أتعرفون “مفلح”؟

يحكى أن هناك طفلا في إحدى المدارس الابتدائية اسمه “مفلح” وكان غبيا ومشاكسا وثيابه متسخة دائما، لا احد من الطلاب او المدرسات يحبه، وكان مستوى علاماته متدنيا جدا، وكانت معلمته “حليمه” تصرخ في وجهه دائما قائلة: “راح تجيبلي جلطة يا مفلح”. وفي احد الايام حضرت امه الى المدرسة للسؤال عنه، فاخبرتها المعلمة أن حال ابنها ميؤوس منه، لكن الام لم تصغِ لكلامها، وقررت أن تترك البلدة وتغادر الى مدينة أخرى. بعد عشرين عاما، دخلت المعلمة حليمه المستشفى بسبب مشاكل في القلب، وبعد الفحص الدقيق قال الاطباء انها بحاجة الى عملية زراعة قلب مفتوح، وبالفعل دخلت المستشفى، وأجريت لها العملية, وقد كللت العملية بالنجاح.
عندما افاقت المعلمة شاهدت طبيبا وسيما يبتسم لها، ولأنها تحت تأثير المخدر لم تستطع الكلام، ولكنها حاولت أن تشكره بيدها، أو على الاقل هذا ما اعتقده الطبيب، إلا أنه ركز أكثر في وجه حليمه، فاذا به اكتسى لحظتها باللون الازرق الداكن (وهي علامة نقص الاوكسجين في الدم) والمعلمة تؤشر بيدها جاهدة، وشفتاها تحاولان النطق ولكن دون فائدة، الطبيب حاول ان يفهم ما تريده حليمه بكل السبل، لكن دون جدوى، فيما وجهها يزداد ازرقاقا، الى ان فارقت الحياة. الطبيب الذي وقف مشدوها من هول ما يحصل أمامه، لم يعرف ما الذي حصل للمعلمة بالضبط! لكن حين التفت الى الخلف، واذا بـ “مفلح” عامل التنظيفات في المستشفى، كان قد فصل الكهرباء عن جهاز الانعاش ليشغل المكنسة الكهربائية!.
أسوق مقدمة مقالي هذا بالحكاية هذي، وانا أرى بين ظهرانينا “مفلحين” كثيرين، بفارق صغير -وفي الحقيقة كبير- عن “مفلح” بطل حكايتي، إذ مفلحنا الأول على ما بدا مصاب بداء الثول، وداء الثول مرض يصيب الماشية، يجعلها تهيم خارج قطيعها، وتتخذ سلوكا غريبا عن أقرانها، حيث تنقطع عن اهتماماتهم، وأولها الأكل والشرب، فتأخذ يومين أو ثلاثة دونهما، فيصيبها الهزال والجفاف حتى تنفق -أطال الله عمر مفلحينا-. أما مفلحونا الذين أقصدهم فإنهم كما قالت ست حليمة، سيتسببون بإصابتنا نحن العراقيين بالجلطة، بل بالسكتة! لا لغباء في عقولهم، ولا لثول أصابها، فهم على قدر عالٍ من سلامة العقول، ولديهم من الرقى مايشفيها من أي مرض، ومن الحمية ماينجيها من أي عرض أو سقم أو ثول، ولكن، لسوء حظوظنا وبؤس طوالعنا، أنهم استخدموا عقولهم في وادٍ غير وادي مصالحنا، وسخروا قدراتهم العقلية بمنأى عن المصلحة العامة، فأبدعوا فيما مضوا فيه من أنانية ومصلحة ذاتية، وحققوا لأنفسهم ريعا ماكنوا يحلمون به مناما او يقظة، وذلك برفعهم شعار (أنا وليكن الطوفان من بعدي)، أو لعلهم اقتدوا بأبي فراس الحمداني حين قال:
معللتي بالوصل والموت دونه
إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر
المقصودون فيما تقدم من تشبيهات وتلميحات، هم حاكمونا وأولو أمرنا، وماسكو دفة التحكم بمصائرنا طيلة السنوات الستة عشر الماضية، فباستطلاع سريع لما صنعوه في البلاد، وما تركوه من أثر سيئ على ملايين العباد، يتضح أنهم عقلاء وليسوا “ثولان” ولكن، رغم اختلافهم عن “مفلح” في هذا، فقد جاءت معطياتهم بالنتائج ذاتها، بقي الفرق بالنية والقصد، فمفلح كان صافي النية، ولكن ماذا يعمل المسكين وقدراته العقلية محدودة، وكذلك قصده كان سليما بأداء عمله في غرفة معلمته حليمة، وأحب أن يتم ما منوط به من واجب بتنظيفها، ولضيق أفق تفكيره، فصل جهاز الإنعاش بنية تشغيل المكنسة، ومادامت الأعمال بالنيات، ولكل امرئ مانوى، فإن مفلح “الأثول” أصفى نية من حاكمينا العقلاء فيما ينوونه من أعمال، وما يقصدونه من أهداف ومرامٍ.
وليت شعري هل هم عقلاء فعلا؟ أم أن داء الثول درجات! ولهم منه نصيب بدرجة ما، وفي كلا الحالين، وسواء أأفلح مفلح أم أصلح حاكمونا! فإن ست حليمة ماتت، والبقاء في حياة المفلح والمصلح.

المزيد من مقالات الكاتب

حسن الظن

حيتان اليوم

مواعيد عرقوبية

صفر %

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
805متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

فلسفة لعبة الكراسي

قبل أيام ظهر خبر عن وفاة السيد مهاتير محمد باني بلده الحديث والنموذج القيادي الفذ، ثم ظهر انه كان في حالة صحية حرجة وشفاه...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

البنية الأيديولوجية لداعش خرقت نواميس الواقع ومنطق الطبيعة؟

الله سبحانه وتعالي خلق هذا الكون بشكل منظم جدا وبشكل دقيق جدا وبشكل هندسي جدا فتبارك الله أحسن الخالقين. التفاعل يسري بين جميع الأشياء...

لماذا نهايات الافلام تعيسة؟

هل لان الشعوب غاوية نكد وترى حياتها مأساة قائمة والنهايات الحزينة تجد فيها متنفسا لها ام الموضوع له ابعاد اخرى اقتصادية ربح وخسارة ومن...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

د. لقاء مكي قامة إعلامية ومحلل سياسي وشخصية كارزمية حظيت بتقدير الكثيرين

د. لقاء مكي قامة إعلامية وصحفية وكفاءة مهنية مشهود لها بالحرفية والإتقان في مجالات البحث الاعلامي ودراسات الاتصال الجماهيري ، وهو الذي تخرج من...

الأوكرانيين وزمهرير السيادة المستباحة

قبل سنوات وأنا اطالع الصحف العالمية جلب انتباهي مانشيت مكتوب بالحروف العرضية سيادة الدول المستباحة. نعم سيادة الدول تكون مستباحة في حالة ضعف حكوماتها...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ما خطورة بقاء السلاح بيد عصابات وعشائر وأشخاص منفلتين ؟!

لم تتخذ الحكومات التي توالت على حكم العراق ما بعد عام 2003 للأسف الشديد خطورة بقاء السلاح بيد جماعات مسلحة مدعومة من قبل اطراف...