات الإسلامية ( والمتخلفة كلياً عن مبادئ التقدم والتحضر ) أن تستولي ، وبإستغلال الجهل السائد في المجتمع ، على مقاليد الحكم والتحكم بكل مفاصله في العراق وتحديد مستقبله إعتماداً على تطبيق ما يسمى بالنظام الديموقراطي .
ثالثاً : إن من يتحكم بشؤون العراق ومستقبله في المرحلة الحالية عدد محدود من الشخوص معتمدين على مليشياتهم المسلحة . وهذا أمر واقع يعلمه الجميع . ومعظم هذه الشخوص تعمل بإخلاص متناهي لمصالح ذاتية معينة . وليس من المهم تسميتهم فهم معروفين بوضوح وللجميع . للتذكير فقط هادي العامري ، مقتدى الصدر ، أبو مهدي المهندس ، الخزعلي. ، والمالكي ، والحكيم ، والنجيفي ، وغيرهم كثيرون ممن لديهم مجاميع مسلحة مثل العشائر والعصابات ” الرسمية ” وغير الرسمية الأخرى .
رابعاً : إن من يملك السلاح والمال هو من يتحكم بشؤون العراق مهما كان . وعليه فإن المليشيات المسلحة وتحت مختلف التسميات هي من تتحكم بمصير العراق . فليس هناك حكومة حقيقية تدير جميع مفاصل الدولة ، بل هناك مافيات مسلحة تدير وتسيطر على أهم موارد الدولة النفطية والحدودية وبعض المصادر الأخرى . الغريب بالأمر إن هذه الأمور معروفة ومكشوفة بوضوح للحكومة العراقية بمستوياتها التنفيذية والتشريعية والقضائية دون أي إجراء . بالتأكيد جميع هذه المستويات هي جزء من منظومة المافيات ، وإلا كيف يفسر سكوتهم !!!!!!
خامساً : إن تأثير المرجعيات الدينية وأحزاب الإسلام السياسي على القرارات السياسية والإقتصادية والإجتماعية وحتى العلمية البحتة واضح ومؤثر وموجب التطبيق في كثير من النواحي في المشهد العراقي . ويبقى التساؤل هنا كيف يتم الخلط بين العلم والتقدم الذي يعتمد على الفرضية والتجربة والنتائج الملموسة مباشرةً أو بشكل غير مباشر وإحترام قوانين الطبيعة وتفسيرها وكيفية التعامل معها وإكتشاف بعض من أسرار الكون من خلال غزوا الفضاء وبين الدين الذي يعتمد على الغيبيات والقصص الخيالية وإمكانية حل جميع المشاكل السياسية والإقتصادية والعلمية ومعالجة التلوث البيئي والأمراض المستعصية وغيرها من خلال الدعاء والتضرع الى الله وممارسة بعض الطقوس الغيبية . فكيف يمكن لرجال دين ومعممين أن يديروا بلد بكل مفاصله وأن يضمنوا مستقبل واعد لأجياله وجعله في مصافي الدول المتقدمة في العالم في حين إن أقصى معرفتهم العلمية لا تتعدى بشكل عام طقوس العبادة للخالق وطقوسها وتفسيرات القرآن وأحاديث النبي والصحابة وإبداء الرأي والفتاوى التي تخص الأمور الحياتية التفصيلية للإنسان مثل القضايا المتعلقة بالجماع بين الرجل والمرأة والزنا والدورة الشهرية ومدة العدة عند الزواج الثاني أو ما هو الحلال والحرام من إظهار أجزاء المرأة وغير ذلك من الشؤون الشخصية التي يتناولها جميع المعممين من كل الأطياف . فكيف لمثل هؤولاء أن يديروا شؤون دولة تتدعي بأنها دولة مدنية ذات نظام ديموقراطي .
سادساً : إنتشار وتعميق بعض القيم والممارسات على المستوى الفردي والمجتمعي وحتى الرسمي التي ترسخ وتعمم الجهل بين أفراد المجتمع وتغييب عقولهم . ويأتي في مقدمة تلك الممارسات تفرغ المجتمع كلياً والدولة بكل إمكانيتها في عدد غير قليل من المناسبات لأداء بعض الشعائر الدينية والتي تنم فعلاً عن جهل المجتمع من ناحية وغباء المسؤولين والسياسيين في الدولة عموماً .
سابعاً : إنتشار الفساد المالي والإداري في جميع مفاصل الدولة دون إستثناء وبعلم الجميع داخلياً وخارجياً . وهنا أغرب ظاهرة في العالم من ناحية الفضائح السياسية ، فليس هناك دولة ما في العالم ، مهما كانت ، جميع قياداتها وسياسييها في جميع مفاصل الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية كل واحد منهم لديه ملف أو بالأحرى مجموعة ملفات فساد مالي وإداري وأخلاقي على الآخرين . والغريب بالأمر بأن هؤولاء جميعاً يعلنون في مناسبة وغير مناسبة بأن لديهم ملفات فساد عن فلان وفلان وفلان وسوف يعلنون عنها في الوقت المناسب . إنها حقاً مسرحية لأنه في أي دولة من دول العالم التي تحترم نفسها لو وجد ملف فساد واحد فقط لأنقلبت الدنيا وحوسب الفاسد وحتى مكتشف حالة الفساد إذا حاول التستر أو عدم الإفصاح مباشرة عن ملف الفساد . في العراق الأمر يختلف ، فجميع السياسيين والقياديين في العراق ما دام كل واحد يمسك بملف فساد مالي وإداري وأخلاقي إتجاه الآخر ويهدد به عند الضرورة فهذا يعني بدون أي شك بأن الجميع بدون إستثناء فاسدون وسراق وعليهم ملفات فساد مؤجلة لأغراض التفاوض والإبتزاز .
ثامناً : في كثير من دول العالم ، عندما تتعرض لمشاكل أو كوارث أو إعتداء أو حوادث تمس أمن البلاد أو سلامة وحياة المواطنين فإن كافة أجهزتها تقوم بتشخيص ومتابعة تلك الأحداث بجدية ومسبباتها ومعالجتها ومحاسبة من سبب تلك الحوادث دون التغطية عليها ونسيانها لسبب أو آخر . فجميع الأحداث التي حصلت في دول العالم المتقدم أتخذت جميع الإجراءات المناسبة لمواجهتها ودراسة مسبباتها وإتخاذ الإحتياطيات اللازمة لتلافيها مستقبلاً ومحاسبة المضطلعين بها لكي لا تتكرر مرة أخرى . أما في العراق فإن الأمر مختلف تماماً ، وللتذكير فقط نورد أمثلة بسيطة عن بعض الحوادث التي حصلت في العراق وما زالت في قيد النسيان دون أي إجراء مُتَّخِذ أو محاسبة من كانوا وراء تلك الأحداث :
١- حادثة غرق عبارة الموت في الموصل
٢- مجزرة سبايكر
٣- نتائج التحقيق في سقوط الموصل وبقية المحافظات الاخرى
٤- حادث التفجير في مدينة الصدر الناتج عن تكديس العتاد والأسلحة في احدى الحسينيات التابعة للصدر
٥- احتراق صناديق الإقتراع الخاصة بانتخابات عام ٢٠١٨
٦- سرقة معدات مصفى بيجي
٧- فضيحة سجن ابي غريب بتهريب الأرهابيين
٦- اغتيالات فردية مثل :
١.١- اغتيال الشيخ طالب الزويد – امام وخطيب جامع البراء في الفلوجة
٢.١- اغتيال محمد الجبوري وزوجته – رئيس المجموعة العربية في مجلس محافظة كركوك
٣.١ اغتيال عبد الله سامي العاصي – رئيس المجموعة العربية في مجلس محافظة كركوك ( قبل محمد الجبوري )
٤.١- اغتيال حسين علي الجبوري – رئيس مجلس مدينة الحويجة
٥.١- مقتل زاهر الجبوري – معاون محافظ ديالى
٦.١- مقتل الروائي ضياء الخالدي
٧.١- مقتل عبد المجيد الخوئي
٨.١- اغتيال محمد باقر الحكيم – رئيس المجلس الأعلى للثورة الاسلامية
٩.١- اغتيال عقيلة الهاشمي – عضو مجلس الحكم
١.٢- اغتيال عز الدين سليم – رئيس دوري في مجلس الحكم
٢.٢- اغتيال هادي المهدي – مسرحي وإعلامي
٣.٢- اختطاف جلال الشحماني – مشارك في تظاهرات
٤.٢- اختطاف الصحفية افراح شوقي
٥.٢- اختطاف النشطاء السبعة عام ٢٠١٧
٦.٢- اختطاف كرار نوشي – فنان مسرحي
٧.٢- مقتل نبأ الجبوري
٨.٢- اختطاف الصيادين القطرين
٩.٢- اختطاف العمال الأتراك
١.٣- مقتل تارة فارس – وصيفة ملكة جمال العراق
٢.٣- مقتل رفيف الياسري – خبيرة تجميل
٣.٣- مقتل رشا الحسن – خبيرة تجميل
٤.٣- سعاد العلي – ناشطة حقوقية
٥.٣- اغتيال الكاتب علاء مشذوب
تاسعاً : بعض الظواهر العامة التي تميز المجتمع العراقي :
١- عبادة وتمجيد الصنم والوضاعة ، من أمثلة ذلك تقبيل عسكري برتبة عالية لِيَد رجل ديني معمم .
٢- رجل عسكري برتبة عالية يأخذ التحية العسكرية لرجل ديني معمم خلاف القواعد العسكرية المحترمة .
٣- خضوع وإنصياع تام مطلق لملايين من الشعب الجاهل لرمز جاهل لا يفقه غير القصاصات الورقية بشكل الأدعية والحجابات التي توصف لإبعاد الحسد والتحصين من الشياطين .
٤- إستنفار المجتمع والدولة بكل إمكانياتها المادية والبشرية والمالية لإقامة الشعائر الدينية وتعطيل جميع المرافق من أجل ذلك وكأنها كيان ” تحت إسم دولة ” لإقامة الشعائر الدينية بالأساس .
٥- تغييب وغباء معظم شرائح المجتمع العراقي لكونه مجتمع قبلي عشائري وطائفي غير متعلم وغير متحضر . وأفضل برهان على غبائه هو إنتخابه لجلاديه ومستغليه ، أما المقاطعين عن الإنتخابات فهم أكثر غباءً لأن بإمكانهم تنظيم صفوفهم بقيادات وطنية نظيفة لإكتساح الساحة السياسية .
٦- تفتيش معمم إيراني في إحدى منافذ الحدود العراقية من قبل مسؤول عراقي كمركي للإشتباه بتهريبه مادة مخدرة ممنوعة الى العراق ، وهي مسؤولية وطنية لا بد أن يمارسها ذلك المسؤول للحفاظ على سلامة البلاد من تهريب المواد المخدرة . وقد أدت عملية التفتيش هذه الى أزمة كبيرة لعدة أسباب أولها إن المتهم بالتهريب هو معمم ” أي رجل دين ” وان نظام الحكم في العراق هو نظام الإسلام السياسي ” أي نظام العمائم ” وهو خط أحمر . وثانياً إن المتهم المعمم هو معمم إيراني وهذا يعني إنه خط أحمر آخر وبذلك يصبح الموضوع تحت خطين أحمرين . وعلى هذا الأساس فعلت ” خيراً ” وزارة الداخلية بتشكيل لجنة للتحقيق بالأمر ومحاسبة من ألقوا القبض على ” المعمم ” المشتبه به بتهريب المخدرات إضافة الى إسراع المسؤول الأمني في مجلس محافظة البصرة لزيارة المعمم المهرب للمخدرات وأخذ صورة سلفية معه والإعتذار له عن ما بدر من موقف ” وطني مشين ” من قبل ذلك الظابط الذي أدى واجبه بمهنية . وهنا أعتب بحرارة وألم على الحكومة العراقية الوطنية ورئيس وزراءها وعلى رئاسة مجلس النواب والنواب كافة والأهم رئيس الجمهورية شخصياً والشخوص الحريصة على علاقات متينة مع الجارة مثل العامري والمالكي والمهندس والفياض والحكيم والصدر وغيرهم عن عدم تقديم إعتذارهم الرسمي للمعمم الإيراني المتهم بتهريب المخدرات وزيارته في مكان توقيفه وتعويضه بمبلغ لا يقل عن مئة مليون دولار أمريكي للإساءة عن سمعته . وأقترح أن توثق لقاءات جميع المسؤولين العراقيين مع المعمم بصور وفيديوهات وكلمات تعبر عن الأعتذار وطلب السماح والتأكيد على عدم تكرار ذلك مع الوعد بأن الضابط ” الوطني الخائن ” ومساعديه سيلقون أشد العقوبات وسيكونون عبرةً للآخرين وستقلع عينه هو والآخرين من جماجمهم تنفيذاً لتصريحات معمم آخر مناصر للمعمم المتهم بالتهريب وما على الحكومة العراقية إلا تنفيذ ذلك نصرةً لمظلومية العمائم المهربة للمخدرات .
٧- الحشد الشعبي والعشائر والمليشيات والعصابات المسلحة الأخرى هي من تتحكم بشؤون العراق ومستقبله وليس للدولة الرسمية من دور في القضايا الأساسية المهمة ، فالشخوص المعروفة بولاءاتها غير الوطنية هي من تتحكم بمصير البلد ومستقبله .
في ضوء مجمل ما ورد أعلاه من وقائع لا تقبل الشك أو التأويل هل هناك حاجة لبيان مستقبل العراق خلال العقد القادم أو حتى خلال العقدين القادمين ضمن هذه الظروف . العراق في ضوء هذه المعطيات سيكون أسوء بلد للعيش فيه ما لم تتحقق معجزة أخرى شبيهة بمعجزة عام ٢٠٠٣ . أرجوا المعذرة عن هذا التشاؤم ولكنه يعبر عن حقيقة مستقبل العراق ما دام تحت سيطرة أحزاب الإسلام السياسي المتخلف بطبيعته وتكوينه ومنطلقاته ومبادئه عموماً .




الكلمات المفتاحية
الدول الأوربية العراق

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.