الأربعاء 18 أيلول/سبتمبر 2019

العذراء الجامحة – 10 –

الأربعاء 03 تشرين أول/أكتوبر 2018
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

الحلقة رقم – 10 –
كانت تنتصر عليه في كل حوار وجدال. كانت لها قدرة عجيبة على أقناعه. كان يعرف سلفاً إنها ستكون الرابحة، المنتصرة في كل موضوع يُعرض على طاولة النقاش. قبل كل نقاش كان يبتسم لها ويقول بأنه لا يستطيع أن يرفض لها طلباً، إذن ما فائدة مناقشة ذلك الموضوع. كان يسمح لها بأن تفعل أي شيء تريده لأنه كان يدرك سلفاً أن كل ما كانت تريده هو يصب في مصلحة البيت والعائلة. كان يقول لها دائماً ممازحاً- إفعلي أي شيء ما عدا تهديم جدار البيت أو قطع الأشجار -. كانت الأشجار هاجسه الوحيد لأنها كانت تذكره بقريته الصغيرة التي غادرها قبل سنوات طويلة. الحديقة المكتظة بالأشجار كانت الخط الأحمر الذي لا يمكن لأحد أن يقترب منه حتى لو كانت- خالدة- التي تمثل له الحياة بذاتها. كانت هي الأخرى تدرك هذا ولا تقترب منه أبداً. الأشياء التي كانت تزعجه كانت بالنسبة لها خط أحمر وكذلك كانت لا تفكر أبداً من الأقتراب منها. من بعيد جاءت خالدة تحمل قدحين من القهوة وقدحين من الماء المثلج كان ينظر إليها وهي تتقدم نحوه عبر الممر المؤدي إلى المطبخ ويقول مع نفسه هامساً- اللهم إحفظها لي، ولنا جميعاً- لولا أنتِ لكنت في ضياعٍ تام.. اللهم إحفظها لي من كل سوء. كانت-خالدة- مترددة في فتح الموضوع الذي كان في ذهنها، حاولت أن تبدأ الهجوم كما فعلته مع سميرة وتفرغ كل ما كان في جعبتها وترتاح، بَيْدَ أنها ظلت صامتة تنظر إلى القدح الذي كانت تحمله في يدها دون أن ترفعه إلى شفتيها مطلقاً. كانت تنقل نظراتها بين القدح مرة وبين عينيّ زوجها مرة أخرى، لم تستطع البدء في الكلام. كان هناك صراعاً متداخلاً يسحق روحها ويحيل ذاتها إلى ركام عظيم. ظلت تنظر اليه،الى عينيه وتحدث ذاتها دون أن تخرج الكلمات من بين شفتيها:« هل صحيح أريد أن أضع هذا المخلوق المقدس بالنسبة لي بين ذراعي فتاة أخرى؟ هل يمكن أن أكون عاجزة عن أعطاءه مزيداً من الأطفال وأنا الفتاة التي لا تعرف الهزيمة يوماً ما.». كانت أناملها ترتجف وهذا كان ظاهراً من أهتزاز القدح بين يديها. لم يستطع الأنتظار، لم يعد يتحمل هذا الصمت الذي كان يُخيم عليها وعلى المكان. إندفع بحنان يقول:«ما خطبك؟ لماذا أنتِ صامتة هكذا؟ هل هناك ثمة شيء خطير؟». دون تردد إندفعت تحدثه بكل شيء وعن كل شيء،بنفس الحماس والطريقة التي تحدثت بها إلى ضرتها سميرة. لم يقاطعها أبداً. لم يسألها أبداً إلى أن سكتت عن الكلام كما سكتت شهرزاد عن الكلام المباح عند أنفلاق الصباح. كانت قسمات وجهه تتغير عند كل كلمة تتفوه بها زوجته -خالدة- الخالدة في قلبه وروحه منذ أن تزوجها في الزمن البعيد. لم يفعل شيء سوى أنه أستل سيكارة أخرى وراح ينفث دخانها في الفضاء البعيد. نظر إليها بهدوء وأعصاب باردة وهو يقول:«هل أنتِ في كامل قواكِ العقلية؟ هل أنتِ تعي ما تقولي بالتأكيد أنتِ تمزحين معي؟». نظرت إليه بهدوء وحزنٍ دفين وقالت:«ما هو رأيك؟ هل ترى أن كلامي ما هو إلاّ ضرباً من ضروب الجنون؟ هل أن كلامي منطقي أم لا؟. الأمر متروك لكَ، لأنني قلت ما عندي ولن أكرر ذلك». سكتت قليلاً ثم أردفت:«فكر بطريقة علمية، منطقية وإترك العواطف على قارعة الأنتظار». قال بهدوء:«وماذا سنقول لأبنتنا سلاّمة؟ هل ستتقبل الأمر؟، إترك سلاّمة لي. أنا أقنعها بذلك. هي مجرد ضيفة في هذا المكان، بعد فترة ستنساك وتنساني كما نسيت أنا عائلتي ونسيت أنتِ قريتك الصغيرة وجدول الماء المتدفق هناك». قال وهو ينفث سيكارتة في الفضاء:«ولكن أنا لا أستطيع أن انسى الفتاة التي تألمت من أجلي وراقبتني خلف الأشجار. هل يمكن أن أنسى قطعة الذهب التي إلقتها علي هناك وكأنها لا تساوي مثقال ذرة ؟ هل يمكن أن انسى «صرة الذهب» التي جاءت بها إلى امي وهي تقول لها هذا مهر- نوار-؟. هل يمكن أن أنسى ليالي البرد القارسة التي كانت تخرج فيها تلك الفتاة لسقي الأرض كي تجعلها تخصب ثمراً وتنتج محصولاً وفيراً من أجلي فقط. إذن كم أنا ناكر للجميل وجبان مهووس. هل أنسى الفتاة التي تستيقظ كل فجر قبل ذهابي للجامعة وتعد لي فطوراً دسماً وترافقني قبل بزوغ الشمس إلى الشارع الترابي كي أستقل السيارة نحو العاصمة حيث مكان دراستي، وتناولني كيساً من المأكولات الطازجة وهي تودعني وتقول لي – أن أهتم بدروسي ولا أقترب من الفتيات اللواتي بلا وفاء- . هل أنسى الوليمة الكبيرة جداً التي أقامتها في القرية الصغيرة عندما أنهيت دراستي؟ من أنا حتى أنسى كل ذلك؟ أنتِ قاسية جداً لأنكِ تريدين أن تحرقي جذوري وتاريخي البعيد. وهذا العطاء الذي لا ينقطع، عطاء الحب الخالد والنشوة العارمة التي كنتُ أحصل عليها ولا أزال. إن هذا لشئ عجيب. أنا أعرف أنك تحرقين جسدكِ وروحكِ من أجل أرضائي ولكن ليس بهذه الطريقة الوحشية. ولماذا تحرقين روحكِ من أجلي؟ لم أقدم لكِ شيئاً سوى العذاب. أنا تجاهكِ نكرة بلا وجود. لماذا تريدين دائماً ان تكوني مشروعاً للتضحية وتضعينني في زاوية من زوايا الجبن والأنهزام. كم أشعر بالضعف والأنهزام أمامكِ هل أنا غير قادر على التضحية من أجلكِ؟ هل أنا عقيم إلى هذه الدرجة؟ أنتِ تعذبينني كما عذبتيني سابقاً بتضحيتكِ. ليس ذنبي أن اكون فقيراً، لقد كنتُ من المتقدمين في دراستي ولكن لم أستطع أن أصل إلى ربع ما كنتِ تملكيه، ليس ذنبي أن يكون والدي متوفي وأمي تقتات على راتبه التقاعدي البسيط. ليس ذنبي أن أكون نزيهاً ولا أسرق كما سرق السراق من المصارف والمحلات بعد سقوط البلاد. توفرت لي فيها فرصة أن أكون فاحش الثراء ولكني إبتعدت عنها كي لا أفقد أحترامي لذاتي ولا أجلب أموالاً إلى البيت بطريقة غير مشروعة. ولماذا أريد أطفالاً أخرين؟ لدينا سلاّمة، ستتزوج وستنجب لنا أطفالاً كثيرين. وكيف سأواجه- وفاء -؟ هل يمكن أن أتزوج الفتاة التي كان من المفروض أن تكون أبنتي ؟ وكيف سأعيش مع سميرة وهي الفتاة العذراء الجامحة التي لا تعرف الهدوء في حياتها؟ إنها كما لو كانت قد خُلقت كي تكون في عالم التجارة وعالم الرجال. هل تملك ذرة من الروح الأنثوية التي تملكينها أنتِ؟. هي مجرد أنثى جامحة لا تعرف الحب أبداً. أرجوكِ أنسي الموضوع، فأنا أعيش في سعادة مطلقةِ ولا أحتاج لأي شيء أخر». حينما شعرت بأصراره، ورفضه، صمتت، بعدها نهضت بهدوء وتوجهت إلى المطبخ ولكنها قبل أن تبتعد عدة أمتار إلتفت أليه وهي تقول بتحدي:«لا يهمني ماتقوله أنت الأن. ستتزوجها سواء شئت أم أبيت لأنني أريد هذا ولن يستطيع أحد أن ينتصر عليّ أذا أردت شيئاً. لقد اتفقت معها، وستأتي غداً. ستذهب أنت وهي وسلاّمة وأمجد لشراء الذهب.». وغادرت مبتعدة دون أن تلتفت إلى الوراء هذه المرة. ظل- نوار- يفكر في كلام زوجته غير مستوعباً لما كانت تقوله إلا أن أصرارها على ذلك جعله يفكر عميقاً في موضوع زواجه من سميرة. بدأ يحدث نفسه بصورة جدية وكأنه يناجي ذاته والرغبات الجامحة في جسده. ولكن لماذا أرفض؟ هل هي تريد ان تمتحن مدى حبي وأخلاصي لها أم ان لها غاية أخرى من وراء ذلك الأصرار ولكن لماذا لا يتزوجها، يشعر أن هناك طاقات رجولية كبيرة داخل روحه وجسده وزوجته الحالية غير قادرة على تلبية هذه الرغبات الرجولية الثائرة على الدوام. منذ سنتين وهو يشعر أن رغباته في حاجة إلى جسد أنثوي آخر غير جسد زوجته الحالية. كانت تشعر دائماً ببعض الألام الداخلية التي تمنعها من مواصلة رحلة الحب الخالدة التي بدأتها معه منذ زمن طويل. كانت تحسّ بمعاناته وإشتياقه الشديد لمثل تلك الممارسات التي يتفنن فيها العشاق. كان يكبت رغباته حتى لا تشعر بألام نفسية وكانت تضغط على روحها كي لا تجعله يشعر بالأشتياق إلى أنثى أخرى. كان صراعاً مريراًٍ بين الطرفين وكل شخص يحاول التضحية من أجل الأخر كي لا يسبب له حزناً دفيناً. وجاءت الفرصة المناسبة التي من خلالها تستطيع أن تطفئ جزءاً من شوقه وحنينه إلى الماضي السحيق. فكر مع نفسه كثيراً وقرر أن يدع لها كل شيء تفعله. من يدري قد يكون ذلك في صالح الجميع. وجاء اليوم التالي. وقفت السيارة الفارهة قرب الدار وترجل منها كافة الزوار. جلسوا جميعاً يتبادلون أطراف الحديث عن زواج سلاّمة وأمجد. وبعد أن تم الأتفاق على يوم الخطوبة وشراء الأثاث. سكت الجميع وفي ذهن كل شخص حديث أخر وكل شخص ينتظر الأخر للبدء في الكلام.دون سابق أنذار ، دون تردد قالت خالدة بثقة نفس عالية جداً:« طالما تم الأتفاق على زواج الشابين، هناك موضوع هام جداً أريد الخوض فيه بكل التفاصيل». نظر إليها الجميع بأنتباه. راحت تتحدث عن زواج سميرة من زوجها- نوار- ، بينت الأسباب والدوافع التي جعلتها تفكر بهذا الموضوع منذ زمن بعيد. وبعد أن أتمت حديثها. كانت جميع الأنفاس تتلاحق بأضطراب، لا أحد يستطيع أن يعّلق بكلام أو حديث معين، إلاّ أن- وفاء- بدأت حديثها بهدوء:«الحقيقة، لقد حدثتني سميرة أمس بكل التفاصيل التي دارت بينها وبين خالدة، في البداية شعرت بالذهول ولكن مع تقدم الحوار الذي دار بيني وبين أبنتي سميرة توصلت إلى قرار من أن هذا الموضوع يعود لها وحدها وكل شيء متروك لها وليس لدي أي تعليق على ذلك». نظر الجميع إلى سميرة التي ظهر على وجهها أحمرار ملحوظ. تحركت في جلستها قليلاً ومن ثم أندفعت قائلة بكل ثقة:«الحقيقة لقد فكرت كثيراً بعد الحوار الذي دار بيني وبين أم سلاّمة ودرست الموضوع من كافة الجوانب فوجدتُ أن مصلحتي ومصلحة بعض الأطراف الأخرى تتناغم معاً وتلتقي في نقاط كثيرة. لذلك أعلن موافقتي على هذا الألتحام البشري وسأبذل قصارى جهدي من أجل أرضاء كافة الأطراف التي لها علاقة بالموضوع. ولا أدري ما هو رد أو رأي الطرف الأخر». إندفعت- خالدة – قائلة دون أن تسمع أي تعليق من الطرف الأخر-المقصود- زوجها:«الحقيقة لقد درسنا الموضوع بكل أيجابياته وسلبياته فوجدنا أن ميزان الإيجابيات يرجح على كافة السلبيات وأرجو من الله أن يوفقنا جميعاً طالما نحن جميعاً نسير في اتجاه شرعي وأجتماعي صحيح.» جرى بعد ذلك حوار دقيق عن كيفية أيجاد المكان المناسب لحياة الأطراف المعنية وفي أي مكان. هنا إندفعت سميرة قائلة:«بالنسبة لي سوف أعيش في المكان الذي ستعيش فيه خالدة. سأكون بمثابة الشقيقة الصغيرة لها، سأسمع كلامها، سأطيعها في أي شيء تريده مني. وأتمنى أن تقبلني معها في أي بيت تريد العيش فيه.». ضحكت خالدة وهي تغمز إلى زوجها ثم تقول:«ألم أقل لك ان هذه العذراء الجامحة ستكون مناسبة لك جداً». لم يعلق نوار بشيء سوى أنه نظر إلى وفاء نظرة طويلة وكأنه يريد أن يعرف رأيها في هذا الموضوع .ضحكت وفاء ضحكة سعيدة وهي تقول:«هل سمعت؟ أعتقد أنها مناسبة لك أكثر من فتاتك القديمة التي غدرت بك» ضحكوا جميعاً. بعد فترة صمت قصيرة قالت وفاء:«أعتقد أنه من الأفضل للجميع أن يذهبوا الأن لسوق الذهب لشراء ما تحتاجه سلاّمة وسميرة. سنبقى أنا وخالدة ننتظركم ونحاول أعداد وليمة جيدة من الطعام لحين عودتكم… سميرة لديها كمية من المال تكفي لشراء ذهب مناسب لسلامة ولنفسها. أذهبوا على بركة الله.». جلست- سميرة- خلف عجلة القيادة وجلس –نوار- في المقعد الأمامي بينما جلس الثلاثة أشخاص الأخرين في المقعد الخلفي(أمجد، وفاق، سلاّمة). عند أنطلاق السيارة كان الجو داخل السيارة مشحوناً بالتحفظ والحياء من قبل كافة الأطراف. لم ينبس أحدهم ببنت شفه. كان نوار ساهماً في عالم بعيد من الخيال والأفكار المتصارعة. هل هو فرح لأن إبنته الوحيدة ستتزوج بعد أيام قليلة من الشخص الذي تحبه؟ الشخص الذي يكن له محبة كبيرة وأحترام لا نظير له. هل هو فرح لأن إبنته ستتزوج من أبن الفتاة التي عشقها منذ سنواتٍ بعيدة ؟ هل هو فرح لأنه سيتزوج هو الأخر من أبنة الفتاة التي أحبها وهام فيها أيام صباه وشبابه؟ هل هو فَرِح لأن شبابه سيعود إليه بعض الشيء نتيجة لأرتباطه بهذه الفتاة الشابة المتحررة؟هل ستعوضه عن الحب الذي كان يكنه لأمها؟. حقاً إن هذا لشيء عجيب؟ هل يمكن أن يحدث هذا على أرض الواقع؟هل يعيش حلماً أم حياة حقيقية؟ لم يحدث له أن قرأ في رواية ما ، أو شاهد فلماً هندياً كهذه الحكاية التي تحدث أمامه. لا بل معه؟ أراد أن يتأكد من كونه لا يحلم وأراد أن يعيش هذه اللحظات السعيدة حتى لو كانت

أحلاماً متناقضة لا تلبث أن تزول عند بزوغ الشمس ونهوضه من فراشه. نظرت سميرة اليه من طرف عينيها وأبتسمت بهدوء، ثم بدأت تنظر في مرآة السيارة الخلفية كي تلقي نظرة خاطفة على أولئك الشباب الثلاثة البائسين الجالسين في صمتٍ تام وكأنهم يتقدمون نحو أحدى المقابر لدفن شخص عزيز. لم تعد تتحمل هذه اللحظات التي يحيطها صمت طويل. حاولت أن تغير الموقف تماماً، أن تحيله إلى لحظات بهيجه وسرور دائم. قالت بصوت مرتفع:«ما هذا الصمت؟ ألا يمكن أن يقول شخصٍ ما شيئاً يفرحنا جميعاً أو يضحكنا جميعاً، أشعر أننا سائرون في موكب جنائزي». نظر الجميع إلى بعضهم البعض ودون وعي راحوا يبتسمون بصمت. هنا إندفع أمجد متحدثاً بكلام أدهش الجميع:«إسمعوا جميعاً لديّ شيء مهم أريد قوله، وأتمنى من الجميع أن يساعدونني فيه». نظر نوار إلى الخلف كي يدقق النظر في ملامح وجهه، ونظرت سميرة في المرآة التي أمامها كي تتأكد من أن المتحدث هو شقيقها أمجد. ظلت تحدّق فيه بين فترة وأخرى. عرفت أن هناك شيئاً مهماً يدور في ذهنه. صمت الجميع وصمت أمجد وكأنه يريد أن يستجمع قواه لقول ما كان يريد البوح به. قالت سميرة على عجل من أمرها:«قل ما عندك فوراً فقد بدأ يساورني الشك أن هناك ثمة شيء مهم في ذهنك». دون تردد قال بسرعة:«هل ترون تلك السيارة السوداء التي تتبعنا منذ أن خرجنا من الطريق السريع؟ إنها سيارة صديقي[سلام]. لقد طلب يد شقيقتي وفاق منذ أسبوع وهو مصّر على الزواج منها مهما كلف الأمر. حينما أخبرته أمس بأننا سنذهب هذا اليوم لشراء الذهب أصّر على الذهاب معنا وتوسل إلىّ أن أتحدث معكم جميعاً بهذا الخصوص. حاولت أن أقول هذا الشيء عندما كنا جالسين في غرفة الضيوف ولكنني لم أستطع ذلك. كنت خائفاً من والدتي ولم يكن الوقت مناسباً لذلك. طلب أن أتحدث إليكِ يا سميرة وأذا حصلت على موافقتكِ بالذات عندها سيتقدم لخطبتها رسمياً. لقد أخبر والدته بذلك وهي تتمنى أن توافقي أنتِ وأمي. بالنسبة لوفاق-هي قبلت به- عندما حدثتها عن هذا الموضوع أمس وقالت أن كل شيء يعود لموافقة سميرة وأمي.». دون سابق أنذار توقفت سميرة على الجانب الايمن للطريق السريع في مكانٍ مناسب. أطفأت صوت المحرك. نظرت إلى الوراء. توقفت السيارة السوداء على بعد أمتار. قالت سميرة وهي تخاطب أمجد:«هل لديك ثقة بهذا الشاب الذي لا نعرفه؟ هل هو جاد في الزواج من وفاق؟ هل تعرفه منذ زمن طويل؟ هل أن عائلته جيدة؟ هل يدخن؟ هل يشرب الكحول؟ هل لديه عمل؟ هل سبق أن تحدث مع وفاق؟». أسئلة طويلة سريعة في نفس الوقت. كان أمجد قد أجاب بالأيجاب لكافة الأسئلة. صمتت سميرة قليلاً بعدها سألت وفاق:«هل تريدينه زوجاً لكِ؟ هل أنتِ متأكدة بأنكِ لن تتراجعي مهما كانت الأسباب؟» أجابت-وفاق بالأيجاب على كافة الأسئلة على الرغم من الحياء الشديد الذي صبغ وجهها بصبغة حمراء. هنا فتحت سميرة باب السيارة وتقدمت نحو السيارة السوداء بثقة مطلقة. ترجل نوار من السيارة وتبعها إلا أنها أشارت له بالعودة إلى داخل السيارة. حينما وصلت إلى السيارة السوداء خرج الشاب من سيارته وقد ظهر على وجهه حياء يشبه حياء العذراوات في ليلة عرسهن. دون مقدمات قالت:«هل أنت سلام؟ هل تعرف أمجد منذ زمن طويل؟ هل صحيح أنك تريد الزواج من شقيقتي وفاق؟». أجاب الشاب على كافة الاسئلة بالايجاب. هنا قالت سميرة:«حسناً اترك سيارتك، سأجعل أمجد يقودها خلفنا وتعال إلى سيارتي». دون أن يرد عليها ترك السيارة وكأنه ذاهب إلى مصيره المحتوم. طلبت من أمجد أن يقود السيارة. لم ينبس أمجد ببنت شفه وأسرع مندفعاً من سيارة سميرة إلى سيارة سلام. طلبت سميرة من-نوار- أن يجلس في المقعد الخلفي مع أبنته وشقيقتها وفاق. جلس الشاب في المقعد الأمامي إلى جانبها. كان العرق يتصبب من جبهته من شدة الحياء. إنطلقت السيارة بهدوء هذه المرة، وبدأت سميرة بأخراج هاتفها النقال وبعد فترة وجيزة شرعت تتحدث إلى والدتها التي بقيت مع زوجة نوار في البيت:«ماما، هناك موضوع مهم أريدكِ أن تسمعيه مني بكل جدّية وأنتباه». وراحت تعيد عليها الحكاية كلها. كانت تصمت قليلاً ثم تقول كلام موجز. كان قلب وفاق ينبض بشدة مع كل فترة صمت من جانب سميرة، يكاد يقفز قلبها مرة أخرى من بين ضلوعها مع كل كلمة تقولها سميرة إلى والدتها. بالنهاية أغلقت الهاتف ونظرت إلى سلام قائلة:«عفواً.حدثني عن نفسك وعن عائلتك قليلاً، وكن صادقاً في كل كلمة تقولها». أخبرها بأنه طالب في السنة الثانية من كلية الهندسة وأنه يعيش مع أمه وشقيقتين. وأنه هو الأخ الأكبر. يعتاشون على راتب والده التقاعدي إضافة على أيجار ثلاثة محلات- في العاصمة كانت تعود إلى والده منذ زمن بعيد. نظرت اليه من طرف عينها اليمنى قائلة:«هل تحمل معك نقود لشراء الذهب اليوم؟»إندفع(سلام) قائلاً:«هذه (۷۰۰) دولار فقط. لا أملك غيرها. كنت أتفقت مع أمجد أنه أذا وأفقت على الخطوبة سأشتري بها ذهب لوفاق هذا اليوم، أما أذا لم توافقي فسأذهب إلى شارع الصناعة كي أشتري بها حاسبة وأترك موضوع الزواج إلى ما بعد تخرجي من الكلية». هنا أندفعت سميرة وهي تقول بجد:«ولكن(۷٠٠) دولار لا تكفي لشراء ذهب مناسب لشقيقتي الصغيرة الوحيدة. على الأقل يجب أن تشتري ذهب لوفاق بمبلغ(٤۰۰۰) دولار وهذا شرطي الوحيد. هل تقبل بذلك أم لا؟». صمت سلام بأنكسار وشعر كأن صاعقة قد سقطت على رأسه. حاولت وفاق أن تقول شيء ولكن سميرة أمرتها بعدم النطق بحرف واحد. هنا حاول نوار أن يتدخل ولكن سميرة طلبت منه بأدب أن لا يتدخل في موضوع شقيقتها. صمت على الفور. لم يعد يسمع أي كلام داخل السيارة. ذهب ذهنه إلى ذلك المكان عندما كان جالساً فيه تحت الشجرة وطلبت منه خالدة أن يأخذ قطعة الذهب الكبيرة وكذلك جميع الذهب التي كانت تملكه كي يقدمه لها يوم الخطوبة. راح يقارن بين تضحية خالدة التي وهبته كل شيء في لحظة من لحظات الزمن كي تتزوجه. لم تطلب منه أي شيء بل هي التي وهبته كل شيء. لم تفكر بأي شيء سوى أن تحصل عليه زوجاً لها. يا لهذا التفاوت الكبير بين الزمن الذي كان فيه شاباً بعمر هذا الفتى الغريب عنه تماماً وهذا الزمن الغريب الذي لا يفكر فيه الناس سوى بالحصول على الذهب والمال بأي طريقة كانت. هنا أندفع سلام بثقة وحزن بعض الشيء :«حسناً، خذي هذه كافة أوراق السيارة وهذه ال(۷٠٠) دولار إذهبي الأن إلى أحد المعارض وأعريضيها –أي سيارتي- وأشتري بكل ثمنها ذهباً لوفاق. إنها تستحق كل شيء. سأقنع والدتي بأنني لا أحتاج لسيارتي وسأستقل الباص وسيارات الأجرة الأعتيادية عندما أذهب إلى الجامعة». دون أن ينتظر أي رد منها وضع كافة الأوراق الرسمية أمامها. قالت سميرة:«بنظرك كم ثمن سيارتك في المعارض؟ بالتأكيد أنت تعرف ثمنها، فكل سائق يعرف ثمن سيارته؟ ماذا تقول؟.»

يتبع …….




الكلمات المفتاحية
العذراء الجامحة العشاق

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.