السبت 23 آذار/مارس 2019

سمكة عراقية تخاطب عادل عبد المهدي

الثلاثاء 13 تشرين ثاني/نوفمبر 2018
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

سيكون غريبا يادولة رئيس الوزراء أن تتحدث إليكم سمكة عراقيةتافهة، تحاصرها “اسباب الأموات ” وتستعد للموت في أية لحظة. أعرف أن علاقتكم بسمك انهاركم سيئة جدا، وأدفع بالقول إن ذلك بسبب حكوماتكم، و ليس من عندكم، ولا من عند سمككم .

حكوماتكم المتعاقبة منذ 2003 دمرت كل ثروات بلدكم من ثروة الزراعية وثروة الصناعية ـ و ثروة السمكية ـ واصبحتم يا دولة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي تستورد من دول الجوار كل شيء .

ليس من مصلحتي ـ كسمكة تافهة يا دولة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي ـ أن أنسف ثقة ليست موجودة أصلا بينكم وبين والشعب الحالية، لكنني أردت تسجيل براءة ذمة السمك من تأزيم العلاقة معكم.

أنا أعتبر نفسي سمكة عراقية ، أعيش في انهاركم ، وأعرف أنني انتمى لنفس الوطن الذي تنتمون إليه.

قبل سنوات كانت جدتي توصينا بعدم الاختباء عن ، الصيادين وشباكهم وصناراتهم، وكان فرحتها أنها وقعت أخيرا في حبال شبكة صيد ،وهي التي كانت تقول لنا دائما “الموت في مطبخ العراقي افظل لكي لا انسمح ان يستورد الاسماك من خارج العراق .

دعوني أمسح دمعة رثاء وأنا أتذكر جدتي الراحلة، كانت عراقية حتى الزعانف، وكانت لديها قدرة فائقة على تمييز شبابيك الصيد التقليدية العراقية ، وعندما تعلق إحدى أخواتنا في صنارة العراقيين نرى دموع الفرح في عينيها وهي تقول “لقد ذهبت إلى حيث يجب أن تذهب” كان بجدتي حنين لا ينقطع إلى وطنها العراقي ،هي كانت سمكة كبيرة النفس والاعتزاز بالانتماء للوطن العراقي .

أعود إليكم ،وأنا اكتب من تحت عمق الانهار العراقية ” ولعلكم سمعتم عن فاجعة “الموت” بحق نحن معشر الأسماك العراقية منذ عدة أيام يا دولة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي.

في الواقع كنا قبل أيام في إحدى الانهار العراقية وهو نهر الفرات في مدنية المسيب بعيدا عن نهر دجلة في زيارة لعمنا المريض، وكان كل شيء طبيعيا إلى أن علت الأفق من حولنا سحابة سوداء، تنفث رائحة الموت التي لا تحتمله، وغبارا داكنا. بدأنا بإبعاد الصغار والمسنين إلى العمق، حتى لا يتأثروا بهذا الوافد الرهيب.

عمنا المريض ـ وهو عميد الأسرة ومجربها ـ قال إن الأمر يتعلق بتصريف المياه الثقيلةالتي ترمى في منطقتنا من نهر الفرات، ا، فهو لم يشم رائحة غربية في حياته ولا يعرف شيئا عن انتشار رائحة جثث الأسماك ، أما أنا فبفضل الله ـ وبفضل “الفيس بوك” و”التويتر” والإطلاع الواسع على الشبكة العنكبوتية ـ فأعرف الشيء الكثير عن فاجعة موت الأسماك وهذه هي المرة الأولى في حياتي التي أراه وأعاينه

لم يكن من الوارد إقناع العم الذي لن يقتنع إلا بما يعتقده، ولذلك كان أهم شيء بالنسبة لي هو إجلاء أفراد عائلتنا نحو مكان آمن، وعلى عمق مريح، ولم تكن العملية صعبة فالعائلة لم تعد جرارة، فمن لم يمت من أفرادها من التلوث ، مات بالسم ، ومن بقي بعد السم، تخطفته مافيات الفساد وهكذا.

نحن الآن في الانهار” و الموت الرهيب في عمق يصل حدود ال3000 قدم تحت البحر . وطبعا لاتصل إلينا روائح الموت ، مع أن ظلامها لا يفارقنا، وفى ذلك حكمة بالغة فإذا كان العراقيون من البشر يعيشون ظلاما دامسا بسبب الانقطاعات المستمرة للتيار الكهربائي، فمن العار أن لا يعيش السمك العراقي معاناتهم، ويتدثر بالظلام تضامنا معهم.

والحقيقة أن الحكومة العراقية هي التي أفسدت العلاقة الحميمية بين العراقيون وسمك بلادهم، فهي ضعيفة وعاجزة عن حمايته و توفيره لهم، أو على الأقل مساعدتهم على رؤيته ، فمن المخجل أن يموت مواطن العراقي دون أن يرى اويشتري سمكة ،وهو على الانهار بلاد الرافدين هو الأطول والأغنى سمكا في العالم.

الحكومة تركت السمك يفترسها الموت ، وحرمت مواطنيها منه، وهذه جريمة حقيقية سأظل أقول إنه لا دخل لنا معشر الأسماك فيها من قريب ولا من بعيد.

لا أدرى إلى متى سنبقى في هذا العمق الذي لم نتعود الحياة فيه، خاصة وأن نوبات ربو وحساسية بدأت تداهم الصغار والمسنين، وعمنا تفاقمت وضعيته وازدادت سوء ،وبالمناسبة نحن نعانى ـ مثل البشر في العراقي ـ من ضعف الخدمات الصحية، ..!!

سنتحمل، فذلك قدرنا لا نريد شيئا من حكومتنا في بغداد، لا نريد منها إنقاذا ولا تدخلا ولا إجلاء، فلو كانت تهتم بنا لما تركتنا فريسة لموت ، ثم إنهاـ وأقولها بمرارة صادقة ـ ضعيفة وعاجزة، فلديها مواطنون في الخارج سجناء ومطاردون ومخطوفون لا تستطيع مساعدتهم، وعاصمتها تعيش ظلاما دامسا، وهي لا تفعل شيئا أي شيء لحل مشكلة الإنارة، أما مواطنوها المرضى والفقراء والمظلومون فقد ضيعتهم، وهي لما سواهم أضيع ..!! وفى هذا العام وقبله عجزت عن مواجهة 20 ملم من المطر في العاصمة بغداد التي غرقت تماما ، وبالتالي فإن مطالبة الأسماك لها بالتدخل هو نوع مستهجن من طلب ما لا طمع فيه، وهو سوء أدب مع الله. أنتم أيها المواطنون العراقي نحبكم في الله، وكما قالت جدتي رحمها الله “الموت في مطبخ العراقي لكي لا نسمح إستيراد الأسماك من دول الجوار” وذلك تلخيص لشعورنا اتجاهكم.

نعرف أنكم تعانون ربما أكثر من معاناتنا، وأنكم تتعاطفون معنا، لكن ما باليد حيلة، فأنتم مثلنا تماما مغلوبون على أمركم..!!

واثقة أن هذه الفاجعة ستزول، وأننا “سنرجع يوما إلى حقلنا ونغرق في سابغات المنى”، وأن سمك العراقي و فجر قادم، حيث لا استيراد أسماك من دول الجوار. يومها ستكتشفون معنا أن حكوماتكم كانت تكذب بنا عليكم، وتكذب بكم علينا، وتكذب بنا وبكم على نفسها وعلى الآخرين ..!!

دعواتكم بأن تنكشف هذه الغمة، وأن يعود السمك لكل الشواطئ العراقية الجميلة، والتي لا نملك غيرها وطنا، كما أنكم لا تملكون غير تلك اليابسة ـ الضيقة عليكم ظلما وفقرا وتعاسة ـ وطنا.




الكلمات المفتاحية
سمكة عراقية عادل عبد المهدي

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.