الثلاثاء 25 حزيران/يونيو 2019

من شقوق الظلام الحلقة الرابعة عشر

الجمعة 11 كانون ثاني/يناير 2019
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

القروي الاستاذ
دلف إلينا بجسمه الضئيل وذقنه الكث وسذاجته البريئة وبلغته الغريبة عن مسامعنا هي ودينه مجهول التفاصيل من قبلنا إلا بعنوان عام فقط، وراح يحدثنا بحماسة عن أجداده العظام وسيوفهم التي حصدوا بها الأعداء كما يحصد هو سنابل القمح. كان يحفظ اسماء اجداد سبعة لاحد ابطال حكايته وعندما سألناه عن أسماء أجداده لم يتعرف الا على جده الأول فقط. يعيش في الماضي ويجهل الحاضر ويتمسك بـأساطير دينية ويظن انها الخير كله والحقيقة التي لا ريب فيها وأنها تمثل الزمان الجميل الذي لن يعود مثله في مثل كامل الشعب حتى يومنا هذا الذي لا يجيد الا التعلق بالماضي الموهوم ولا يفكر بحاضر ولا مستقبل.

كان يحمل الكثير من هذه الحكايات وأحدث تغييرا كبيرا في الروتين اليومي الذي كنا نعيشه بطرافة قصصه وبساطته. كان طيبا جدا الى حد المبالغة، ولكن كان يحمل مضافا اليها رائحة مبالغ فيها لا تحتمل. لم يلامس الماء لا بارد منه ولا دافئ منذ زمن بعيد لعقيدة خاصة به. وحتى نحن الذي كنا نستحم بطريقة مضحكة وتفوح من اجسادنا رائحة عفونة لم نستطع مع ذلك تحمل رائحته. كان علينا أن نتخلص من هذا المأزق، الأغطية قليلة وكنا نتقاسمها وحتى بعد أن حصلنا على بطانيات اضافية، لم يكن بالإمكان إلا أن يكون اثنان تحت واحدة منها في احسن الاحوال عندما يتقلص عددنا في الزنزانة، والسؤال الآن من يقدر على مشاركته المنام مع هذا العطر الفواح الذي يملكه. عقدنا اجتماعا طارئا وخرجنا بعد مداولات واصرار الكل على عدم محاولة تجربة العيش مع هذه الرائحة ولا حتى لليلة واحدة فكان القرار الصعب: أن يعطى بطانية لوحده، ونحن علينا أن نتحمل البرد بتوسيع عدد الملتحفين بالبطانية. وانتدبت لأبلغه بالقرار بطريقة لا تؤذي مشاعره وتجنب التلميح الى السبب الحقيقي لهذا القرار لأننا احببناه ولكن لم نحب رائحة جسده. جلست جنبه أحدثه عن اهمية الصبر في موقفه الصعب الذي يمر به وان الفرج قريب ولن يطول به وقت كثير حتى يعود إلى مرعاه ومزرعته. انزلقنا رويدا رويدا إلى الحديث عن الواقع الجديد الذي دخل فيه وكيف علينا أن نتكيف مع هذا الواقع، لأن لا طائل من التذمر والضجر وقلت له اننا نقدر من تكليفنا أن نقدر انتقالك المفاجئ لهذا العالم الصعب وعلينا أن نراعي ذلك حتى تتعود وان نقدم الاحترام المناسب لكبر سنك ( كان اكبر منا بحوالي عشر سنوات تقريبا او اكثر)، لذا قررنا أن تنفرد وحدك بالمنام في بطانية واحدة. كان ممتنا جدا وبريق الشكر الذي لمع في عينيه لعثم خطى كلماته واربكها كثيرا، فقد الإحساس بالغربة والحزن وشهدت غيوم الأسى تنقشع من عينيه بعد أن قدمنا له الماء وبقايا طعام كنا نحتفظ به بعناية خاصة. وحرصنا في الأيام التالية أن نقدم له الطعام بإناء خاص له ونجنبه اي مشاركة في بعض الأعمال اليومية التي كنا نقوم بها من تغيير سطل الماء وغسل الأواني وعلى الرغم من سهولتها إلا أن عدم مشاركته فيها اشعره بمقدار الاحترام الذي نكنه له والعطف الذي نوليه له.

تهمته كانت انه يعرف بعض من يحرك جمر الحرية في قريته الصغيرة، لم يكن يفهم معنى ذلك وغير مشارك بهذه الأفعال لا من بعيد ولا قريب سوى أن بعض المطلوبين كانوا من أقاربه ومن سكان قريته ايضا، على الرغم من أنهم لا يرتبطون بعلاقة مباشرة معه. كانت أفكاره ما بين فوضى وسراب وهي لا تتعدى محاولة للعيش هو وأغنامه فقط. حاول ضباط الأمن السياسي ومساعديهم أن يستدرجوه لينتزعوا منه معلومات لا يملكها أصلا ولا حتى كان بمقدوره أن يفقه اسئلتهم الأمنية والسياسية، غازلوه حينا وحينا آخر ينقلبون عليه ليبصقوا كل أنواع همجيتهم والغضب الوحشي المستوطن في نفوسهم ولكنه في الحالين لم يقدم لهم سوى صمت محشو بأنين وآهات وإجابات كانت في حقيقتها هي أسئلة تبحث عن جواب، فالرجل لم يكن يدرك حتى ابجديات رفض المعارضة بل لم يسمع بها أصلا ولا يعرف عن ماذا يتحدثون! انه راعي أغنام ويزرع الحنطة احيانا فقط لا أكثر من هذا ولا اقل.

بعد أن أيقنوا إن ما يبحثون عنه عنده ما هو إلا مطاردة سراب حسموا أمرهم بنبذه. كنا نلاطفه كثيرا ونستخرج منه ألوان البراءة وكان يقهقه بملء شدقيه كثيرا ويخرج ضحكاته من ابعد نقطة في قلبه الأبيض وكنا بالمقابل نبعث فيه كلمات الحماسة، عندما كان يتألم من سياطهم ومن اهاناتهم التي يوجهونها لمعتقده وديانته التي تشكل العنصر الأهم عنده.

– أنت لست وحدك إن أجدادك الأبطال ينظرون إليك من جناتهم العالية ويراقبونك فلا تخيبهم. بهكذا كلمات كنا نواسيه.

كنا نبشره أن الفرج بات قريبا جدا منه، وعندما سألنا يوما عن موعد فرجنا متى يحل بعد أن دعا بذلك في صلواته الخاصة؟

– أننا سنغادر هذا الباب ونترك الألم والاحزان وراءنا في هذه الدنيا ونذهب هناك الى حيث الراحة الابدية، رددنا على سؤاله ضاحكين مبتسمين.

اغتم كثيرا لهذا الخبر، ولكنه كان يزداد قربا منا وتعاظم وده، وصار ما بيننا محبة، اخوة وصداقة.

وفي يوم قرروا أن يرجعوه إلى مرعاه الذي أخذوه منه، و كعادتهم عندما يطلقون سراح أحد يحاولون استرضائه بإبداء مرونة في التعامل معه، فأعطوه لأجل ذلك علبة دخان.

– إنها لا تكفي. قال لهم

– لا تكن طماعا ستغادر بعد يوم واحد فقط. هكذا قال له ضابط التحقيق

– أنا لا أعني نفسي، إنها لا تكفي أصحابي الذين معي في الزنزانة.

– خذها واتركهم انت ليس لك علاقة بهم.

– لا أريدها، أما تعطهم مثل ما تعطيني او لا اريد اي شيء منك.

كلمة لطم بها الجلاد، ولكنها حركت الإنسان في قلب الجلاد وانتفضت الفطرة فيه وانزاحت القسوة منه بهذا المشهد بشكل مطلق.

نزل الينا الضابط ووقف أمام الزنزانة مذهولا يحدثنا

– ماذا فعلتم بالرجل؟

جاءنا الجلاد هذه المرة إنسانا قد هده التعب ونبتت في قلبه من جديد زهرة الانسانية النائمة، كان يحمل إلينا بيديه كثير من علب الدخان وأكثر منها قهقهة صادقة و اعتراف بالهزيمة. أصر ضابط التحقيق على أن يأتي بنفسه ليقدم لنا علب السجائر مثنيا على تعاملنا مع الرجل معجبا بنا، ذليلا أمام موعظة قروي ساذج لقنته درسا بليغا، جعلته يعترف بأن الانسانية اقوى من كل الأسلحة التي يملكها هو ومن معه من الجلادين.




الكلمات المفتاحية
الحكايات شقوق الظلام لغته الغريبة

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.