الأربعاء 22 أيار/مايو 2019

ابليس عاشقاً ام عاصياً

الجمعة 01 شباط/فبراير 2019
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

ان من الحقائق الفكرية المثيرة للجدل بين الفلاسفة هو حقيق ابليس هل هو كان عاشقاً لله ام عاصياً له هل كان ثمن هذا العشق هو اللعنة من الله سبحانه وتعالى والخلود في النار ام ان ابليس كان متكبراً وعصى امر الله سبحانه وتعالى.
الاديان الرئيسية الثلاثة اليهودية والمسيحية والاسلام اعتبرت ابليس رمزاً للشر والكراهية والعداوة الابدية بين الخير والشر وقد حفظ لنا التراث الاسلامي جملة كثيراً من الحوارات المختلفة التي دارت بين ابليس والانبياء واشهر تلك الحوارات حوار ابليس مع النبي يحيى (ع) والنبي موسى (ع) والنبي عيسى (ع) والان سوف نقوم بتحليل هذه الفكرة المثيرة للجدل بين الكثير من العلماء والتي احاط بها الكثير من الضباب الفكري وسوف نتحرر نهائياً من قيود النص الديني لنحلق في فضاء الحرية الفكرية الى ابعد المدى .
هناك قول لمولانا الامام جعفر الصادق (صلوات الله عليه) يقول فيه (نزل كتاب الله على اربعة اشياء على العبارة والاشارة واللطائف والحقائق اما العبارة فاللعوام واما الاشارة فاللخواص واما اللطائف فاللاولياء واما الحقائق فاللانبياء)
أي ان هناك مستويات ودرجات كبيرة ومختلفة في العلم عند البشر وكل يفهم الحقيقة على قدر علمه وهناك ظاهر للحقيقة وباطن لها وهي عين الحق وسوف نغوص في بحر العلم العميق الذي له بداية وليس له نهاية لنكتشف الحقيقة.
اعلم ايها العارف السالك نحو الحقيقة ان الله تعالى لما خلق الروح المحمدية من ذاته ومن الذات المحمدية خلق الملائكة للعالمين وهي تمثل صفات الجمال والنور والهوى وخلق ابليس واتباعه من حيث صفات الجلال والظلمة والظلال من نفس الذات المحمدية.
ان اسم ابليس الحقيقي (عزازيل) وانه عبد الله تعالى قبل ان يخلق الخلق بالف الف عام وقد قال له الله سبحانه وتعالى (ياعزازيل لاتعبد غيري) فلما خلق الله سبحانه ادم (عليه السلام) وامر الملائكة بالسجود له ألتبس الأمر على (عزازيل) فظن انه لو سجد لآدم كان مشركاً وكافراً وعابداً لغير الله ولم يعلم عزازيل ان من يسجد بأمر الله فقد سجد لله ونتيجة لهذا الالتباس الفكري امتنع عن السجود وبعد هذا الالتباس سمي ابليس لالتباس الامر عليه والا فأن اسمه قبل حادثة السجود كان (عزازيل) وكنيته (ابو مرة)
قال تعالى ((وَاذَ قًلُنَا لُلُمٌلُائكِةِ اسِجْدِوَا لُآدِمٌ فَسِجْدِوَا الُا ابّلُيَسِ أبّى وَاسِتْكِبّرَ وَكِانَ مٌنَ الُكِافَرَيَنَ))
قال تعالى ((مٌا مٌنَْعكِ انَ تْسِجْدِ لُمٌاٌخلُقًتْ يَدِيَ اسِتْكِبّرَتْ انَ كِنَتْ مٌنَ الُْعالُيَنَ))
العالون هم محمد وال محمد (صلوات الله عليهم اجمعين) المخلوقون من النور الالهي وهم افضل خلق الله اما الملائكة فهم مخلوقون من العناصر وهم المأمورون بالسجود لآدم قال ابليس ((انَا ٌخيَرَ مٌنَُُهٌ ٌخلُقًتْنَيَ مٌنَ نَارَ وٌَخلُقًتُْهٌ مٌنَ طِيَن)) وهذا الجواب يدل على ان ابليس هو اعلى الخلق باداب الحضرة الالهية واعرضهم بالسؤال وما تقتضيه من الجواب لان الحق المتعال لم يسأله عن سبب المانع ولو كان الامر كذلك لما امتنعت ان تسجد لما خلقت يدي ولكن الحق المتعآل سأله عن ماهية المانع وتكلم ابليس بلسان الحقيقة فقال انا خير منه ويعني بذلك ان الحقيقة النارية وهي الظلمة الطبيعية التي خلقتني منها خير من الحقيقة الطينية التي خلقته منها ولهذا السبب اقتضى الامر ان لااسجد الالله لان حقيقة النار لاتقتضي الا العلو وحقيقة الطين لاتقتضي الا السفل ولهذا ترى اذا اخذت شمعة ونكست رأسها الى تحت لايرجع اللهب الا الى فوق بخلاف الطين فأنك لواخذت كفاً من تراب ورميت به الى فوق رجع هابطاً اسرع من صعوده ولم يجزع (عزازيل) ولم يندم ولم يتب ولم يطلب المغفرة
اعلم ايها العارف السالك نحو الحقيقة ان ابليس يعلم ان الله لايفعل الامايريد وان مايريده الله هو الذي تقتضية الحقائق فلاسبيل الى تغييرها ولاتبديلها فطرده الحق المتعال من حضرة القرب الالهي الى حضيض البعد الطبيعي قال تعالى ((اٌخرَجْ مٌنَُها فَأنَكِ رَجْيَمٌ)) أي من الحضرة الالهية العليا الى المركز السفلي والرجم هو طرح الشيئ من العلو الى الاسفل قال تعالى ((وَانَ ْعلُيَكِ لُْعنَتْيَ الُى يَوَمٌ الُدِيَنَ)) واللعنة هي الوحشة والطرد قال الشاعر (ذعرت به القطا ونفيت عنه مقام الذئب كالرجل اللعين)
والرجل الموحش هو تمثال ينصبونه في الزرع ليستوحش منه الوحش وينفر منه الطير فيسلم بذلك الزرع والثمر وعليه يكون ابليس طارداً للشر وليس داعياً له .
قال تعالى ((وَانَ ْعلُيَكِ لُْعنَتْيَ الُى يَوَمٌ الُدِيَنَ)) أي عليك لا على غيرك لان الحروف الجارة والناصبة اذا تقدمت افادت الحصر كقولهم على زيد درهم أي لا على غيره كقوله تعالى ((ايَاكِ نَْعبّدِ وَايَاكِ نَسِتْْعيَنَ)) أي لاغيرك نعبد ولانستعين بغيرك فلم يلعن الحق المتعال الا ابليس وما ورد من لعن على الظلمة والفاسقين وغيرهم فكل ذلك بطريقة لاتباع له باللعن بطريق الاصالة على ابليس وبطريق التفريع على غيره وقوله تعالى ((الُى يَوَمٌ الُدِيَنَ)) حصر فاذا اقتضى يوم الدين فلا لعنة عليه لارتفاع الحكم في يوم الدين .
ان طرق العشق الالهي كثيرة وهي بعدد الانفس لاتحصى وهناك مصطلح في قاموس التصوف يسمى (الفناء في الحقيقة المطلقة The courtyard is in absolute truth) وهو وصول العارف والسالك نحو الحقيقة درجة من العشق لايشعر معها بذاته او آنيته بل يشعر ببقاءه مع حقيقة اسمى مطلقة هي الله عند صوفية المسلمين او الكلمة (Loges) عند صوفية المسيحين او براهما عند صوفية البرهمية وانه قد فنيت ارادة السالك في ارادة المطلق وهنا يطلق عليه القول (الفناء في الحقيقة)
وهكذا ابليس كان عاشقاً لله الى درجة الفناء وهو عاشق والعاشق مهين وذليل متعذب الا ترى الفراشة تدور حول الشمعة ثم تحرق نفسها بها هكذا هو العشق وهذا لايلام ولايحاسب عليه العاشق مهما صدر منه من شطحات فكرية لانه يكون خارج وعيه وارادته و واقعاً تحت تأثير المخدر (العشق)
هناك حكمة مجوسية تقول (العشق كالوقوع من الجبل كثيراً مايخلف كسوراً واقوى العاشقين من وقع على رأسه) .
قال تعالى في حديث قدسي (من طلبني وجدني ومن وجدني عرفني ومن عرفني احبني ومن احبني عشقني ومن عشقني عشقته ومن عشقته قتلته ومن قتلته فعلي ديته ومن علي ديته فأنا ديته) .




الكلمات المفتاحية
الحقائق الفكرية الفلاسفة المأمورون

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.