موسكو وأربيل

نحن الكورد شهدنا سنوات متشابهات تهاوت وإنهارت فيها المفاهيم الإنسانية، وخضنا مع الحكومات العراقية تجارب مرة ما زالت آثار ندوبها واضحة للعيان، تفاعلنا مع أحداثها، بعضها غيرت الشك الى يقين، وبعضها الآخر شكلت علامات فارقة تدل إستحالة إعتراف الآخرين بحقوقنا.

العام الماضي ليس مثل غيره من الأعوام، وما يميّزه هو الإصرار عدم الإستسلام أو الإنحناء وشكّل علامة فارقة على الجبين، لأنه غيّر مسار الكثير من المحاور السياسية التي كانت قائمة، وكان عاماً حافلًا بالتجاوزات العنيفة تجاهنا، لأنه بعد أيام معدودة من الإستفتاء الذي جرى في أيلول 2017، تحوّلت بعض المواقف المؤيدة والصداقات إلى ترقب لمآلات الأحداث. وجهات أخرى أدارت ظهرها لشعب وحكومة الاقليم، وأخذت تبحث عن ورقة رابحة تحقق لها ما تطمح إليه، وتحوّلت غيرها الى ممارسة العداوات وفرض الحصار وشن الهجمات، وضرب البنية التحتية لكوردستان، وتحريض الناس ضد بعضهم البعض وبث الفتن لإرباك الأوضاع، وإعادة الإقليم الى المربع الأول، فخططت وصنعت الأزمات وعاشت نشوة نصر متخيّل، وبعضها ركضت وراء قرص الشمس لتسدها عنا بأيديها.

في المقابل كانت هناك محاولات جريئة من جهات عدة بلغت مرتبة الإنقاذ، رغم خياراتها المحدودة، فتحملت المسؤولية وأصبحت مؤيدة ومساندة، وبحثت عن أنبل تعبير ليسجل كبدايةً لانطلاق علاقات حقيقية جديدة. من بين تلك المواقف موقف موسكو والرئيس فلاديمير بوتن، تلك المواقف التي تستدعي منّا وقفة تأمل أمام معايير الربح والخسارة في مسار العلاقات بين الشعوب، خاصة وإنها قدمت إشارات تعتمد على القرارات القوية والعقل السياسي الجرىء في لحظات التحولات التاريخية الكبرى. وأشارت الى أنه لابد من التعامل مع الأحداث بإسلوب البحث عن الحلول المناسبة لكافة المشكلات والقضايا المصيرية، وإحقاق الحقوق المهدورة بسلام وأمان، ومنع عودة الخيبة والخسارة وتجنب الويلات و تكرار المآسي.

في العام الماضي، خلال الجلسة العامة لمنتدى أسبوع الطاقة الروسي، قال الرئيس بوتين: (موسكو لا تتدخل في مسألة كوردستان، وتصرفاتنا تهدف إلى عدم اشتعال الموقف، وموسكو لا تقوم باستفزاز أحد، ونحن لدينا علاقات طيبة مع الكورد، ونحاول دعوتهم للحوار). كما قال: (لذلك فإن تصريحاتنا حذرة جداً، وموجهة ليس نحو التأزيم، بل لتصحيح الوضع، وتهدف الى إيجاد سبيل للتواصل حتى في أصعب حالات النزاع، والتعاون للبحث عن خيارات مقبولة للجميع).

وبالأمس، 7/6/2018، قال الرئيس بوتين: (لدينا مع الشعب الكوردي بالمعنى الواسع للكلمة علاقات ودية تاريخياً ونثمن عالياً سعي الشعب الكوردي إلى حماية حقوقه، ونحن نرى ما يجري من تطورات في العراق ونرى كيفية تأثير القرارات في سياق الاستفتاء العام في كوردستان العراق وكيف يتم تحقيقها وتحويلها إلى أرض الواقع، وذلك في إطار الحفاظ على وحدة الدولة العراقية، ونحن نحتفظ بعلاقاتنا مع السلطات المركزية في بغداد ونعتبر كل خططنا في إقليم كوردستان شرعية وواعدة وليست موجهة للتدخل في النزاعات أو التشجيع على النزاعات الداخلية في العراق، بل بالعكس كل مشاريعنا تهدف إلى تطوير العلاقات الطبيعية والتعاون الطبيعي مع العراق ومع مكوناته بما في ذلك إقليم كوردستان، فهذه المشاريع واعدة ونتمنى أن يتم تنفيذها).

هذه المواقف، ترسل رسائل قوية للعراق أولاً والدول الإقليمية وكل العالم مفادها، أن كوردستان منطقة حيوية جديرة بالإهتمام والتقدير والتعامل معها على أساس الدستور والإحترام المتبادل والمصالح المتبادلة. وتثبت نجاح السياسة النفطية لحكومة الإقليم برئاسة نيجيرفان بارزاني، ومتانة العلاقات بين موسكو وأربيل، كما تثبت أن روسيا مطمئنة من عدم وجود مخاطر وتهديدات جدية في الإقليم، وغير قلقة من مستقبل كوردستان.

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
774متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

الرواية النَّسَوية – النِّسْوية العراقية وإشكالية المثقف

يذكرنا ما جاء في المقالة الموسومة " تقويض السلطة الذكورية في الرواية النّسوية العراقية" للكاتب كاظم فاخر الخفاجي والكاتبة سهام جواد كاظم الصادرة في...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ليسَ السيد مقتدى المحكمة الإتحادية هي سيّدة الموقف الآني .!

بعدَ أنْ حسمَ رئيس التيار الصدري أمره أمام قادة " الإطار التنسيقي " مؤخراً , وليسَ واردا أن يغيّر الأمر كلياً في لقائه المرتقب...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

المنطقة ما بعد مؤتمر فيينا..!!!

هل سيكون مؤتمر فيينا ،الوجه الآخر لسايكس بيكو،في تغيير جيوسياسية المنطقة،وماذا سيكون شكل المنطقة،ومن هي القوة التي ستتحكم فيها وتفرض هيمنتها عليها،كل هذه الاسئلة...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

يمكنك أن تشعر بجفاف الدلتا في العراق من حليب الجاموس

ترجمة: د. هاشم نعمة كانت أهوار جنوب العراق مهد الحضارة الإنسانية، إلا أن تغير المناخ و"الإدارة السيئة للمياه" يهددان هذا النظام البيئي الفريد. رعد حبيب الأسدي...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ناقوس الخطر لشحة الرافدين

يعيش العراق منذ سنوات عديدة أزمة مياه آخذة بالتصاعد عامًا بعد آخر، أزمة باتت ملامحها واضحة في الشارع العراقي بعد أن تسبب شح المياه...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

من المستفيد من عدم تطبيق قانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لسنة 2009

من خلال خبرتي الطويلة بالصحة البيئية، سأسلط الضور على "بعض" مواد قانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لسنة 2009 التي لم تطبق لحد الآن...