ليس كل ما مضى من التشريعات … مات – ١

لقد عرفنا التشريعات العراقية بنصها القانوني مكتوبة بالحرف وبالكلمة وبالجملة المفيدة ، وقرأنا تراكيب ألفاظها بصياغات عراقية خالية من الشوائب واللحن ، وتذوقنا نكهتها العربية الأصيلة الخالصة ، المفعمة بالقواعد والحكم البالغة ، القاطعة في ثبوت دلالاتها وحقائق وقائعها ، لمجتمع حي يستند في عمله ويمارس أنشطته المختلفة ، على وفق الأسس والمبادئ والقيم الإنسانية السامية والقواعد المتينة الرصينة ، التي يعضد بعضها البعض الآخر في تناسق وإنسجام مترابط ، لا أمتلك مفردات وصفها بنفس قدرة النصوص القانونية على التعبير عن مضمونها وجوهر أهدافها ، بإعتبارها قواعد سلوك منظمة لحركة واجبات وحقوق الأفراد والجماعات المتحضرة ، ومرآة عاكسة لصور وقائع الحياة العامة للمجتمع ، وأدلة البراهين على الإتجاهات الفكرية والفلسفية للدولة المدنية المعاصرة ، وتوجهات حكامها السياسيين وأساليبهم في كيفية إدارة شؤون البلاد والعباد ، ومعالجة المشاكل والعقبات والمعوقات ، وتلبية المتطلبات والحاجات بعد توفر العام من الإمكانات ، بمنظور ومعايير الدولة في تعاملاتها الداخلية وعلاقاتها الخارجية .

  وعلى الرغم من خضوع العراق الحبيب ، لأكثر من إحتلال أجنبي خلال قرن من الزمن ، إلا إن الشعب الولود لم يستسلم لآفات الجهل ورغبات المستعمرين وأذنابهم ، بل حث خطى التنظيم والنمو في كل المجالات والميادين ، مستلهما مما إحتواه تـأريخ تشريعاته منذ زمن مسلته الحمورابية ، أصالة المنبع في توجيه وتكييف النصوص القانونية إلى مقاصد معانيها ، فكانت بداية عهد الدولة الحديثة في ظل الإحتلال البريطاني ، أكثر نضجا ودقة في التشريع الوضعي ، وأكثر حرصا ونزاهة وإستقامة وأمانة في التنفيذ ، قياسا بما جرى في ظل الإحتلال الأمريكي البغيض للعراق بعد قرن من الزمان ، بسبب السعي إلى تخريب كل شيء بشتى الوسائل والأساليب ، فتعددت منابع وأصول ومواصفات ضعفنا المؤقت ، القاتل لروح المواطنة بالإضطهاد والتنكيل والقهر والحرمان ، والتمييز المخل في منح الحقوق للمواطنين ، وشيوع سياسات التهميش والإقصاء والإجتثاث على أسس الإنتماء السياسي أو الطائفي أو العرقي أو المذهبي الديني ، ليتدافع الناس نحو سيول وتيارات جني المنافع وتحقيق المصالح الشخصية ، والإنزلاق في متاهات طرق ومناهج إستغلال فرصة غياب الدولة والقانون ، بتوجيه من سياسات خارجية دخيلة هجينة ، وأنامل داخلية داعمة للإنشغال بما لا يمت بصلة إلى إستمرار وديمومة العمل المهني في البناء والتطور والنمو الوطني .

لقد كان لفقدان الثقة بين الحاكم الدخيل والمحكوم الأصيل ، وإتكاء الأحزاب والسياسيين على قاعدة ( كلما جاءت أمة لعنة أختها ) ، الأثر البالغ في إستمرار وزيادة حدة دوران رحى طواحن سحق الحقوق والإمكانات المادية والطاقات البشرية من غير خجل أو حياء ، وبدوافع التجرد من الحس الوطني والشعور العال بالمسؤولية التضامنية ، بسبب قصور الرؤية الوطنية إن لم يكن إنعدام المنظور الفكري المهني لدى السياسيين ، وعدم إمتداد آفاق التطلع الواقعي للمستقبل الواعد ، إلى أبعد من حدود حافات مواضع كراسي السلطة ومواقعها ، وما تحققه من مكاسب ومغانم وإمتيازات شخصية آنية زائلة بذاتها وبأصحابها ، إلى حد بلوغ إعتبار الإهتمام بالمردودات المالية من كل شيء وعلى حساب كل شيء ، أولى وأغلى من تحقيق مصالح الشعب ، الذي لم يكن ممثليه ( ديمقراطيا ) بمستوى ثقة ناخبيهم بعد أداء اليمين ، حين تأكد المهتمين والمتابعين لشؤون إدارة السلطات المختلفة ، خواء البعد الإستراتيجي لدى أغلب عناصرها ، وحاجتهم الشديدة إلى معرفة أبجدية الإدارة العامة للدولة وأولويات التشريع فيها ، التي كان من المفروض إستكمالها من حيث توقفت ، برؤى التغيير والإصلاح المثمر على يد متخصصين مهنيين فكرا وممارسة ، وليس على أيدي سياسيين ورجال دين لا يجيدون غير الثرثرة من على منابر أرض الرافدين ، كما غاب عن دعاة التدين السياسي ، المتعطشين لمسك مقاليد السلطات والحكم من غير تأهيل ، وجوب النظر بعين اليقين بأن ( الإمارة أمانة ، وإنها خزي وندامة يوم القيامة ، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها ) . ومع إن المسؤولية هي كذلك في الدنيا قبل حساب الآخرة ، لعدم وجود من جمع بين أخذها بحقها وأداء الذي عليه فيها ، أو ندرة من تحقق عنده أحد الشرطين من أجل النهوض بالبناء ، وإستكمال العمران إلى حيث التقدم والإزدهار ، إلا إننا لم نجد في معظم صور مسؤولي الأخذ والعطاء المؤطر بأمانة التصدي الإداري ، غير اللاهثين حول مواقع ومغانم السلطة ، وهم يحملون معاول وفؤوس ومطارق الهدم والتخريب العام ، لأنهم لا يظنون بأن جرأة غير المختصين علميا أو غير الممارسين فعليا ، على تولي مسؤولية إدارة التشكيلات الإدارية أو المالية أو الفنية للدولة ، قبل إمتلاكهم الحد الأدنى لما ينبغي توفره فيهم ولديهم من الكفاءة والخبرة العملية التطبيقية ، وإن كان بدعم ودوافع جهات غير مهنية وغير نزيهة ، هلاك لمقومات الدول وأعمدة بنائها ، وهدر وتفريط بصحة وسلامة إدارة أعمال التشريع والمراقبة ، كما إن الإتكاء على الشهادات الدراسية الأكاديمية الحقيقية أو المزورة ، الخالية إختصاصاتها من بذور التطبيقات العملية الأولية لكل ما له علاقة بمهام وواجبات وإختصاصات دوائر الدولة التي يتولون شؤونها ، بدعوى إمكانية التعلم وتسيير الأعمال بالإستناد إلى ما سيقدمه صغار الموظفين من المعلومات ، وبدون إدراك لما سيؤدي ذلك من ضياع فرص التطوير الذاتي والجمعي معا ، وإبعاد لطاقات تحديد وتشخيص نشاطات الإمتدادات المعرقلة لأداء العملية الإدارية ، ومنع تبسيط الإجراءات التنفيذية وآليات تطبيقاتها العملية بأقل جهد ووقت وكلفة ، وإبطال فاعلية النصوص القانونية بإخراجها عن مسارها الصحيح والسليم في التشريع أو التنفيذ ، سعيا لإطالة أمد تمتع الطارئين من المتطفلين على إدارة شؤون الدولة بإمتيازاتها المادية والمعنوية ، من خلال إحتفاظهم بإشغال مراكز ومواقع وظيفية رئيسة إلى أبعد فترة ممكنة ، دون مراعاة المحافظة على هيبة الدولة ومصالح الشعب ، بتبوء تلك المواضع وإعتلاء صهوات مناصبها بإستحقاقات مؤثرة وفعالة نحو الأفضل والأتم ، عند تطبيق بعض التشريعات السابقة ، دون تركها وإهمالها ، ومنها على سبيل المثال :-

1- نص القرار المرقم (190) لسنة 1994، على ما يأتي :- (1)

أولا – على كل مسؤول في الدولة أو موظف أو مكلف بخدمة عامة ، تلقى هدية من جهة أجنبية أو جهة غير عراقية وبأي كيفية كانت ، الإخبار عن هذه الهدية بغض النظر عن قيمتها ، وذلك خلال مدة (15) خمسة عشر يوما من تأريخ تسلمه إياها إذا كان داخل العراق ، و (30) ثلاثين يوما إذا كان خارج العراق ، وتسجل الهدية إيرادا للخزينة .

ثانيا – تعاد الهدية إلى متلقيها إذا تبين بعد أن سلمها أن قيمتها تقل عن (200) مئتي دينار .

ثالثا- يعاقب بالحبس أو بغرامة تعادل أربعة أضعاف قيمة الهدية أو بكليهما ، كل من أخفاها أو لم يخبر عنها أو تصرف بها بأي وجـه من الوجوه مع مصادرتها عينا ، وإن تعذر ذلك فيستحصل منه مبلغ يعادل قيمتها السائدة .

رابعا- لا تسري أحكام البندين (أولا) و (ثانيا) في أعلاه ، على الهدايا الممنوحة كمكافأة تقديرية للممنوحين بها من مصدر أجنبي أو غير عراقي ، عن مساهمة أو مسابقة أو مباراة علمية كانت أم أدبية أم فنية أم رياضية ، أم لأي غرض مماثل لها .

2– نص القرار المرقم (10) لسنة 1996(2) ، على أن ( يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات ، كل من ظهر في الأماكن العامة ، متخذا حرسا لحمايته لم يتقرر له من جهة مخولة بذلك ، ويعاقب أفراد الحرس بالعقوبة ذاتها ، ولا يحول ذلك دون فرض عقوبة أشد ، إذا كون الفعل المرتكب جريمة أخرى )

3- نص القرار المرقم (24) لسنة 1997(3) ، على أن ( يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ، كل من ادعى بمطالبة عشائرية ضد من قام بفعل ، تنفيذا لقانون أو لأمر صادر اليه من جهة أعلى ) .

4- القرار المرقم (18) لسنة 1998، المتضمن :- (4)

أولا- يعتبر سارقا ، كل موظف حاز مركبة عائدة لشركة أجنبية تركت العمل في العراق ، ولم يبلغ دائرته بذلك ، خلال مدة ثلاثين يوما من تأريخ نفاذ هذا القرار .

ثانيا- يعاقب كل من خالف أحكام البند (أولا) من هذا القرار ، بالحبس مدة لا تقل عن سنتين.

5- نص القرار المرقم (206) في 27/11/2000(5) ، على ما يأتي :-

أولا- يعاقب بالسجن أو الحبس ، مدة لا تزيد على (7) سبع سنوات ولا تقل عن (3) ثلاث سنوات ، كل من نسب نفسه زورا إلى نسب السادة ، من سلالة الإمام علي بن أبي طالب وذريته عليهم السلام ، أو دخل في شجرتهم ، أو إلتحق بعشيرة من عشائرهم ، أو إنتحل ألقابهم أو أنسابهم وهو ليس منهم ، وتصادر أمواله المنقولة وغير المنقولة .

ثانيا- يمهل المشمول بأحكام البند (أولا) من هذا القرار ، مدة (6) ستة أشهر من تأريخ نفاذه ، لتصحيح نسبه أو عشيرته أو لقبه إلى نسبه الحقيقي في دائرة الجنسية والأحوال المدنية ، وفي جميع الوثائق والمستندات الرسمية .

ثالثا- مع مراعاة أحكام البند (ثانيا) من هذا القرار ، يمنح كل من أخبر عن إحدى الحالات المنصوص عليها في البند (أولا) من هذا القرار ، مكافأة بنسبة (50%) خمسين في المئة من قيمة الأموال المصادرة .

رابعا-1- يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على (3) ثلاث سنوات ولا تقل عن سنة واحدة ، كل من إنتسب زورا إلى عائلة محددة أو حمل إسمها أو لقبها من غير رضاها ، ولا يشمل ذلك الإنتساب إلى المدن أو المهن .

2- عند حصول النزاع على الإنتساب إلى عائلة محددة بين طرفيين ، فعلى المحكمة أن تتحقق أولا ، من أي منهما أسبق في الإنتساب إلى تلك العائلة ، وتقرر ما يأتي :-

أ- الحكم على المنتحل- بسوء نية بإخفائه إسم عائلته الأصلية- بالعقوبة المنصوص عليها في الفقرة (1) من هذا البند .

ب- إعطاء الحق بالنسب أو اللقب إلى العائلة السابقة فيه .

ان تفعيل أحكام القرار المذكور ضرورة واجبة ، بعد تزايد أعداد المدعين بالانتماء الى النسب الشريف بعد الاحتلال ، مستغلين تعطيل تنفيذ القوانين ، لتحقيق مكاسب دنيوية لا يقبلها ولم ولن يمارسها أصحاب النسب أنفسهم على مر التأريخ والأحداث ، ولا يوجد على الأرض من يستطع وصف أخلاقهم وسلوكهم وزهدهم ، أو أن يكون على قدر عشر معشار بعض سجاياهم النبيلة والكريمة الحميدة بالتقليد أو بالاتباع ، اضافة الى أن رسول الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال : (( من يبطء به عمله لا يسرع به نسبه)) ، إلا إن الذي حصل هو إلغاء القرار موضوع البحث ، بحجة إخضاع الأفعال الجرمية المتشابهة إلى أحكام متقاربة في قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969 ، حسب الأسباب الموجبة للتشريع .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- نشر القرار في جريدة الوقائع العراقية بالعدد (3535) في 3/11/1994 ، مع ملاحظة تغير قيمة الهدية ؟

2- نشر القرار في جريدة الوقائع العراقية بالعدد (3602) في 29/1/1996 .

3- نشر القرار في جريدة الوقائع العراقية بالعدد (3664) في 7/4/1997 .

4- نشر القرار في جريدة الوقائع العراقية بالعدد (3713) في 16/3/1998 .

5- نشر القرار في جريدة الوقائع العراقية عدد(3856) في 11/12/2000 ، وألغي بالقانون رقم (40) لسنة 2012- المنشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد (4241) في 4/6/2012

 

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
769متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

فخامة الرئيس

من القليل الذي تسرب من جلسات سرية وراء الكواليس بين الأطراف المتشاكسة في العراق تبين أن العقدة ليس لها حل سهل وقريب، وأن  صيغةَ...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ما هي سلالة B.1.1.529 ( او ميكرون ) وما تأثيرها على العراق؟!

بعد أن شعر العالم بنوع من الاطمئنان بحصول نحو 54 % من سكانه على جرعة واحدة في الأقل من اللقاح المضاد لكوفيد-19 ، وبعد...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

سوسيولوجيا ظاهرة الإلحاد وخطرها على المجتمع (الشباب تحديدا)؟

في العربية نكتب من اليمين الى اليسار ونطوف الكعبة على هذا النحو نُلبي ونكبر الله ونحمده على آلائه ونعمه، ربنا الذي أعطى كل شيء...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

منتدى الأمن الاقليمي: ايران والكيان الاسرائيلي؛ ايهما يشكل تهديدا استراتيجيا للمنطقة العربية

انتهى قبل ايام منتدى الامن الاقليمي، الذي عُقد في المنامة عاصة البحرين، ضم دول الخليج العربي ودول عربية اخرى، الاردن ومصر، اضافة الى اسرائيل،...

إليك يا وزير النقل

عندما تضع الشخص المناسب في المكان المناسب فذلك هو المسار الصحيح ولكن عكس ذلك يجعلك في خانة الاتهام والشبهة ولا تلم من يسوق لك...

من أعلام بلادي البروفيسور ” شاكر خصباك “

أن ا د شاكر خصباك من مواليد 1930 الحله يعد واحداً من أعلام العراق المعاصر فهو قاص وروائي وكاتب مسرحي ومترجم وكاتب مذكرات ومقالات...