الاثنين 12 تشرين ثاني/نوفمبر 2018

جعجعة من فوق … مهادنة من تحت، تلك هي روسيا بوتين!

السبت 29 أيلول/سبتمبر 2018
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

روسيا مثلنا، بالضبط مثلنا في بعض مواقف الإنكسار والعنجهية. يلاحظ ان روسيا عندما تتعرض لنكسة، لا يلبث صوتها ان يعلو ويكثر الحديث عن إمكانياتها الهائلة وارادتها الصلبة وقدرتها على لجم الخصم وربما مسحه من الخريطة وتوعده بالويل والوثبور وعظائم الأمور. قصة اسقاط طائرة إيل-20 المخصصة للاستطلاع الالكتروني وعلى متنها خمسة عشرة عسكريا او اكثر، رافقها الكثير من القيل والقال والإتهامات المتبادلة حتى اصبحت معروفة للقاصي والداني. الروس قالوا ان المقاتلات الإسرائيلية كانت تتستر بطائرتهم إيل-20 ، (فيما يشبه اتخاذ المقاتلين المحصورين من المدنيين دروعا بشرية) وهو إدعاء لم يستسيغه حتى اكثر المعجبين بالروس باستثناء بعض محللي وسائل الإعلام لدينا لأن اغلبهم يكتب ويتحدث بحساب. بينما قال الإسرائيليون ان الدفاعات الجوية السورية بدأت إطلاق 27 صاروخا من طراز أس-٢٠٠ في اتجاهات مختلفة، أصاب أحدها، الطائرة الروسية، عندما كانت المقاتلات الإسرائيلية متواجدة في منطقة حيفا شمالي إسرائيل.

بغض النظر عن صواب هذا الإدعاء او ذاك، يُفترض ان طائرة الإستطلاع الروسية كانت متواجدة في المنطقة بفترة طويلة لأنها مخصصة بشكل رئيسي لتنفيذ عمليات الاستطلاع الجوي على طول الحدود الدولية ولديها امكانيات التشويش والتصوير الجوي والتجسس الإلكتروني التي تسمح لها بالحصول على معلومات مفصلة عن الأهداف المعادية. لا الدفاعات الجوية السورية تفاجأت بوجود الطائرة الروسية الحليفة ولا الطائرة الروسية بدورها كانت في غفلة عن وجود الطائرات الإسرائيلية المغيرة.

الصورة واضحة جدا، طائرة روسية تدمر بصواريخ روسية يموت فيها اكثر من خمسة عشرة روسي، على يد حليف روسيا، ليس الأمر الا قصورا هائلا في المسؤولية وأداءاً مفرطا في الرداءة لا يمكن تبريره بحال، لا على الصعيد الداخلي ولا على الصعيد الخارجي من قبل بوتين فكان منه ذلك الإستعراض المفتعل للغضب الروسي ضد اسرائيل والإعلان عن قرار ارسال الأس ٣٠٠، علما ان منظومة الأس ٢٠٠ التي اسقطت الطائرة ليست قاصرة، غير ان الأولى تتفوق في بعض المواصفات التعبوية والتقنية والكثافة النارية التي تستطيع من خلالها اطلاق النار على ٦ اهداف بينما الاس ٢٠٠ تعالج هدفا واحد في كل مرة وهو عيب يمكن تداركه بالعدد، فضلا على ان روسيا سبق لها وان ادخلت منظومات اس ٣٠٠ الى سوريا عام ٢٠١٧، حيث اعلنت وزارة الدفاع الروسية في تشرين الأول من العام المذكور انه تم شحن بطارية من نظام الصواريخ المضادة للطائرات إلى الجمهورية العربية السورية ، وهذه المنظومة مخصصة لتأمين أمن القاعدة البحرية في طرطوس التي تقع في المنطقة الساحلية القريبة من سفن مجموعة العمل البحرية الروسية من الجو، وقالت ايضا في حينه ان منظومة اس – 300 هي منظومة دفاعية بحتة ولا تشكل أي تهديد لأي طرف، وذلك وسط ترجيحات ان يتم تسليمها في مرحلة لاحقة للنظام السوري، أسوة بتسليمها إلى إيران.

بل يبدو ان اسرائيل كانت مستشعرة بكارثة اسقاط الطائرة اكثر من روسيا نفسها عندما فكرت في احتمال توجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أو وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان، إلى موسكو للتغلب على الأزمة الدبلوماسية المتصاعدة بين البلدين، الا أن روسيا فضلت، وفق تقديرها الحقيقي للمشكلة، أن يقوم بذلك مسؤولون عسكريون، مما يعني ان المسألة فنية بحتة وهو ما تلقفته وسائل الإعلام خاصتنا وقدمته رفضا من بوتين استقبال النتن ياهو او وزير دفاعه الأنتن ليبرمان، الى أن انبرى الناطق باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف ونفى المعلومات التي زعمت أن موسكو رفضت استقبال بنيامين نتنياهو أو وزير دفاعه ليبرمان وقال للصحفيين: “إنه ليس صحيحا. كان هناك منذ البداية اقتراح من رئيس الوزراء الإسرائيلي حول إرسال وفد عسكري برئاسة قائد سلاح الجوي، وهذا هو ما تم عمله”.

على الصعيد الخارجي اصبحنا نقرأ ونسمع التقدم غير المسبوق في الصناعة العسكرية الروسية، وهي فعلا ليست قاصرة بالمقارنة مع الكثير من البلاد الأخرى المحترفة في صناعة الأسلحة، ولكن الترويج يتم حسب تطورات الأحداث ولغرض اعلامي يخدم سمعة بوتين ليس إلا. اخر ما برز بهذا الخصوص صاروخ مضاد للطائرات بمدى ٣٠٠ كيلومتر وسرعة تسبق الصوت ضمن تسليح السيخوي ٥٧، المقاتلة الروسية الأكثر تطورا والمتعددة المهام، وهو صاروخ يوصف بأنه لن يسمح لأي هدف مهما كان ان يفلت من العقاب.

السيخوي ٥٧، اول مقاتلة روسية من الجيل الخامس، صممت خصيصا لتكون التهديد الذي لا يرد للقوات الجوية الكبرى في العالم، مثل الولايات المتحدة. ولغرض الحد من اكتشافها من قبل الرادارات المعادية او اسلحة التقاطع المضادة، يتوقع المراقبون ان تسليح السيخوي ٥٧ مصمم على رفوف داخلية بخلاف الصواريخ الكبيرة التي لا مفر من لقمها على بدن الطائرة من الخارج مثل الصاروخ آر-٣٧ أم، الذي يقال انه يتفوق في المدى على كل ما لدى القوة الجوية الأمريكية من صواريخ منافسة. الصاروخ الذي لازال تحت التصنيع في مراحله الأخيرة مزود بنظام دلالة حديث ويمتاز بوزن وطول مناسبين لتنصيبه على منصة اصغر رغم مداه الذي يصل الى ٣٠٠كيلومتر.

عجلة إعلام بوتين وأحبابه في المنطقة تدور للتغطية على خيبته فقط، وتهلل، بقصد او بسذاجة، لإنتهاء عصر هيمنة اسرائيل على اجواء سوريا، الا انه لا يتوقع، في النهاية، ان تترك حادثة اسقاط ايل ٢٠ شرخا كبيرا بين روسيا واسرائيل، ولا ان تحد من قدرة الأخيرة على شن الهجمات في سوريا او لبنان، وان الجعجعة الروسية حشرجة مذلة، اكثر من كونها تهديدا حقيقيا، وان غدا لناظره لقريب.




الكلمات المفتاحية
التصوير الجوي جعجعة

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.

ut vulputate, pulvinar consectetur quis, in id quis justo tempus Lorem