الأحد 15 كانون أول/ديسمبر 2019

المعدان وعصا موسى

الثلاثاء 06 تشرين ثاني/نوفمبر 2018
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

( التعميدُ بالدمِ كُفرْ ، والتعميدُ بالعطرِ غرام )
خاطرة ليْ من أيامِ الجندية
نعيم عبد مهلهل
مازلتُ أحفظ الياءات الخمسة التي ينهض بها أبي من جلسته أو ركعته أو عندما ينوي القيام بجهدٍ ، مثل حَلبْ الجاموسة ، أو ترميم جدار الطين ، أو رمي شبكة الصيد في مياه الهور.
وهذه الياءات هي ( يالله ، يامحمد ، ياعلي ، ياحسين ، ياموسى ).
كنت أعيَّ مغزى ومعنى وغرض هذه المفردات إلا موسى فأنا لم أتعود على سماعها ، حتى عندما كان أبي يصطحبني معه الى مجالس عاشوراء ، ففي اجراس رؤوسنا الطفولية يرن أسم الحسين ( ع ) أكثر من أي أسم لأن القارئ الحسيني الذي يأتي القرية ويقيم بيننا لأكثر من عشرة أيام يأكل فيها ألذ ما طاب ، لايردد في نواحه سوى الحسين ومصيبة الحسين ، وقد يعرج في البدء على ذكر الله والنبي وآل بيته ثم يذهب مباشرة الى مأساة الأمام القتيل ــ الشهيد.
لم أسمع بأي أنسان أو طفل من أقراني بالقرية او المدرسة من حمل هذا الأسم ، فجميعنا نحمل أسم ( حسن وحسين وهاشم وعلي وعباس ، ومعظم النساء ، زينب وسكنية وهاشمية وجاسمية ).
موسى كان بالنسبة لي المجهول المخيف لطقس يتكل عليه أبي ، وعندما كبرت وأصاب الوعي طقوس اسئلتي ، وأنا في الصف الخامس الابتدائي عندما سألت ابي : من موسى هذا ؟
قال : نبي من انبياء الله.
ــ وأسمع أن بيده عصى ، هل يسوق فيها جواميسه الى قيلولتها .
ــ بل شق فيها البحر ليؤمن الحياة لشعبه.
ــ ومن هم شعبه ؟
ــ اليهود …
لأول مرةٍ أسمع باليهود ، وأعرف انهم بشر مثلنا ولهم ديانة ونبي ..ولا أدري لماذا سكنتني رغبة ما ، عندما اتزوج سأسمي ولدي :موسى .
يبقى موسى من بعض طيف الحكاية الغامضة ، وما وجدته في الصورة القرآنية ، وليس لمداركي أن تتوسع إلا عندما جازف أبي وأودعني عند بيت اقارب لنا لأكمل المتوسطة في المدينة ثم الاعدادية ، وهناك اكتشفت أن الكثير طلاب مدرستنا من ابناء المدينة من يحملون أسم ( موسى .)
في واحدة من عطل الصيف حيث أعود الى بيتنا في قرية ( أم الدخان ) في عمق هور الجبايش قالت لي أمي :
انها نذرت لنجاحي وانتقالي من المرحلة المتوسطة الى الثانوية ، أن تذبح ديك ودجاجة تطبخهما ونذهب الى مرقد العزير قرب قلعة صالح في العمارة ، وهناك تطعم زوار المرقد ثوابا وتبركا وتشكرا لنجاحي.
سألت أبي عن صاحب المرقد الذي سنحج اليه أنا وأمي .
قال :هل تتذكر سؤالك عن موسى ؟
قلت : نعم ..!
قال : العزير هو واحد من اتباعه ، والبعض يقول أنه نبي شيعي ، ولهذا يقدسهُ الشيعة واليهود معا ؟
أتعجب من أجوبة أبي واسأله :من أين لك هذه المعلومات.؟
قال : في جنديتي خدمت في مخفر حدودي في أمام ايران على حافة الاهوار في تلك المناطق.
مثل قدر أبي وجدت نفسيَّ أخدم في تلك المناطق أيام تخرجي من الجامعة ، عندما استقبلتنا الحرب ، ولتضع امامنا تجاربها القاسية والممتلئة بالكثير من الالفة والخوف والحنين وكتابة رسائل الحب والخواطر.
وطالما كنت أمرُ امام ضريح هذا النبي الراقد بصمته وبوابته الخشبية وكلماتها العبرية لأتذكر مشاعر أول زيارة له مع أمي عندما كنت صبيا ، وكيف رسمت على هذه البوابة وجها مفترضا لموسى وهو يمسك عصاه ويقود قطيع الجواميس في عمق الاهوار والتي اسميتها حينها ( أهوار سيناء ).
ذات يوم وفي لجة الحرب الهائلة وكنت اعمل مخابر رصد في واحدة على واحد من الابراج الحديدية التي كان تصميمها يشبه برج ايفل ، كنت في ظهيرة تموزية اعيش جحيم الحر ولدغات البعوض والمتعة التي كانت تمنحني اياها قصائدٌ مترجمة لجاك بريفير وجدتها في مجلة الاقلام ، حيث يغريني هذا الشاعر في موسيقاه الشعبية الآتية من سحر البوح والبساطة في كلماته ، لأتخيل باريس وروعة ليلها يمتزجان مع الوجودية المرحة لهذا الشاعر وخصوصا في قصيدته الجميلة الكل يموت:
(( الكل يموت ..الملك والحمار وأنا …الملك من السأم والحمار من الجوع ، وأنا من الحب )) .
تهت في خيال القصيدة ونشوة التمني لزيارة باريس ، فشعرت إن تلك الامنية تحقيقها قد يكون معجزة ، ولأن قبة النبي العزير تلوح في الافق القريب ، فلقد انتخيت بها مثلما انتخت به أمي ذات يوم من اجل نجاحي ، وتمنيت أن يساعدني في أن اتجاوز محنة الحرب واعيش ، وازور باريس.
وجه نوراني ابتسم لي من ذلك الافق البعيد ، ارتعشت أجفاني ، تخيلته مرتديا قبعة من الجوخ الاسود كالتي يرتديها جاك بريفير في الصور التي اشاهدها ، وسيكارته في فمه.
لكن طيف الظهيره هذا يملك وجها نورانيا ، وأبتسامة خفيفة لها لذة الايحاء الشعري ، أو تلك الرعشة التي تلازم اكتافي لحظة أصب عليها الماء البارد في قيض ظهيرة حرب الاهوار.
لأكتشف أن القادم طيف نبي أو أمام أم سيد علوي من سادة الاضرحة الطينية الممتدة على طول ضفاف دجلة من العمارة حتى القرنة..
وبخشوع سألته من انت.؟
قال :من يراني أدعه هو يكتشفني ، ولن أكشف له من أنا؟
قلت : نبي أم بشر عادي أَم إمام .
قال :نبي .
قلت اذن أنت صاحب الضريح الذي نمر عليه كلما ننزل في اجازة وينتخيه الجنود لسلامتهم.؟
قال :أنت تتحدث عن واحد من مريدي؟
تذكرت كلمات أبي عن العزير مريد موسى .
قلت :نبي الله موسى …
قال :نعم.
قلت : ولكنكَ بدو عصا .
قال : أعرتها لواحدٍ من رجال المعدان ليقود بها قطيع الجواميس بعد أن كسرت عصاه وهو يضرب فيها جسد ذكر جاموس معاند.
قلت : انا أنتمي اليهم .
قال : كلا . كلنا ننتمي الى الله.
قلت : والله يخلقنا لننتمي الى الحروب .
قال : هذا قدر آدم ، قدر الفرعون ، قدر سيناء ، قدر الأهوار.
قدر الاهوار أيها النبي عليَّ أن احملهُ على أكتافي كما يحمل سيزيف صخرته ، وكما حملت انتَ عصاكَ وتخليت عنها لواحد من ابناء اعمامي المعدان ، لكني لن اتخلى عنه ، انه لصيق محنتي مع الحياة والشظايا ، وتخيلُ أبي في موته بسب تراكم لدغات البعوض على جسده وهو يعوم تائها في الاهوار ، عندما تاهت جاموستنا المدللة ( رعشة ) .
لكنه عاد من دون رعشه ، وليلتها تصاعدت الحمى في جسده ومات اول الفجر . وسمعنا إن رعشة سرقها لصوص الدواب ، وباعوها في المدينة لواحد من القصابين الذي باع لحمها لواحد من اثرياء المدينة ليوزعه ثوابا في ليلة الوحشه الذي تعيشه عائلة الحسين ( ع ) من السبايا بعد مقتله قبل ليلة على ثرى كربلاء.
دمعة هطلت من عين النبي ، وقال :
محنة الحرب ومحنتكم مع رعشة أزلية هذا المكان . أنت طلبتني بنظرتكَ واتيتُ لأواسيك.
قلت : بل طلبتُ رؤية باريس من خلال واحد من مريديكَ ، ذاك صاحب القبة النبي العزير.
قال :وأنا جئت بدلهُ لاحقق لك الامنية ، عندما تنتهي الحرب.
قلت : لماذا ؟
قال : لأنكَ أول معدان هذه الخليقة ، من اور والى اليوم ، من أقسم ان يطلق على ولده القادم أسم ( موسى )…!
أنتهت الحرب منذ سنوات طوال ، والآن انا وولدي موسى نجوب شوارع باريس.
زرنا اللوفر وبرج ايفل ، والشقة التي كان يسكنها جاك بريفير. تمتعنا بضجيج شارع الشانزليزيه ، وتعرفت على فتاة مغاربية اسمها جليلة ، امتعتنا عن حكايات ليل طنجة ومساءات الشرجي فيها ، وأصغت لنا ونحن نتحدث لها عن جحيم الشرجي في مساءات الاهواء .
قالت : نحن عندنا البحر ، وانتم ليس عندكم سوى المياه الضحلة.؟
قلت : بحركم لم ينجب الانبياء ، فيما مياهنا الضحلة انجبت الكثير منهم.
قال : انت مصيب في هذا .
وحين تحدثت لها عن العزير وفي أعتقادي أنهُ واحدٌ من احفاد موسى .
ابتسمت وقالت: أنت سميت ابنك موسى .وانا سأسميَّ طفلتي القادمة اهوار.
جلست على السين أتخيل وجه موسى ، وجه أبي ،ومساءات الأهوار .لأنتبه الى شيخ كهل يمشي بهدوء وهو يمسك عصا غليضة .وعندما اقترب مني همس بهدوء : هذه عصاي لقد استعدتها من الراعي المعيدي الذي اعرتها له بعد أن اعاد بها كل جوامسيه الى حضائرها.
دمعت سقطت من عيني وقلت : لو أعرت هذه العصا لأبي ، لما ماتَ في حسرته ، وضاعت رعشة في عمق الهور ويسرقها اللصوص ، ويذبحها الجازرون ، وتوزع لحماً في ليلة وحشة سبايا ابي عبد الله..!




الكلمات المفتاحية
المعدان عصا موسى

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.