الأربعاء 18 أيلول/سبتمبر 2019

العذراء الجامحة – 9 –

الثلاثاء 02 تشرين أول/أكتوبر 2018
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

الحلقة رقم – 9 –
ضحكت سميرة وأعطتها الحق في سؤالها هذا. أخذت نفساً هادئاً وشعرت بالأنتصار قليلاً، ثم أردفت قائلة:«قصة أمجد مضحكة بعض الشيء. جاءني في أحد الأيام إلى المعرض وقال لي أن هناك موضوعاً يريد أن يكلمني فيه وطلب مني الموافقة قبل أن يحدثني عنه. قلت له بأنني لن أعطيه سيارة حتى ينهي الاعدادية. ضحك وهو يقول بأنه لا يحتاج سياراتي كلها، فلديه دراجة نارية- على حد قوله-. وحدثني بقصة سلامة وبأنه يريد العمل مع والدها حتى لو كان ذلك بلا أجرة، كنت أضحك عليه لأن ذلك كان مجرد لعب صبياني- أعطيته الحرية لعمل أي شيء على شرط أن لا يوقعنا في أي مشكلة مع قبيلة الفتاة أو القانون وهددته بالقتل أذا فعل شياً كهذا.. وأنتِ تعرفين باقي القصة». سكتت قليلاٍ ثم أخذت نفساً عميقاً وأردفت بعدها قائلة:«الحقيقة كانت أمي قريبة جداً مني وخصوصاً بعد وفاة والدي. كانت تحدثني بأدق التفاصيل عن علاقتها مع نوار، وكانت تخرج صور الجامعة كل يوم وتحدثني كيف تم ألتقاط تلك الصور وكيف وأين إلى ما شابه ذلك. كنت أرثي لحالها. مرة قالت لي بأن نوار يطلبها ثلاثة دنانير عندما أعطاها لها في الكراج الذي ذهب منه إلى محافظته. كانت تقول لي كم تتمنى أن تراه حتى تعيد له تلك النقود القليلة- الكثيرة جدا في تلك اللحظة-. قالت لي بأنها أشترت فواكه لها ولأمها في ذلك اليوم بنصف النقود.». مسحت دموعاً قليلة تجمعت في مقلتيها. نظرت إلى خالدة وهي تقول بصدق:«أحياناً كنت أنظر إلى صور نوار عندما تخرجها والدتي وأقول مع نفسي – كم أن هذا الفتى جميل لماذا لا يأتيني شاب مثله كي أتزوجه..كنت أضحك على نفسي من تلك التصورات الطفولية». سكتت قليلا بعدها أردفت قائلة:«هذا كل ما لديّ.. ولا أدري أذا كنتِ مقتنعة بكلامي أم لا.». نظرت خالدة إلى قدح الشربت الذي كان أمامها. أخذت تدير أصبعها على حافة القدح مرات عديدة وكأن شياً ما كان يشغلها وتريد البوح به ولكن متى وكيف تقوله. سيطر صمت قصير على الجو الذي كان يحيط بهما. رفعت رأسها وهي تنظر بعمق إلى عينيّ –سميرة- التي أجابتها بأبتسامة باهتة على شفتيها. أحست الأخيرة أن هناك شيء ما كان يجول في ذهن خالدة. أعطتها مساحة واسعة من الحرية كي تعبر عما بداخلها. تبادلت المرأتان نظرات طويلة أخيرة قبل البوح بأي كلام لأي منهما. دون سابق أنذار قررت خالدة شن الهجوم كما كانت تفعل مرات عديدة في مواقف سابقة قديمة. كانت تريد دائماً أن تكون مركز الثقل في أي حوار يجري بينها وبين أي كائن بشري، تحب أن تخلق مواضيع دسمة تذهل الأطراف الأخرى التي تروم الأشتراك بأي حوار مهما كان نوعه وموضوعه. أخذت نفساً عميقاً ثم قالت بجدية متناهية دون أن ترفع نظراتها عن عيني سميرة:«أريد الخوض في حديث طويل معكِ وأتمنى أن تصغي جيداً لما سأقول وأرجو أن لا تقاطعيني حتى أنهي أخر كلمة. لكِ الحق في توجيه أي سؤال يدور في خاطرك. سأجيب عليه بنفس الصراحة التي جاءت من جانبك. من يدري قد يكون هناك هدف نبيل من وراء ذلك الحديث، فهل توافقين على البدء في ذلك؟». ظهرت بعض ملامح التحول من حالة إلى أخرى على سيماء سميرة، بَيْدِ أنها قالت على الفور:« لكِ ما تريدين وسأستمع اليكِ بشكل جيد». إندفعت خالدة في كلام متواصل وهي تقول:«نوار بالنسبة لي كل شيء في هذا الوجود، في هذا العالم، في هذا الكون، هو الهواء الذي أتنفس من خلاله ، هو الحياة نفسها. منذ ان بدأت علامات الأنوثة تتفاعل داخل جسدي،منذ ان تحولت من عالم الطفولة إلى عالم الرغبات الأنثوية التي تتحرك داخلي إنجذبت أليه وربما قبل سنوات من دخوله الجامعة. كنت أعمل المستحيل كي أختلق عذراً مناسباً للذهاب إلى بيته القريب من بيتنا في تلك القرية الصغيرة التي تنام على تغريد الطيور الصغيرة وتنهض صباحاٍ على أصوات هدير المياه المتدفقة من السواقي الصغيرة التي تسقي الأراضي الزراعية المحيطة بمزارع الفلاحين البسطاء. كنت أخدم أمه وشقيقته كل يوم أكثر مما أخدم والدتي ووالدي وكان الهدف معروف آلا وهو التقرب من عائلته. كل فتيات القرية اللواتي كن في عمري يعرفن مدى هيامي –بالشاب – نوار- ولا تجرؤ واحدة منهن بالتقرب منه. من تضحك معه تموت ومن تبتسم معه تحترق ومن تفكر فيه تتمزق وكنت قادرة على فعل كل هذه الأشياء. كنت أحرسه كظله دون أن يشعر بذلك. كان قد أعتاد للدراسة تحت الشجرة القريبة من النهر الكبير، كانت هناك خلوة كثيفة الأغصان. إعتاد الجلوس هناك طيلة فترة مراجعته لدروسه. كنت أتسلل خلسة خلف تلك الشجرة أخفي نفسي بين الأغصان الكثيفة أبقى لحين عودته للبيت. في البداية كان يسترجع دروسه في صوتٍ مرتفع وسعيد جداً وخصوصاً بعد أن بدات علاقته مع وفاء. كان يسابق الزمن من أجل الحصول على أعلى الدرجات الأمتحانية. بعد الأزمة التي عصفت فيه، تبدل حاله وظل يجلس هناك في نفس المكان ساعاتٍ طويلة دون أن يدرس أي شيء. يبقى صامتاً كصمت الأموات. أحياناً أسمعه يقول:«أيها النهر الكبير لقد ضاع الحب الكبير، أنت الوحيد الذي يسمع شكواي ولكنك أخرس لا تنطق.. لماذا يحل بي هذا المصاب؟.لم أفعل شيء سوى أنني كنت صادق في حبي، سحقاً لك أيها النهر الأخرس،أنت لا تعلم آلامي وأحزاني». ويصمت وأحياناً يمسح دموعاً صغيرة تسقط على خديه كان قلبي يتمزق عليه ويتمزق بسببه. يتمزق عليه لأن من سكن قلبي إلى الأبد هو أسيرقلب أخر ولا يستطيع التحرر من قيوده، كان يتألم ولا أستطيع الأقتراب منه كي أواسيه. كنت أذرف دموعاً عليه وأقول في نفسي سأمزق تلك الفتاة يوماً ما لأنها تمزق من هام قلبي فيه. كان يترك المكان عائدا إلى البيت منكسر الخاطر على الدوام. وكنت أسير خلفه بعيداً عنه كالكلب الصغير الذي لا يستطيع مفارقة من رباه حتى لو قسى عليه. كنت أقول مع نفسي دائماً – هنا الحب الحقيقي المنبعث من أعماق الأرض.. هنا الحب المتفجر من بين أضلاعي ولكن لماذا يذهب قلبه إلى هناك حيث الزيف وعدم الوفاء؟ لماذا يبحث الأنسان عن شيء برّاق لامع مزيف ويهجر الدرر المكنونة في جوف الأرض ؟. يتلطخ وجهي بدموعي وتسألني والدتي عن سر الدموع وأتهرب منها هنا وهناك لا أستطيع البوح لها بما يحطم نفسي ويسحق ذاتي وأبقى ساعات طويلة من الليل أتلوى على نار الحب المفقود والهجران الأزلي وأقول-ماذا سأفعل لوتزوج وفاء؟ هل أنتحر أم أحرقها وأحرق نفسي؟ هل أدفعها إلى أعماق النهر الكبير وأذيقها ويلات الأختناق؟- صراع يومي أزلي لا ينتهي..وقررت يوماً ما الهجوم المضاد، الهجوم بقلبي وبكل ما أوتيت قوة من عواطف ثائرة ورغبة جامحة.. لعذراءٍ جامحة لم تحب أي شاب سوى هذا الفتى الذي لا يفكر إلا بفتاة عبثية قادمة من العاصمة التي لم أر شارعاً من شوارعها. ونجح الهجوم العاطفي المضاد الذي أستعملت فيه كل قوة خارقة في جسدي الأنثوي المرتعش رغبة وحاجة ماسّة اليه. وتزوجنا ، وأعطيته كل شيء أملكه.. أرضي ونقودي وجواهري وقلبي وعذريتي وشعرت أنني أحلق بين السماء والأرض. كنت خائفة منه وخائفة عليه لدرجة الموت.” صمتت قليلاً كي تستعيد كل حياتها معه، كان العرق البارد يتصبب من وجهها ،مسحته بيدها المرتجفة ثم أردفت قائلة:« كانت الليالي الأولى لسنوات الزواج مزيجاً من السعادة التي لا تنتهي، كان يمارس الحب معي في الظلام الدامس لا يحب أن يرى وجهي أبداً أثناء الألتصاق الروحي. كنت أعرف لماذا يفعل ذلك! كان يستخدم جسدي كي يحلق معها بعيداً في هيام لا ينقطع. كنت أحضنه بروحي قبل ذراعي،وكنت أهمس في أذنيه أشياء كثيرة فكان يجن جنونه ويتحول إلى وحش بري يعتصرني برجولته ويذيبني في حقل من ورد في بساتين واسعة شاسعة. وأكيل له من كلمات الحب التي حفظتها عن ظهر قلب لكبار الشعراء وعباقرة القصاصين. كنت أقول له – لفني بحبك وأجعلني أطير كطير الحب أقفز هنا وهناك على أزهار ملونة ، دعني أغرق معك في بحرمن الحب ودع الأمواج تقذف بنا نحو الشاطئ ، فلنعود إلى تلك الأمواج الهادرة فبها نحيا ونموت، هناك أرسم سهامك النارية ومزق غمد الهوى وإبعث إلى جسدي قشعريراً ونارا لا تنطفئ. كان كمن يركض أميالاً بلا أنقطاع. كان يهمس في أذني ويقول.. سأسحق هذه الروح التي أذاقتني مرارة الأنتظار وأذوب في هذا الجسد المسجى تحت رجولتي وأعتصر الهوى الذي أذاقني الحرمان سنوات عجاف. خذي روحي ومزقي شرايين قلبي فقلبي لكِ وحدكِ وجسدي لروحك المسجاة هنا في عالم اللذة وليالِ الظلام التي لا تنتهي . كنت أبكي دموعاً حارة لأن روحه هناك تحلق فوق العاصمة المبنية بلا وفاء وجسده يعتصر لذتي التي لا تعرف الهوان. كنت سعيدة بذلك الأزدواج العاطفي. كنت سعيدة جداً لأنني أشعر بالسعادة الهائلة التي يوفرها له جسدي. يجعله ينفس عن آلامه المكبوتة وكان لا يتوقف عن الهجوم الليلي أبداً ، ينهي الهجوم الأول ليبدأ هجوماً أخر لا يقل شراسة عن الهجوم الأول. وكان ميدان أنوثتي يستقبل الطبول الخارقة الحارقة في جنح الظلام يوفرله كل متطلبات النصر الحاسم في لحظات حاسمة يفتخر بها كل ذكر على هذه الأرض. أردت له الأنتصار دائماً وأبداً. لم أرد له أن يشعر بالأنهزام لحظة واحدة كما كان يعاني من ويلات الحروب القديمة التي عاشها مع أولئك الأشخاص الذين لا يعرفون معنى-الوفاء- والأخلاص ورزقنا ببنت تشبه الوردة المتفتحة في نديم الصباح، جميلة جمال الزهور المتمايلة مع نفحات النسيم عند هبوب رياح الربيع كل عام. وبعد ذلك توقفت الأرض الأنثوية عن الأخصاب فقد زحف مرضاً إلى داخل تلك التربة وماتت الجذور وأصبحت الأرض عقيمة لا تنفعها الأدوية المستورد ولا المحلية. وضعنا كل همنا وحبنا لأرواء هذه الزهرة-هذه الثمرة- التي أصبحت قطوفها دانية.وتحولت الرغبة الأنثوية القديمة التي كانت في الشجرة الأم إلى تلك النبتة اليافعة. وجاء وقت الحصاد. وجاء الفلاح المسوؤل عن قطف تلك الثمرة وكان جديراً بها وهذا ما كان يقوله لي – نوار-. أنا فرحة اليوم أقصى درجات الفرح». سكتت مرة أخرى وتناولت جرعة صغيرة من شرابها الذي كان مركوناً أمامها. نظرت إلى سميرة، التي كانت فاغرة الفاه لا تعرف ماذا تقول. شعرت أن هناك تلاقحاً روحياً يربطها بهذه المرأة الخالدة القادمة من أعماق الريف. أرادت أن تبدأ الاسئلة والكلام بَيْدَ أن خالدة أشارت اليها بالسكوت لحين أنهاء مرافعتها التي لا تعرف كيف بدأتها وكيف ستنهيها، قالت بهدوء وهي لا تزال تحدق في عيني سميرة:«منذ أن بدأت عوارض المرض عليّ وعدم القدرة على الأنجاب مرةً أخرى، حاولت أقناع- نوار- بالزواج مرة أخرى كي يحصل على أطفال أخرين ولكنه كان يرفض ذلك رفضا قاطعاً ويقول بأنه لا يستطيع جلب أمرآة أخرى إلى جانب المرأة التي ضحت بكل شيء من أجله..(نوار) لا زال قوياً وجسده رياضي فقد عملنا في الحقل سنوات طويلة وكان ماهراً في كل شيء. أشعر أن الفرصة جاءت وأرجو منك أن تساعديني في هذا. لقد تعذب كثيراً وأريد أن أجلب له السعادة بأي ثمن. أنتِ الوحيدة التي تستطيعين مساعدتي في ذلك». هنا ضحكت سميرة وهي تقول:«تقصدين أن أقنع–وفاء- أقصد أمي للزواج منه؟». نظرت خالدة اليها وقد ظهر الأمتعاض الدفين على وجهها، ثم قالت على الفور:«كلا.. كلا.. ليس هذا ما كنت أقصده. أقصد أنتِ تتزوجيه. لا نريد منكِ أي شيء. سأكتب هذا المنزل بأسمك لأنه بأسمي وليس بأسم-نوار- سأكتب لكِ قطعة الأرض التي أملكها هناك في القرية الصغيرة. لديّ مجوهرات وبعض الممتلكات الأخرى. أنتِ الأن شارفتِ على الثلاثين من العمر. ونوار أثنان وخمسون عاماً. صدقيني هذه فرصة ذهبية لكِ ولنا جميعاً. سأربي أطفالكم. سأعتبرهم أبنائي. أنا شجرة هرمة لا تصلح إلا للظل فقط. لا تعتبريه زواج حب ولكن زواج عقل. المرأة بلا رجل لا تساوي شيء حتى لو كانت تملك كل كنوز الأرض لأنها ستبقى أرض جرداء خالية من الأشجار المثمرة، وهذه هي سنّة الحياة. أنا لا أفكر بسلامة قدر تفكيري –بنوار-. سلاّمة ستصبح من ممتلكات الأخرين. أما نوار فسيكون ملكاً لكِ ولي، أو بالأحرى ستكونان عائلتي. أرجو أن لا تتسرعي في أتخاذ قرارك. سأتركك تفكرين لمدة يومين، إذا لم توافقي فسيكون نوار من نصيب فتاة أخرى من حيّنا.». في هذه اللحظة جاءت إبنتها سلامة وهي تقول في غضب مصطنع:«أمي.. أين أنتِ ؟ والدي يطبلكِ في أمر هام.». نظرت اليها أمها بحنان قائلة:«قولي لوالدكِ أنا موافقة على أي شيء يريده. رأيي ليس مهم. فليتباحث مع –وفاء- عن كل شيء». ضحكت سلامة وعادت بسرعة إلى غرفة الضيوف كي تنقل رسالة والدتها إلى والدها. لم تنبس –سميرة- ببنت شفة، صمتت كصمت الأموات في المقابر البعيدة. ظهر الحياء الشديد عليها. ظلت تحدق في الأرض غير مصدقة لما كانت تسمعه من هذه المرأة الجريئة التي لم تكن قد شاهدتها من قبل. هل يعقل أن هذه الزوجة تخطب الأن زوجة جديدة لزوجها الذي تحبه بجنون؟ هل هي تسخر منها ومن أموالها وجمالها؟ أم أنها فقدت عقلها بعد سنوات الحرمان. لا.. لا.. إنها بالتأكيد فقدت عقلها. الغريب أن سميرة نظرت بتحدي في وجه خالدة وبدأت تقول بكل ثقة:«هل تكرهيني أذا تزوجته؟ هل تحقدين علىّ وتتمنين موتي؟ إذا كنتِ صادقة أجيبيني عل أسئلتي بصدق.». ضحكت خالدة وهي تقول:«أنا صادقة وسأموت من أجلك ومن أجل- نوار- وستثبت لكِ الأيام مدى صدقي اذا شعرتِ يوماً واحداً بأنني أكرهكِ فأطلبي الطلاق فوراً وسأكون أنا ملزمة قانونياً بدفع كل نفقاتكِ». مسحت العرق الذي كان يتصبب من جبينها، بعدها عادت لتقول:«كي أكون صادقة معكِ جداً وصريحة جداً، الذي يهمني هو –نوار- وليس أنتِ. أنا لا أهتم لأموالكِ ولا لجمالكِ ولا لأي شيء أخر. أريد أن أجلب له شيئاً فريداً خاصاً يجلب له السعادة، وأنتِ الوحيدة التي ستحققين له السعادة. سيرى- وفاء- فيكِ، وسيرضي زواجكِ منه كل غروره القديم المنهار في لحظة من لحظات الزمن. سيرى شبابه المفقود في شبابكِ المتفجر. لن أدعه يأخذ منكِ فلساً واحداً طالما أنا على قيد الحياة. أعرف أن لديه طاقات رجولية جبارة ولن يستطيع أرضاء هذه الطاقات إلا من خلالكِ. فكري جيداً لأنني لن أعيد هذا الطلب مرة أخرى». نهضت سميرة بهدوء وهي تقول:«لقد أتخذت قراري الأن ولن أتراجع عنه مطلقاً. لا أحتاج بيتكِ ولا قطعة أرضكِ فأنهما تعودان لكِ وحدكِ ولن يأخذها أحد منكِ. لديّ بيت كبيروأموال كثيرة. سأكون بمثابة الشقيقة لكِ، لن أسبب لكِ أي آلام وسأنفذ أي شيء تطلبيه مني. من يدري قد يكون- نوار- نصيبي في هذه الحياة كما كان ولا يزال من نصيبكِ. ولكن هل يقبل هو بهذا الكلام الذي قلتيه لي ؟. على كلاً مهما تكن النتائج أنا تحت أمرك. نهضت خالدة وقد ظهر على وجهها نوعاً من الأرتياح الدفين. قالت على الفور:«- حسناً فلنذهب الأن إلى غرفة الضيوف فقد تأخرنا عليهم بعض الشيء.». حينما دخلتا غرفة الضيوف بادرتهما –وفاء- قائلة:«أين كنتما لقد أتفقنا على مصاريف الزواج وكذلك حددنا اليوم الذي سيتم فيه الزواج». نظرت خالدة إلى سميرة ضاحكة بهدوء وهي تقول:«الحمد لله على كل شيء». كانت سلاّمة فرحة جداً بهذا التلاحم الأجتماعي وهذه السهولة التي تمت فيها إجراءات الخطوبة. نهضت-وفاء- قائلة:«حسناً، سنذهب الأن وسنعود غداًومعنا النقود التي تم الأتفاق عليها. الحمد لله لقد تم كل شيء بسهولة، نظرت إلى سميرة وأمجد ووفاق وهي تقول، لقد تأخرنا فلنذهب الأن». فرحت خالدة بهذا الرحيل السريع لأنها كانت متلهفة للحديث مع زوجها على أنفراد حول الموضوع الذي تحدثت فيه مع سميرة. كانت تعرف أن مهمتها ستكون عسيرة مع زوجها ولكنها لن تفقد الأمل أبداً. إنها صلدة، جلدة، تجاه المواقف الحرجة التي تتطلب جهداً جباراً لأقناع الطرف الأخر. إختفت السيارة الحديثة عن الأنظار وظل نوار وزوجته وأبنتهما يقفون في الباب الخارجي للدار يراقبون تصاعد ذرات الغبار وهي تتصاعد إلى الفضاءالفسيح نتيجة لأنطلاق العجلة بسرعة جنونية كأنها هاربة من المصير الذي رُسم لها في تجاويف الزمن. إندفعت سلاّمة إلى غرفة الضيوف تجمع الأواني والأقداح الفارغة التي تركها الضيوف هناك بعد خروجهم. ذهبت إلى المطبخ وبدأت تغسل كل الأواني والأقداح وتعيد ترتيب أثاث المطبخ على الرغم من عدم وجود حاجة لذلك العمل. كانت تريد أن تشغل نفسها بأي شيء. بدأت تغسل أرضية المطبخ وتمسح الأواني الجافة التي لا تحتاج إلى مسح. كانت غائبة عن الوعي تحلق في عالم من الانشراح، في عالمٍ كله سرور وأفراح، كانت تريد أن تصرخ بأعلى صوتها فرحة لهذا اليوم الذي جلب لها سعادة لا تنتهي. ظلت تفكر وتفكر وكأنها تريد أن تفعل شيئاً خارقاً يعيدها إلى أرض الواقع. بدأت تغني مع نفسها:«تعال.. تعال.. إلى هنا وأحملني بعيداً عن الأنظار.. تعال وخذني في فضاء من السعادة بعيداً عن الأنحدار.. تعال إلى هنا ورفرف بي بعيداً في رحاب الحب ونعيم الأسفار… إسرع إلىّ.. خذني بعيداً، حلق بي فوق السهول والوديان والأشجار.. لا أستطيع الصمود.. لا أستطيع البقاء هنا وحيدة.. لا أستطيع الأنتظار… قلبي يخفق… وروحي تصرخ نحوك… تطلبك.. اليّ.. اليّ.. أيها القادم من خلف التاريخ وخلف الأثار.. أين أنت.. أين أنت؟ لا أستطيع البقاء هنا وحدي.. لقد هدني طول الأنتظار». كان والد سلاّمة ينظر أليها من خلف النافذة وهي تطلق تلك النغمة السعيدة الحزينة في نفس الوقت. ظل مذهولاً ينظر أليها فرحاً بتحول طفولتها إلى ربيع أنثوي متفجر. دون وعي مسح دمعة سقطت من إحدى عينيه. لم يتصور أن تلك الطفلة الصغيرة التي كان يوماً ما يحملها بين ذراعيه يدور بها في الحدائق والمتنزهات أيام الأعياد تتحول فجأة إلى فتاة ناضجة وبهذا الجمال الأنثوي الآخاذ. يالهذه الحياة القصيرة! لم يتصور أن كل هذه السنوات قد مرت عليه وعلى عائلته بهذه السرعة.. كأنها لمح البصر. أستدار متراجعاً بهدوء كي لا يشعر بوجوده أحد وهو يمسح بقايا دموعه التي جفت بسبب الهواء النافذ من خلال النوافذ المفتوحة على مصراعيها. جفلّ وأرتعش حينما وضعت خالدة يدها على كتفه مبتسمة له وكأنها تريد أن تقول له أن يتركها منشغلة في أحلامها الوردية..جلس- نوار- في حديقة الدار تحت ظل الشجرة الوفير يحدقّ إلى الطيور الصغيرة التي كانت تتقافز هنا وهناك كأنها فرحة بهذا اليوم الفريد. إستل سيكارة- ميامي- من علبة سكائره وأشعلها بقداحته الخضراء خضرة أوراق الأشجار التي تتدلى على جدران الدار في كل مكان. راح ينفث دخانها إلى الفضاء في أنتظار زوجته- خالدة- التي طلبت منه الجلوس في الفضاء المفتوح لأنها تريد أن تتحدث معه في موضوعٍ هام.. أرادت أن تصنع له قدحاً من القهوة كما أعتادت أن تفعل هذا كلما كانت تريد أن تناقش معه موضوعاً هاماً.

يتبع ..




الكلمات المفتاحية
التصورات الطفولية العذراء الجامحة

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.