الخميس 25 نيسان/أبريل 2019

العراق: أما لليل ان ينجلي؟

الخميس 29 تشرين ثاني/نوفمبر 2018
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

لم يسعد الشعب العراقي طويلا بعد سقوط النظام السابق في 9 نيسان 2003 أو يتنفس الصعداء، إذ ما بدأت المشاكل العويصة تطفح على السطح بشكل جلي. استهلها الحاكم المدني الامريكي بول بريمر باصدار قرار حل فيه مؤسسات الدولة الامنية وفي مقدمتها الجيش، وسرعان ما انتشر الفلتان الامني في بغداد العاصمة وفي مدن اخرى وشهدت تفجيرات يومية وقتل على الهوية وحالات اختطاف وعمليات اغتيال في وضح النهار، واهمالا غير مسبوق في تقديم الخدمات الاساسية للمواطنين والتعليم والصحة والرعايا الاجتماعية.

وانقلب الوضع السياسي ليشهد تمزقات في النسيج الاجتماعي وطغيان الولاءات المبنية على اساس الهوية الطائفية والمذهبية والحزبية وتغلبها على فاعلية الاجهزة الامنية التي بدورها اتهمت بالفساد وسوء الادارة. وازداد الاحتقان الطائفي وطالت التغييرات الديمغرافية التي بنيت على اسس عرقية ومذهبية، اتباع الديانات والمذاهب وتم الاخلال باواصرالاخوة وحقوق المواطنة والقيم الاخلاقية السامية، التي كانت قد آوت الجميع واحتضنتهم تحت مظلتها الواقية لسنوات خلت.

واستشرت بعد عام 2003 ظاهرة الفساد المالي والاداري في مؤسسات الدولة بشكل مريب، واصبحت متلازمة دائمة للعبة السياسة الجدية بغياب النزاهة والشفافية وعدم المساءلة وهدر المال العام والسعي الحثيث لتحقيق مزايا ومكاسب للاثراء الشخصي السريع عبرغسل الاموال وتهريب العملة الى الخارج والانتفاع من المناصب، على رغم تشريعات صدرت وقوانين ذات علاقة سنت وشكلت الحكومة هيئات للرقابية والنزاهة ومكافحة الفساد.

واحتل العراق المركز 169 من بين 180 دولة في مستوى استشراء الفساد لعام 2017 حسب تقرير منظمة الشفافية الدولية، في حين كان قد حل في المركز 113 في عام 2003. وعدت المنظمة في تقريرها، الاحزاب السياسية العراقية الاكثر فسادا، يليها البرلمان والقضاء والمؤسسة العسكرية، التي اهدرت مليارات الدولارات على عقود التسليح وشراء المعدات العسكرية ذات نوعيات رديئة او غير مناسبة لمهام واستخدامات الجيش العراقي، سواء من صربيا او غيرها من الدول. كما اهدر المال العام من خلال عقود تدريب القوات الامنية واخرى لمشاريع وهمية، بلغت قرابة 190 مليون دولار في عام 2014 لوحده، بينما تجاوز حجم اهدار الاموال 245 مليار دولار بين اعوام (2003- 2012).

ولم تسلم ملفات النازحين من اتهامات بالفساد. فقد اتهم زعيم حركة الحل جمال الكربولي في تغريدة له نشرها على حسابه الشخصي في “تويتر” يوم 26 تشرين الثاني 2018، صالح المطلك الذي كان نائبا لرئيس الوزراء وتولى مسؤولية ملف النازحين، ان “المسؤول السابق عن ملف النازحين أهدر مليار دولار على خيم ومواد إغاثة بائسة في مخيمات شبيهة بمعتقلات اللجوء التي تضعها الدول على الحدود” مضيفا “مخيمات تغرق بأهلها شتاء وتصليهم لهيب جهنم صيفا” مختتما تغريدته ب “أين مليار النازحين”.

ورغم ان حجم الموازنات المالية في العراق ازيد باضعاف من موازنات دول عربية مثل مصر والاردن ولبنان وسوريا، وان العراق يعتبر ثاني اكبر منتج في منظمة الدول المصدرة للنفط (اوبك) ويجني اموالا طائلة تقدر بعشرات مليارات الدولار سنويا من بيع النفط الخام، إلا ان مواطنيه مازالوا يعيشون تحت خط الفقر ويعانون من العوز والحرمان ويفتقرون الى ابسط الخدمات الاساسية كالماء الصالح للشرب والكهرباء والعلاج والدواء، وحرمان الآف المواطنين من شبكة الحماية الاجتماعية وبدل الاعانة.

اما عن البطالة، خاصة بين الشباب، فقد اصدر الجهاز المركزي للاحصاء التابع لوزارة التخطيط، بيانا في تموز 2018، اشار فيه الى ان نسبة البطالة بين الشباب للفئة العمرية بين 15- 19 سنة بلغت 22.6% (الذكور 18.1% والاناث 56.6%). في حين اعلن صندوق النقد الدولي في آيار (مايو) 2018 ان معدل البطالة لدى فئة الشباب في العراق تتجاوز نسبة 40%.

وتمتلئ مؤسسات الدولية العراقية وحكومة اقليم كردستان باسماء مئات الآلاف من الموظفين الوهميين (الفضائيين) والدرجات الخاصة وهم يتقاضون رواتبهم الشهرية من دون الالتزام بالدوام الرسمي او يقدموا خدمة ما. على سبيل المثال يستلم اكثر من نصف مليون فرد من الجيش العراقي والاجهزة الامنية التي كانت تابعة للنظام السابق رواتب تقاعدية. وكان رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي قد اعلن في كانون الاول (ديسمبر) 2014 عن وجود 50 الف جندي وهمي في وزارة الدفاع لوحدها، بينما اعلن نائب رئيس وزراء حكومة اقليم كردستان قباد الطالباني، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2018، عن حذف 50 الف اسم وهمي كانوا ضمن سجلات موظفي اقليم كردستان، خلال عملية التسجيل البايومتري.

وحول الوضع المأساوي في العراق، حسب احصائية لمنظمة مراقبة حقوق الانسان الدولية “هيومن رايتس ووتش” فان هنالك 3 ملايين و400 الف مهجر موزعين على 64 دولة، و4 ملايين و100 الف نازح داخل العراق، و5 ملايين و600 الف يتيم اعمارهم تتراوح بين شهر و17 عام، و2 مليون ارملة اعمارهن بين 15- 52 عام، و6 ملايين عراقي لا يجيد القرأة والكتابة، وهنالك 14 الف و 658 مدرسة، تسعة الآف منها متضررة و 800 طينية، والحاجة ماسة الى 11 الف مدرسة جديدة.

احتجاجا على تلك الاوضاع المزرية التي يعيشها المواطن العراقي وتنديدا بالفساد والمحاصصة الطائفية وتردي الخدمات، اندلعت منذ عام 2011 المظاهرات العارمة في بغداد والبصرة وغيرها من المدن الرافضة للفساد والمنددة بالمحاصصة الطائفية والمطالبة بتحسين ظروف الشعب المعيشية وتوفير فرص العمل. بيد انها لم قادرة على تغيير المشهد السياسي قيد أنملة. فما زالت الاحزاب المتنفذة والكتل السياسية الكبيرة وحيتان الفساد، هي التي تقود العملية السياسية وتتقاسم الكعكة وتصرعلى احقيتها في الحكم وحصتها من الغنائم والمناصب، التي تباع وتشترى، في جميع مؤسسات ومرافق الدولة.

وقد كان محقا الشاعر التونسي ابو القاسم الشابي، حينما قال:

اذا طمحت للحياة النفوس فلابد ان يستجيب القدر

ولا بد لليل ان ينجلي ولا بد للقيد ان ينكسر




الكلمات المفتاحية
الشعب العراقي العراق

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.