الأربعاء 17 تموز/يوليو 2019

الشيوعيين .. ومقاومة الكاظمية

السبت 19 كانون ثاني/يناير 2019
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

في فجر يوم الجمعة ٨ شباط ١٩٦٣, عندما أعلن الأنقلابيين عبر مرسلات أذاعة أبي غريب عن بيانهم الأنقلابي الأول ضد الجمهورية العراقية وزعيمها عبد الكريم قاسم . أدرك الشيوعيين في اللحظات الأولى من الانقلاب هما المستهدفين وخاصة بعد أن تأكد أغتيال الطيار الشيوعي جلال الاوقاتي أمام بيته في الكرادة مما أزاح الغبار عن الأنوار . فسارعا الشهيد حسين أحمد الرضي ( سلام عادل ) بأجتماع ببعض أعضاء اللجنة المركزية منبهاً أن الانقلاب لم يستهدف قاسم وحده وأنما نحن الشيوعيين وباعتباره زعيم حزب الشيوعيين العراقيين وضمن مسؤوليته التاريخية حرر بيان يدعوا به الشيوعيين وجماهير الشعب الى النزول الى الشوارع ومقاومة الانقلابيين ووزع البيان في شوارع بغداد وألصق على جدران البيوت والمحلات . وأتصل بكامل الجادرجي رئيس الحزب الوطني الديمقراطي وبمحمد حديد رئيس حزب الوطني التقدمي لحثهما على المشاركة مع جماهير الشعب في التصدي للانقلابيين لكنهم ترددوا بسبب ضعف الامكانيات والضعف في الملاكات والأدوات لتلك الخطوة الحرجة من تاريخ العراق .
وعاد الشهيد سلام عادل الاتصال بالزعيم عبد الكريم قاسم وأعلن موقفه الرسمي كحزب شيوعي بالوقوف والدفاع عن ثورة تموز ومنجزاتها ضد محاولات الانقلابيين وطالبه بتسليم السلاح الى الجماهير الزاحفة الى بوابة وزارة الدفاع من الاحياء والمناطق الفقيرة وبيوت الصفيح ( الثورة وحي الاكراد والكريعات والشاكرية والشعلة ). ورغم محاولات الشهيد سلام عادل المتكررة منبهاً من الخطر المحدق القادم , لكنه أمتنع عن تسليمهم السلاح وأكتفى بوعود مستقبلية للشوعيين بعد دحر نوايا الانقلابيين وتأسفه عن ما بدر سابقاً من لدن زعامته في التضيق على الشيوعيين وتحجيم دورهم من خلال نزع سلاح المقاومة الشعبية وسلسلة من الاعتقالات شملت خيرة كوادره وملاكاته , بل ذهب الى أبعد من ذلك منح أجازة حزب شيوعي صوري ( داوود الصائغ ) ورفض منح أجازة للحزب الشيوعي العراقي الذي تقدم بقائمة ٣٦٠ ألف توقيع تطالب بمنحه الاجازة , مما وسع الهفوة وقربه من القوميين والبعثيين . وفي تقديرات شخصية وضمن الأطلاعات البسيطة السبب في تردد الزعيم قاسم بتوزيع السلاح على الجماهير المحتشدة أمام وزارة الدفاع هو خوفه من نيات الشيوعيين في الوثوب الى الحكم وأخذ كرسي السلطة وليس سفكاً للدماء … كما يروى . بعد أن تحسس بلذة السلطة وسحر الكرسي وطيلة عمر ثورة ١٤تموز , كانوا قادة الحزب الشيوعي ولائهم للزعيم قاسم أكثر من ولائهم للحزب مما أصابهم العمى مما كان يجري من أحاكة المؤامرة تلو المؤامرة لحين أنقضوا على الثورة والزعيم والحزب .
في مدينة الكاظمية .. وقعت ملحمة تاريخية حيث نزلوا الى الشوارع وقادوا الجماهير كل من هادي هاشم الاعظمي عضو سكرتارية الحزب الشيوعي , الذي أنهار فيما بعد . وقاد الحرس القومي الى بيت سلام عادل , وهو المشهود له في صلابته بسجون النظام الملكي . وخزعل السعدي المقدم المتقاعد وعضو المكتب العسكري للحزب الشيوعي العراقي والذي أعتقل يوم ١١ أذار وأعلن عن أستشهاده يوم ٢٦ أيار وأعلن في الصحف الرسمية مع رفيقه فاضل البياتي . وحمدي أيوب العاني عضو لجنة منطقة بغداد الذي أعتقل بعد المقاومة وهو الذي أدلى على بيت هادي هاشم الاعظمي . وعدنان جلمران الذي هو أيضاً تعاون مع الانقلابيين . في البدء أتخذ قادة المقاومة من مبنى الاعدادية المركزية تجمعاً عاماً لهم ومنه تحركت الجماهير الغاضبة بقيادة الشيوعيين نحو مركز الشرطة وشرطة النجدة وقائمقامية الكاظمية وأحتلوها وسيطروا على أسلحتها وسلموها الى الجماهير وأحكموا سيطرتهم عل المدينة ومداخلها الرئيسية لمدة ثلاثة أيام متصلة بلياليها , ولكن بعد أعدام الزعيم عبد الكريم قاسم ورفاقه في مبنى الصالحية يوم ٩شباط . توجهت قواتهم وبتركيز كبير في الهجوم على المقاوميين في مدينة الكاظمية وأصدروا بيانهم السيء الصيت ( رقم ١٣) الى أبادة الشيوعيين في العراق . بعد ثلاثة أيام من المعارك نفذ أسلحة الشيوعيين المقاوميين , لكن عدة وذخيرة الانقلابيين وتحشيداتهم الكبيرة ضعفت مواقع المقاوميين بعد أن تبدد أملهم بوصول تعزيزات لهم . أستباح المدينة أرتال من القوميين والبعثيين وعاثوا بها قتلاً وتدميراً .
بسبب من طابعها السياسي والتاريخي ,كانت مدينة الكاظمية حكراً للشيوعيين , ولوجود كوادر يعتمد عليها في هذه المدينة أنتقل أليها عدد من الكوادر القيادية للحزب الشيوعي ومنهم هادي هاشم الاعظمي وحمدي أيوب العاني وخزعل السعدي والذي بادر مباشرة بتشكيل فرق المقاومة الشعبية وميزها بعلامة وضعت على الأذرع تلخص العنوان ( م . ش ) . كما بدأ يصنع بنفسه قنابل المولوتوف ونظم الهجوم على مديرية الشرطة والقائمقامية وشرطة النجدة وأمانة العاصمة . وأتخذ من المساجد مواقع للقاء مع المفارز وتوجيه البيانات والنداءات . وعمل على تسليح مفارز المقاومة بالأسلحة الخفيفة من البنادق التي تمت السيطرة عليها من المواقع المحررة . الى جانب السكاكين والأسلاك الحديدية . بل وحتى العصي . وشاركت المرأة بشكل باسل في المقاومة , ويذكر من أبرزهن بنات الجرجفجي وزهرة الوردي التي صعدت الى منارة جامع الدروازة لتخطب وتحشد وتحفز الجماهير على المقاومة . وحسب مختلف الروايات فإن معركة تحرير مركز الشرطة دامت أربع ساعات . وقتل فيها ثلاثة من عناصر الشرطة وجرح أربعون . لهذا كافأ الانقلابيون آمر المركز المدعو حمد محمود أمين , فرقوه الى رتبة عميد وعينوه بعدئذ مديراً عاماً للشرطة ( مذكرات طالب شبيب ص ٤٥ ) .
أرتعبت قيادات الإنقلابيين وقوات حرسهم الذي سمي قومياً من شدة المقاومة وأصدائها في عموم البلاد خاصة وانه كانت هناك بذور مقاومة في مناطق أخرى من بغداد كالأكواخ والشاكرية والكريعات والشواكة وعكد الاكراد . لذلك ركزوا قواهم وحشدوا أفضل أسلحتهم للقضاء على المقاومة الباسلة في الكاظمية . ففي فجر التاسع من شباط توجه رتل من دبابات ومدرعات اللواء الثامن بقيادة داود الجنابي بمعية الكتيبتين الأولى والثانية . الى ساحة عبد المحسن الكاظمي وكانت الساحة حسب وصف ( طالب شبيب ) . خالية من البشر , وقد أخذ الدخان يتصاعد من أبنيتها وبشكل خاص من مركز الشرطة الذي أحرق المقاومون كل مكوناته بعد أن أخذوا ما هو مفيد لهم لإدامة المقاومة .
يقول طالب شبيب في مذكراته .. بعد أن شكلنا قوة ضغط كبيرة على مراكز المقاوميين الشيوعيين بالقصف الناري الشديد . أضطر الشيوعيين وبينهم خزعل السعدي الى التحصن في أعدادية الكاظمية وفي مراكز الشرطة وواصلوا المقاومة متحدين أنذارات قوات الانقلابيين ودعوتهم عبر مكبرات الصوت الى الإستسلام . ويضيف السيد ( طالب شبيب ) .( أثبتت التحقيقات فيما بعد أن عدداً من المقاومين أنسحبوا الى حيث يأمنون لكن الاكثرية دخلوا في مواجهة غير متكافئة كان مسرحها المدرسة الإعدادية ومركز الشرطة ومصلحة نقل الركاب , وتقابل المتقاتلون أحياناً وجهاً لوجه … لتنتهي المعركة بمقتل أكثر من عشرة شيوعيين عند ( تانكي ) الماء , وسقط عدد من قوات الانقلاب قتلى وجرحى ومن بينهم الملازم ثابت الآلوسي ) .
وسقط عدد من الشيوعيين وهم يقاومون الانقلابيين , عبد الأمير الحايك , أبراهيم الحكاك , ناظم الجودي , علي عبدالله , محمد الوردي , كما قتل رئيس نقابة المعلمين في مدخل مركز الباغات لاطلاق النار عليه . كما جرح في المعركة الشهيد البطل سعيد متروك وأعدم عند سياج أعدادية الشعب في منطقة المحيط . ما زالت معركة الشيوعي في مدينة الكاظمية علامة فارقة في تاريخه السياسي بحاجة الى فصول من الدراسات والشهادات والتقييمات . طيلة عمر الثورة , كان للشيوعيين فرصة كبيرة في أستلام السلطة وتفويتها على أعدائه وأعداء الشعب , لكن تأكد ومما لايقبل الدحض لم تكن للحزب خطة أصلاً بهذا الاتجاه ويرجع العامل ذو الوزن الاكبر الى موقف السوفيت في دعمهم لسياسة قاسم ضمن مصالحهم الستراتيجية في الوقوف ضد أي تحرك قد يزعج الزعيم رغم الارتداد والنكوص في سياسة الزعيم تجاه الشيوعيين على حساب تقرب القوميين والبعثيين له , وهذا الأمر ليس محصوراً على وضع العراق , بل لعموم أنظمة المنطقة والعالم , كانوا القادة الشيوعيين السوفيت يراهنوا على الاحزاب البرجوازية بموضوعة التحول الارأسمالي صوب الاشتركية أكثر من قناعاتهم بقدرة الاحزاب الشيوعية في التحولات الاشتراكية . أحد قادة أنقلاب ٨ شباط عبد الغني الراوي ذكر في مذكراته حول حجم الشيوعيين وتأثيرهم على الشارع ( لو بصق الشيوعيين علينا لأغرقونا ) . والغريب في الأمر كثر هم قادة الحزب وضباطه جلسوا في بيوتهم ينتظرون عصابات الانقلاب ليسوقوهم الى مسالخ الاعتقال ومن ثم ينحروهم .




الكلمات المفتاحية
الشيوعيين مقاومة الكاظمية

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.