الجمعة 2 ديسمبر 2022
16 C
بغداد

الجري نحو السراب

مضت ثلاث ساعات على رحلتها الطويلة التي كانت فيها تقاوم نعاسها بهامش بسيط من اليقظة وتستلسم بين الفينة والأخرى لشتى ذكريات كانت تنازع داخلها قبل الانطفاء…
سنين طوال على رحيل أبيها حينما كان جندياً برتبة رقيب في إحدى جبهات “النورماندي ” إبان الحرب العالمية الثانية الأقارب الاصدقاء … الجميع سلموا بأن الأخير في حكم الأموات وهذا يعني بأنه احتمال عودته مستحيل منطقياً .
وبالرغم من كل هذه التأكيدات الجازمة إلا ان الأمل كان ولا زال يلتمع في عيني هذه الفتاة الشابة فالمدينة التي تقصدها في القطار اليوم كانت تمثل نقطة رجوع والدها في كل مرة قبل أن يعود فيها إليها وإلى والدتها سالماً .
ما زال القطار يسير بها في ليلة مقمرة يقطع المسافات الطويلة ذهاباً دون أن يترك لها في الدقائق والثواني فسحة من الهواجس والتأملات التي لا تنتهي … لتقنعها فيما بعد لها بأن والدها ما زال حي يرزق سيعود إليها في يوم من الأيام بل تعدى الأمر الاقناع بالنسبة لها !.
وبعد انتظار لساعات وصلت إلى المحطة المنشودة في وقت سبق الفجر بقليل , كان الإرهاق بادياً عليها, ترجلت من على متن القطار وتمشت قليلاً وذهنها مازال يرسخ فيها لها فكرة أن أبيها حي , كانت تحدق في كل اتجاه بإيماءات فضولية ولكن المفاجأة كانت كبيرة الوقع عليها استولى عليها شيء من الذعر … جميع المارة الذين يعبرون أمامها يحملون وجه أبيها بملامح باردة وبعينين تنظر إلى الأمام دون ان تلتفت إليها تسمرت في مكانها فاغرة الفاه … ترقبهم بعينيها دون ان تنبس بكلمة لم يسبق لأن ما حدث لها اليوم حلماً أو خيالاً بل واقعاً محض أو مشهداً فضيعاً لم تتعرض له في حياتها يشبه الى حدٍ ما الحفلات التنكرية الشعبية التي تقام في الأعياد الرجال النساء الأطفال كانوا جميعهم بوجه أبيها , وبعد سويعات من هذا المشهد أدارت وجها وهرولت مغمضة العينين محاولة بذلك تناسي كل ما كنت تفكر فيه عن
أبيها فشمس الصباح ستنبلج و لم يكن أمامها في تلك اللحظات غير أن تلقي وراء ظهرها عبء ما حدث لها لتسلم مضطرة بأن الهلوسات التي تعرضت لها في هذه الليلة كانت مجرد حلم يشبه من حلم عودة أبيها الذي استسلمت له حينما كانت على متن القطار وهي عائدة من عملها …!

المزيد من مقالات الكاتب

بقايا أمل

هوامش قلم !

الجري نحو السراب

الهروب إلى الماضي

المادة السابقةالمجرب لا يجرب
المقالة القادمةالعولمة ترسم وحمائية ترامب تمسح

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
894متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

السوداني في طهران، متى يكون في أنقرة..!!

تشكّل زيارة محمد شياع السوداني لطهران،فرصة لنزع فتيل أزمة مفتعلة،أرادت طهران بها تصديرأزمتها الداخلية الى الخارج،فكانت تهديدات قائد الحرس الثوري بإجتياح شمال العراق في...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

لافروف: أصعب فترة في تاريخ العالم قد جاءت !

 المؤتمر الصحفي الكبير الذي يضم جميع الصحفيين المحللين الروس ، والمراسلين الأجانب المعتمدين في وزارة الخارجية والذين يبلغ عددهم باكثر من 500 شخصية إعلامية...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مثلث الرعب للغرب يتشكل في فيينا

تبدو المنطقة محاطة بما يشبه بـ "مثلث رعب" يجعل من إمكانية حدوث تغييرات سياسية متسارعة، وتحالفات جديدة قد تعيد تشكيل الخارطة السياسية للمنطقة ،...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

التسوية مع المتهم !

واجب القضاء التطبيق السليم للقانون، وهو ما نتوسمه في قضائنا، ولا سيما في القوانين الإجرائية التي تعدّ عماد الدعوى وأساسها الكفيل بحسن توجيهها، ولهذا...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ايها الشهيد نم قرير العين

ضمناسبة يوم الشهيد العراقي في الأول من كانون الأول. قال تعالى في سورة آل عمران169ـ 170((وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

نظام الابتذال العالمي

كتب الفيلسوف الكندي آلان دونو عن نظام التفاهة، المسيطِر على العالم، غير إنّ هذا النظام في الحالة العربية، والعراقية، يؤسس لانهيار أعظم. بَلْ قلْ إنّ...