الجمعة 19 أغسطس 2022
35 C
بغداد

الجريمة والعقاب

لكلّ جريمةٍ عقاب ، وهذا هو نهجُ العدل الالهي في جميع الأديان السماوية اضافة الى القوانين التي شرعها البشرُ منذ عصر حمورابي ولحد الآن . وفلسفة العقاب ليستْ فلسفة تعسفية وانما وسيلة ضرورية لتحقيق هدفين هما : أولا ايجاد رادع قوي لمنع حدوث الجريمة وانتشارها ، وثانيا انصاف المتضررين من وقوعها بالقصاص من مرتكبيها . ومن المعلوم أن العقاب يتناسب حجمهُ ودرجتهُ مع حجم ودرجة الجريمة المرتكبة . والذي يتحدث عن الرحمة والشفقة تجاهَ المجرمين ، ويطالبُ بتخفيف الأحكام القضائية عنهم يتخندقُ مع المجرمين بنفس الخندق وفقاً لمنطق ( حماية الجريمة والمجرمين ) . والذي يتحدث عن حقوق الانسان عليه أن يتحدث أولا عن الحقوق المهدورة لضحايا الجريمة قبل أن يتحدث عن حقوق المجرمين . وللأسف الشديد أصبحَ العقاب في عراق ما بعدَ عام 2003 عقاباً انتقائيا يتم تنفيذه وفقَ اجتهادات وأمزجةٍ خاصة ، وحسب الحاجة لتنفيذه أو لتأجيله أو ربّما لإلغائه . وهذا الأمرُ مخالف تماماً لحقوق الانسان ومفهوم العدالة . والطامةُ الكبرى أن بعض الجرائم التي لا يمكن التعامل مع مرتكبيها بعين الرأفة لفظاعتها ما تزالُ تتأرجحُ بين هذا الرأي وذاك الرأي وكأنها جرائم عادية بسيطة . وعلينا أن نتخيل العدد الهائل من الارهابيين السفاحين القابعين في السجون الذين تجاوز عددهم الثلاثة آلاف والمحكومين بأحكام شديدة يصلُ بعضها الى الاعدام وهم يأكلون ويشربون ويتمتعون بأفضل الخدمات تحت غطاء ( حقوق الانسان ) . وعلينا أن نتخيل كم من أمثال هؤلاء المجرمين قد أفرجَ عنهم نتيجة بعض الوساطات من دولهم وكأن الدماءَ والأرواح العراقية لا قيمة لها . الموضوع ليس نسجاً من الخيال ، بلْ انهُ الحقيقة التي يعرفها الجميع ويعرفون حجم التهاون في تنفيذ الأحكام القضائية ضدّ أولئك الذين عاثوا بالبلاد فسادا . ان هذا التعامل غير الشريف مع المجرمين خيانة عظمى للبلد وللشعب وللضحايا ، كما أنهُ يمثلُ اغتصاب حقوق المغدورين وضياع العدالة ، وفي نفس الوقت يعتبرُ عاملاً مساعدا على نمو الجريمة وانتشارها . وان منطق ( عفا الله عمّا سلف ) لا ينطبقُ على هذا الأمر اطلاقاً ، لأن الجرائم الكبرى لو خضعت لهذا المنطق لأصبحت الحياة غابة من الوحوش البشرية ، ويتعذرُ فيها عيش الفرد بأمن وأمان . وعلماء الاجتماع يرون أن المجرمَ المتمرس في جرائم كثيرة لا تنفعُ معهُ فرصُ العفو باعتبار الجريمة أصبحت لديه غريزة تحرّكُ هواجسه وجوارحهُ باستمرار . ثم ماذا سيكون ردّ فعل المتضررين من تلك الجرائم إزاء عدم تنفيذ الأحكام القضائية وترك المحكومين في نعيم السجون العراقية . هل سنجيبهم اكراماُ لفلان ولعلان ؟ وهل سنقول لهم من أجل عدم المساس بمشاعر بعض السياسيين المحسوبين ظلماً على العملية السياسية ؟ وهل سنقنعهم على نسيان الماضي المؤلم من أجل عودة العلاقات مع هذه الدولة أو تلك ؟ وهل يعقلُ أن تكون الدماء الغزيرة التي سالت والأرواح الكثيرة التي أزهقت قرابين السياسة الفاشلة ؟ ولكن ليعلم كلّ خائن للوطن وللشعب أن دماء الضحايا لن تجف وسوف تبقى تتكلم وكما قال الجواهري ( أتعلمُ أمْ أنتَ لا تعلمُ …. بأن جراحَ الضحايا فمُ ) .

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
868متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

لماذا يُراد دفع الصين للحرب؟!!

المديونية العالمية بلغت حسب تقارير المختصين أكثر من (350) تلرليون , ولا توجد دولة بلا مديونية , ومنها الصين التي ربما أخطأت في سياستها...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ماذا تنتظر المرجعية من أزمة التيار والأطار؟

منذ الأحتلال الأمريكي والبريطاني الغاشم على العراق ، والعراق تحول الى أزمة! فكل يوم نحن في أزمة وبين أزمة وأزمة نعيش في أزمة ،...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

(لاءات) لا مجال لرفضها

(لاءات) لا مجال لرفضها لا يمكن تغيير النظام السياسي في العراق. لا يمكن تغيير او الغاء الدستور. لا يمكن حل البرلمان. لا يمكن اجراء انتخابات مبكرة. لا يمكن الغاء...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

النظرة الشزراء-7

رغم حرصها على ان تحول بيني وبين الدراسة ورغم افتعالها حوادث تقصد بها اثارة غضب الاب ما يعرضني للعقاب الا انني احتملت بصبر وجلد...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

خطوة حكيمة للسيد الحكيم

اثارت زيارة السيد عمار الحكيم للملكة العربية السعودية اهتمام اعلامي محلي وعربي كبير, خصوصا في هذا التوقيت حيث يعيش البلاد ازمة خطيرة, فبعد ان...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

نعم — لا تتورطوا بالدم العراقي

قال الكاظمي في كلمة له خلال الجلسة الاعتيادية لمجلس الوزراء، كان قرارنا في هذه الحكومة هو ألّا نتورّط بالدم العراقي، لا اليوم ولا غداً،...