تفسير نصوص الدستور

القسم الرابع
قبل إصدار المحكمة الإتحادية العليا لقرارها المرقم (21/إتحادية/2015) ، وموحدتها الدعوى (29/إتحادية/2015) في 14/4/ 2015 ، الخاص بفك قيد السلطة التشريعية جزئيا في تشريع مقترحات القوانين ، وفي واحدة من غرائب نتاجات النظام السياسي الجديد في العراق ، أجازت رئاسة الجمهورية تصويت مجلس النواب على مقترح قانون إنتخابات مجلس النواب ، الصادر بالرقم (45) لسنة 2013 ( بغية إجراء إنتخابات حرة ونزيهة وتجرى بشفافية عالية , ولغرض تمثيــل إرادة الناخب تمثيلا حقيقيا , وفسح المجال للمنافسة المشروعة ، وبعيدا عن التأثيرات الخارجيـة ، ولغرض الإرتقاء بالعملية الديمقراطية شرع هذا القانون ) . إستنادا إلى ما تضمنته المادة (928) من القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951- المعدل ، لإعطاء مجلس النواب المرونة الكافية في تشريع ما يتعلق بمواضيع الشأن العام ، وتعزيز الثقة المفقودة بين الرئاسات السلطوية الحاكمة ، على وفق مبدأ سيادة النظام السياسي الفاشل والهجين ، إنطلاقا من صيحات وصرخات الكيانات بالإلتزام بالدستور ، والعمل السريع لخدمة وإستقرار العراق في ظل إرادات سياسية طائفية متصارعة ، يجسد صورها بيان رئاسة الجمهورية الموجه إلى هيئة رئاسة مجلس النواب بعنوان مقترح قانون إنتخابات مجلس النواب ، وبالنص الآتي:-

(( صوت مجلسكم الموقر بجلسته (32) المنعقدة بتأريخ 4/11/2013 ، على مقترح قانـون إنتخابات مجلس النواب العراقي المقدم من قبل اللجنة القانونية في مجلسكم ، ولما كان (مقترح) القانون هو ( فكرة ) على وفق رأي المحكمة الإتحادية العليا في العديد من قراراتها ، مما كان ينبغي إحالة تلك الفكرة إلى إحدى الجهتين المحددتين في البند (أولا) من المادة (60) من الدستور ، وهما ( رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء ) ، ولما كانت قرارات المحكمة الإتحادية العليا باتة وملزمة للسلطات كافة بمقتضى المادة (94) من الدستور ، ولما لم يتم الإلتزام بحكم البند (أولا) آنف الذكر ، بإرسال ذلك المقترح إلى رئيس الجمهورية أو إلى مجلس الوزراء ، لتقديم تلك الفكرة كمشروع قانون إليكم من قبل إحدى الجهتين المذكورتين ، ولتلافي إحتمالات الطعن بمقترح ( إنتخابات مجلس النواب العراقي ) ، في حالة الطعن به أمام المحكمة الإتحادية العليـا مستقبلا ، فإن رئاسة الجمهورية وبعد الإستئنـاس بآراء خبـراء الدستور ورجال القانـون ، (( تأذن لكم وتجيـز الإجـراء )) الـذي قمتم به ، بتشريع القانـون المذكـور دون الرجوع إلينـا أو إلـى مجلس الوزراء ، على إعتبار أن ( الإجازة اللاحقة في حكم الوكالة السابقة ) ، إستنادا لما تضمنته المادة (928) من القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951 ، آملين أن يكون هذا الإجراء هو الأخير حفاظا على مصداقية وسمعة مجلس النواب الذي نعتز به ونحرص عليه جميعا .)) .

ولغرض الإيضاح فقد نصت المادة (928) من القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951- المعدل ، على إن ( الإذن والأمر يعتبران توكيلا إذا دلت القرينة عليه ، والإجازة اللاحقة في حكم الوكالة السابقة ، أما الرسالة فلا تعتبر توكيلا ) ، وقبل ذلك فإن النظام البرلماني دستوريا لا يحتاج إلى إذن أو إجازة السلطة التنفيذية في التشريع ، بعد سلب إختصاصات السلطة التشريعية بدعوى أن مقترح القانون يستلزم تحويل الأفكار إلى مشروع قانون ، حيث لا يجوز لأية جهة كانت بالطعن في القانون الصادر على أساس إنه مقترح فكرة ، سيما وإن بعض الجهات السياسية إتخذت من ذلك سبيلا لتحقيق أغراضها ، خاصة فيما يتصل بمصالحها المستحصلة من المواضيع العامة ومنها الإنتخابات تشريعا وإجراءات ونتائج ، ولكننا نتساءل عن غياب ذلك النص القانوني عن بصر وبصيرة السلطة التنفيذية وقضاة المحكمة الإتحادية العليا في الحالات السابقة ، وعن عدم مراعاة الأخذ به فيما يتصل بالتشريع والطعن ، وما هو قرار المنتهى التشريعي لما عطل من القوانين بقرارات المحكمة لذات السبب والنتيجة ، حيث لا يمكن القبول بأن يكون الدستور وعلى الرغم من كل سيئاته ومساوئه ، أقل شأنا ومنزلة من مستوى القانون في تسلسل التشريعات النافذة ، إلا إذا وقف القضاء العراقي ممثلا بالمحكمة الاتحادية العليا عاجزا ومرتبكا أمام هذه الفوضى القانونية ، المتمثلة في تفسير المحكمة الاتحادية العليا بالتفريق بين مشاريع ومقترحات القوانين ، بشكل غير موفق في معالجة الخلل القانوني ، المتجاوز على حرمة مهام وإختصاصات مجلس النواب في تشريع القوانين ، وإن أصبح ذلك التوجه آلية يتم بموجبها تحويل مقترحات القوانين إلى مشاريع للقوانين ، على وفق إجتهاد ورؤية المحكمة الإتحادية العليا حصرا ، ولهذا كان على مجلس النواب أن لا يلجأ إلى غير ذلك الطريق ، تلافيا لحجب حق إعداد صيغ مقترحات القوانين والتصويت عليها وتشريعها وفقا للأصول ، ومن ثم إعتبار ذلك وسيلة طعن بيد الكيانات السياسية التي لا تمتلك غير الإبتزاز السياسي والتهديد بالنقض ، في حالة عدم الاستجابة لإملاءاتها ومصالحها ، وبدلا من أن تعيد المحكمة الإتحادية النظر في قرارها السالب لحق السلطة التشريعية في التشريع ، تفاجئنا رئاسة الجمهورية برأي سياسي في إطار غير دستوري ، خاضع لمؤثرات الدعاية الإنتخابية المسبقة ، غير المانعة من إمكانية الطعن بعدم دستورية القانون من الناحيتين الشكلية والموضوعية ، إلا إذا كان هنالك توافق سياسي على عدم الطعن بالقانون قبل يوم الإنتخابات ، مع إدراكنا بأن لا يلقى أي رأي لمختص أو مهتم مهني ، إهتمام السمع بآذان صاغية ، كما لم ولن نجد في السلطات الثلاث من يفند ذلك الرأي مهنيا ، لعدم إمكانية الإبتعاد عن ملابسات السياسة وألاعيب الحكام السياسيين ، بسبب الإصرار على :-

1– عدم إرسال مقترح القانون إلى السلطة التنفيذية ( رئيس الجمهورية ) من أجل تحويله إلى مشروع قانون ، في وقت لم يعرف مكان تواجد رئيس الجمهورية الغائب عن منصبه منذ أكثر من سنة لغرض العلاج ، كما لم يتم إرسال المقترح إلى ( مجلس الوزراء ) لعدم وجود الثقة والإطمئنان على تحويله إلى مشروع قانون ، مع علم مجلس النواب المسبق ، بأن إقرار المقترح

من قبله مباشرة سيكون عرضة للطعن في دستوريته لدى المحكمة الإتحادية العليا ، وفي المجمل فأن ذلك من إشكاليات العمل السياسي غير المتجانس وغير المريح ، الذي لايخدم شعبا ولا يبني وطنا ولا يؤسس لدولة مدنية متحضرة وقوية .

2- تجاهل أغلب الكيانات والكتل السياسية للنتيجة المتوقعة لتشريع القانون ، وعدم الإكتراث لمخاطر نقض القانون في حالة التصويت عليه وإقراره من قبلها تحت قبة البرلمان ، لأنها تريد عرقلة إجراء الإنتخابات ومن ثم تأجيلها لأي سبب كان ، ومنها ما يروج له من أنتهاء الخلافات بشأن تجديد الولاية الثالثة لرئيس مجلس الوزراء ، بأحداث مصطنعة تستدعي إعلان الأحكام العرفية الموجبة لتأجيل الإنتخابات .

3- تجاوز نائب رئيس الجمهورية صلاحياته الدستورية ، كونه ليس رئيسا للجمهورية بالإنتخاب ، ولا يحق له ممارسة صلاحيات رئيس الجمهورية الحصرية ، وإن حل محله في ظروف غياب وخلو غير دستوري ، وذلك ما لم يدركه مستشاري نائب الرئيس من القانونيين وخبراء الدستور ، الذين إستأنس برأيهم وأفادوه دون إبلاغه بأن الدستور العراقي هو القانون الأسمى والأعلى في العراق ، ولا يجوز لأي قانون أن يعلو عليه ، ولا يحق أن تمنح رئاسة الجمهورية توكيلا من خلال هذا الإذن ، والنظام في العراق نظاما برلمانيا وليس نظاما رئاسيا ذو صلاحيات تشريعية .

إن عموم الشعب لا يعلم أن السلطات الثلاث لم تصن الدستور ولم تحترمه يوما ، وقد تلاعبت

بأحكامه دون أن تقوم المحكمة الاتحادية العليا بدورها الرقابي المباشر على دستورية القوانين والأنظمة النافذة ، ولكنها تستجيب لأية دعوى طعن تقدم بالذريعة والمبررات ذاتها ، لأن الوكالة السابقة للمحكمة الإتحادية في الفصل بين السلطات ، أولى من الإجازة اللاحقة للسلطة التنفيذية بالإذن .

وفي مسألة أخرى أود عرضها على فقهاء القانون الدستوري ، لبيان وجهة نظرهم في صحة تفسير جملة ( تكفل الدولة ) الواردة في أكثر من نص دستوري ، ومقترح أن تحل مكانها جملة ( تلتزم الدولة ) ، بالإستناد إلى تفسير جملة ( وكفلها زكريا ) الواردة في القرآن الكريم ، التي تعني ضمها إليه ، أي جعلها منه ، لها ما له وعليها ما عليه ، لإختلاف العلاقة التنظيمية بينهما في الوصف والتصنيف ، حيث يمكن تسوية ما يترتب على الكفالة الشخصية بالتنازل عن الحقوق كلا أو جزءا ، بينما لا يمكن ذلك في إطار التنازل بالكفالة الرسمية عن الحق العام ، مما ينبغي إيضاح المعنى والمقصود والمدلول ، لأن كلمة ( تلتزم الدولة ) واضحة وفيها إلزام محدد للدولة تجاه ما تتكفل به ، أما كلمة ( تكفل الدولة ) فهي متعددة المعاني وغير واضحة الإلزام للدولة بفعل محدد ، حيث تعني ( تتعهد الدولة ) أو ( تضمن الدولة ) أو ( ترعى الدولة ) تحقيق ممارسة حق معين بدون ضمه إليها ، لأن علاقة الدولة بالمواطن ، علاقة تنظيمية تحكمها القوانين والأنظمة ، بمعنى وجود القيد المانع من خروج ممارسات الحريات على ما تقرره من ضوابط ، بل وتفرض الجزاءات العقابية على ما تعتبره مخالفا للنظام العام أو مخلا بالآداب ، وعليه فإن إستخدام كلمة ( تلتزم ) بدلا من كلمة ( تكفل ) ضرورة واجبة ، ليكون الدستور ينبوعا دافقا بما يغني التشريعات المختلفة ، دستور لا يغير القانون مقاصد ومعاني كلمات مواده ، دستور يجعل القانون يسير داخل إطاره ولا يخرج عن حدود الوضوح والحسم فيه ، دستور غير قابل للتفسير والتأويل لأكثر من معنى ومقصد وحسب الأمزجة والأهواء الشخصية غير المؤسسة على أسس وقواعد البناء الصحيح والسليم .

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
800متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

القائد الحقيقي لعراق اليوم.. أين نجده ؟

الى: السيد مقتدى الصدر: الى : رئيس واعضاء مجلس النواب الى: الكتل السياسية في مجلس النواب: الشعب ينتظر اختيار قائد لمنصب رئيس الوزراء.. ولكم مواصفته:   ـ إن ظروف...

تحسين أداء القيادة لا يمكن ربطه بإدخال فئة عُمرية معينة

مِـن المؤسف أن يتحدث بعض السياسيين وغيرهم، عندما يتعلق الأمر بتجديد القيادة، أن يربطوها بمرحلة زمنية من عُمر الإنسان، بخاصة إدخال عناصر شابة فيها،...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مكانة الكعبة المشرفة عند الأديان الأخرى

(( أن لمكة المكرمة قدسية خاصة عند المسلمين كافة في توجههم للصلاة وقلوبهم مشدودة إلى الكعبة المشرفة وحجرها الأسعد كونها قبلة العالم الإسلامي والغير...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

بلا عنوان!!

بلا عنوان!! هل هي دولة , وطن , جمهورية , مملكة , أم خان إجغان؟ تعددت الأسماء والحال واحد!! أين الوطن؟ لا ندري البعض يرى أنه في خبر...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الوطنية ليست ادعاء

في سبعة عشر عام انتهج الساسة في المشهد العراقي مواقف متعددة بين التصعيد لكسب مطالب من الشركاء ومنهم من جعل المصلحة العامة فوق كل...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مملكة الأكفان البيضاء!!

1 ــ توج مقتدى الصدرين, ملكاً شديد التبذير, لا من ارث اجداده, بل من قوت الجياع, ولا ينقص الشركاء, سوى تقديم طلباتهم, للموافقة على...