الأحد 25 آب/أغسطس 2019

غزو الفضاء

السبت 15 أيلول/سبتمبر 2018
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

توصف بعض الدول في العالم ببعض المسميات التي تميزها عن غيرها وفق تلك المسميات . نقرأ ونسمع مثلا عن مجموعة الدول النووية ، أي الدول ذات القدرات النووية ، كالولايات المتحدة الامريكية وروسيا والمملكة المتحدة وفرنسا والصين ( أي وفق معيار القدرات النووية التي تمتلكها تلك الدول ) ، وكذلك نقرأ ونسمع عن مجموعة الدول المتقدمة ، كالولايات المتحدة الامريكية وروسيا ومعظم الدول الأوربية ( وفق معيار مستوى التقدم والرفاه الاقتصادي لتلك الدول ) . والأهم من كل ذلك نسمع ونقرأ كثيرا عن مجموعة الدول المتميزة والمعدودة جدا التي غزت الفضاء مثل الولايات المتحدة الامريكية وروسيا والصين والعراق اضافة الى مساهمات بعض الدول الاخرى في بعض برامج غزو الفضاء من خلال تطوير بعض تكنولوجيات الفضاء.
قد يستغرب البعض من ادراج العراق ضمن مجموعة الدول التي غزت الفضاء ، ولكن المسألة حقيقية مع الاعتراف بوجود اختلاف جداً بسيط بين غزو الفضاء من قبل الدول المتقدمة كالولايات المتحدة وروسيا والصين وغزو الفضاء من قبل العراق ، وهذا الاختلاف البسيط ينحصر في مسألة التعبير فقط ( استبدال حرف الكاف بحرف الطاء ووضعه بعد حرف الواو ). فالدول المذكورة ( عدا العراق ) تغزوا الفضاء “الكوني ” لاكتشاف اسرار الكون والحياة لخدمة البشرية ومستقبلها ، في حين ان العراق ابتدأ بغزوا الفضاء “الوطني ” لاكتشاف اسرار العملية السياسية للاستمرار بخدمة المصالح الفئوية والحزبية الضيقة وتغطيتها بشعار او تعبير ” الفضاء الوطني ” ، لإستغفال معظم فئات المجتمع التي تتميز غالبيتها بالجهل والتجهيل وعدم القدرة على فهم أبسط مقومات الممارسة الديموقراطية الصحيحة .
بعد الانتخابات البرلمانية لعام ٢٠١٨ ، وبالرغم من الملابسات والتشكيكات التي رافقتها الى جانب مرور حوالي خمسة عشر سنة على تولي احزاب الاسلام السياسي المتخلف (بطبيعته) لمعظم تلك الفترة ، برزت مرة اخرى حقيقة معظم القوى والأحزاب السياسية للاستئثار بمقدرات البلد بنفس السياقات السابقة وبنفس القيادات والوجوه ولكن تحت شعار ” الفضاء الوطني ” الذي لم يفهمه احد من عموم الشعب سوى قيادات تلك الأحزاب والكتل . فالفضاء الوطني بمفهومنا يعني التجرد الكامل من اي شعور للإنتماء الحزبي والفئوي والطائفي والطبقي والقومي وتغليب مطلق تماما لصفة الوطن على كل مسميات الانتماء السابقة . فالمتتبع الذكي لما جرى خلال الفترة التي سبقت الاجتماع الاول لمجلس النواب المنتخب وما جرى اثناء الجلسة من مواقف مسرحية ( تليق بالفعل بمستوى الثقافة والتعليم والإدراك والمسؤولية التي يتمتع بها معظم النواب المنتخبين من قبل الشعب الجاهل والمغيّب معظمه ) يستطيع ان يكتشف بسهولة مدى تفضيل معظم أعضاء مجلس النواب لمصالحهم الفئوية والحزبية والطائفيةالضيقة ، وإلا كيف تفسر المخالفة الدستورية في عدم انتخاب رئاسة البرلمان ومساعديه في الجلسة الاولى ، حسب الدستور الذي ينادي الجميع شكليا بتطبيقه ، ومسرحية كل من الكتلتين ( الطائفيتين ) بإعلان كونها الكتلة الأكبر ، وماذا تفسر تنقلات أعضاء مجلس النواب المنتخب المكوكية بين التكتلات الحزبية ، لا أعلم كيف يرشح شخص نفسه ضمن قائمة معينة يؤمن ببرنامجها الخاص والمعلن وخلال أسابيع ، بل بأيام ، ينتقل الى تكتل اخر يختلف ببرنامجه وتوجهاته ، وهذا يعني اما ان ذلك النائب لا يهمه اي برنامج سياسي ، وهو بذلك عبارة عن جاهل وانسان وصولي ، أو انه يساوم لمصلحته الشخصية على حساب المصلحة الوطنية وبثمن مغري مدفوع لا غير .
الفضاء الوطني في العملية السياسية لا يعني تشكيل حكومة ذات صفة طائفية بالأساس ومشاركة عدد من مكونات معينة اخرى يحويها المجتمع في الحكم لخلق توازن بين تلك المكونات. المشكلة الاساسية هي ان معظم الأحزاب المؤثرة في الساحة السياسية هي احزاب اما فئوية ( ينتمي معظم أعضاءها من فئة معينة) ، او طائفية ( ينتمي معظم أعضاءها لطائفة معينة ) ، أو قومية ( ينتمي معظم أعضاءها لقومية معينة ) ، أو حتى شبه عائلية . جميع هذه النماذج من الأحزاب لا يمكن ان تنطلق من فضاء وطني أبدا ، ويمكن ، حتى لغير المثقف ، ان يعي ذلك من الواقع العراقي الحالي .
الخلاصة، ليس هناك اي مفهوم او مصطلح حقيقي بمعنى “الفضاء الوطني” ضمن العملية السياسية في العراق ، وهذا المصطلح الذي استخدم في المرحلة الحالية من قبل السياسيين ما هو الا عبارة عن غلاف من “السيلوفين ” يغلف العملية السياسية بشكل جيد لكي لا تفوح منها روائح الماضي.




الكلمات المفتاحية
الاسلام السياسي غزو الفضاء

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.