الأحد 3 يوليو 2022
35 C
بغداد

قراءة ثقافية في كتاب ( رغيف و كتب )

لباسم حسين غلب
( التواريخ الموحشة في جمهورية الجوع المرعبة)
مدخل : إن المنحى التصويري و التوصيفي و الإعلامي و التوثيقي ، الذي أخذت تستشف به فصول و أخبار و إحالات عنوانات هذا الكتاب المركزية و الفرعية ، حيث يمكننا صوغها بهذا القول : بعد كل مجزرة دكتاتورية جديدة من سلسلة مجازر و مؤامرات الدول الإقليمية و بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ، و خصوصا فيما يتعلق بتلك الدوافع التي جعلت من جامحية هذه الدول و مجلس الأمن ، تقيم أشد العقوبات الاقتصادية على الشعب العراقي رصدا ، و ذلك بعد صدور أوامر الطاغية العسكرتاري صدام حسين ، باجتياح أراضي دولة الكويت . من جهتي هنا أعلن عن بداية المؤامرة العقوباتية و مترتباتها السياسية ، و التي خصت معنوية المحدق الأكبر وهو عين اللحظة الاعتبارية من قبل مخططات الحسبان الأمريكي حينذاك . إن حكاية فصول ( رغيف و كتب ) للكاتب باسم حسين غلب التي راح يستعرض لنا من خلالها أهم خلفيات و دوائر المؤامرة الغربية الدولية ، و في شكلها الإحالي الموثوق تصديقا و مصدرا ، فيما راح يعرج بنا الكاتب نحو شرح جملة الدوافع و المهادنات المسمومة الأمريكية ، و التي كانت في مشروعية نزوعاتها العدوانية ، تختص بأدوات تجويع الفرد العراقي دون رأس النظام الحاكم في بغداد حينذاك ، و الحديث بنا يطول بسرد مأزومية الفرد العراقي الذي ذاق بدوره أشنع الصور التجويعية و التنكيلية في مسيرة حياته مع تلك العقوبات الاقتصادية . لا أود من جهتي الحديث في مقالي هذا حول فصول الكتاب حرفيا ، أي الحديث حول ما تيسر من لغة و رؤية و توثيقية الكتاب ، و إنما سوف أتعامل و إياها ضمن محددات و مقادير قراءة الحالات الانسانية و التماثلات و الصورة الأشهارية الأيقونية الكامنة في محتوى المتن المبحثي ، وصولا منها إلى معالجة تلك المأزوميات بروح القصد التثقيفي و الإشاري و الإعلامي و التنويري ، خاصة و إن عتبات الكتاب الأولى جاءتنا تحمل هذه اليافطة من التخصيص و الصوغية ، التي من شأنها جعل محورية فكرة هذا الكتاب ، تتم كخلاصة تنويرية و تثقيفية موجهة إلى تقادم صعودية الأجيال ، التي لم تشهد و تحيا فعل حسية التفاعل مع مركب تلك الأزمة الاقتصادية التي قامت بفرضها قسرا مجموعة دول التحالف الصليبي على شعب العراق تحديدا .

ـــ نظرية المؤامرة و سلطة تطبيق المؤامرة .
لا شيء أخطر و أدهى من محاولة قطع حبل السرة الذي يربط الأنسان برمقه و وسائل عيشه اليومية ، فعندما ينقطع هذا الحبل أو يتعرض للاهتزاز ، ينعكس ذلك بصورة انقلابية سلبية للغاية ، على كل مكونات الفرد العضوية و النفسية و العاطفية و الانسانية وصولا إلى منظومة انخلاع مبادئه و قيمه الكينونية . فحجم المؤامرة التي قامت بإعداد سيناريو أفلمتها الهوليودية أمريكا ، كانت بمثابة إخضاع سياق عيش المواطن العراقي إزاء خيارات الجوع و العوزمن أجل حصول ذلك التفكيك في بنية و نسق اللحمة الوطنية ، و من أجل حصول تلك الانتفاضة الافتراضية بوجه الطاغية صدام ، حيث يتم استبداله بأخر غيره ، لأجل ادلجة استخبارية تابعية جديدة . و لكن ما أخبرنا به الكتاب قد يتعارض مع فكرة سقوط النظام ، خصوصا و إن :(المجتمع الدولي كان خائفا من ذلك التغيير .. لعدم انسجامه مع التوجهات الغربية .. لأن المد الشيعي غير مرغوب فيه .. لخشيته من اتساع رقعة هذا المد في المنطقة .. و إن النظام القائم في إيران هو نظام شيعي .. يعد مصدر إزعاج للغرب و للدول الخليجية .. لهذا أعطت الإدارة الأمريكية الضوء الأخضر لصدام لقمع الانتفاضة . / رأي في الحصار : ص23 ) و استنادا لهذه المزايدات و المرادات البرغماتية بين حكومة البيت الأبيض و عملية إبقاء صدام حاكما في العراق ، راح يكشف لنا الكاتب حجم الأرتجالات و التحولات و القوالب الأمريكية اللازمة في سيناريو الحبكة السياسية الغربية ضد الشعب العراقي تحديدا ، و نظرا لما قاله الدكتور العنبكي في بحثه الموسوم : ( مشروعية تدابير الحظر الشامل على العراق في ضوء أحكام الميثاق و القانون الدولي لحقوق الإنسان : ــ في الحقيقة ما من شيء في تاريخ تعامل الأمم المتحدة مع أشد الأزمات الدولية خطورة و تأثيرا على مسألة السلم و الأمن الدوليين منذ تأسيسها عام 1945 يناظر نظام الجزاءات من حيث شموله على مناحي الحياة كافة .. و امتداده في الزمان و المكان / ضرورة مراجعة سلطة مجلس الأمن و أهليته فيما يتخذه من أعمال أو تدابير قسرية .. بموجب الفصل السابع . و القيود التي ترد على سلطته التقديرية كمحددات تحول دون انحرافه / وصولا لتقدير مدى مشروعية فرضه لهذه التدابير .. و أستمراره بالتمسك بها في مواجهة العراق حتى الآن . / رأي في الحصار : ص22 ) و في مكان أخر من فقرات هذا الفصل ينقل لنا الكاتب باسم حسين غلب ، حقيقة العدوان الأمريكي ، و كيف كان يخص تخصيصا الفرد العراقي من جملة عدوانه إجمالا : ( لقد اتضح للرأي العام الدولي ــ و كذلك للرأي العام الأمريكي ــ إن القرارات الدولية لم يكن هدفها تدمير الترسانة العسكرية لصدام أو لحماية المنطقة ــ و في مقدمتهم جيران العراق ــ من شبح حروب مدمرة قد يشعلها صدام .. بقدر ما كان الغرض منها القضاء على اللحمة الوطنية .. و على النسيج الاجتماعي في العراق . / رأي في الحصار : ص23 ) و تبعا لكل ما قام باستعراضه الكاتب في مقدمة كتابه ، من حجم تأكيدات المسوغات الدولية الملتوية في هتك و تدمير بنية الفرد العراقي ، حيث نقرأ تتابع الجمل الاستفهامية و التعجبية في متن فصول الكتاب ، و التي أخذت تشير إلى أقصى درجات المؤامرة الدولية الحاصلة من أجل إسقاط و تفسيخ اللحمة الوطنية لدى الفرد العراقي و من ثم تجويعه و إذلاله ، و بأسهل الطرق و الصيغ و الوسائل الماكرة ، و لهذه الضغوطات بطبيعة الحال لها آلياتها الاستنزافية الهالكة التي راح من خلالها الفرد العراقي ينحط في النزول إلى أقصى سلم الانحدار عن قيمه و عفته و بأسمى الاعتبارات الثقافية و الدينية و الاخلاقية لديه إفتراقا . و مرورا بفصل ( التحولات الصناعية ) نعاين مدى حجم التلاعب و الزوغان و التزوير و الغش في المنتج الغذائي : ( ومن المواد الغذائية التي طالها التلاعب و الغش الصناعي ــ صناعة الحلوى ــ فقد أدخلت عليها مواد غير صالحة أو غير مخصصة للاستهلاك البشري .. فبعد اختفاء زبدة الكاكاو و هي مادة غذائية تستعمل في صناعة الكاكاو في زمن الحصار أصبح لزاما على أصحاب معامل القطاع الخاص و بعد أن وجدوا أنفسهم عاجزين عن صناعة الكاكاو بسبب غياب هذه المادة .. أن يلجؤوا إلى استعمال الشمع الصناعي . / الصناعات الغذائية ــ فصل التحولات الصناعية ــ : ص28 ) و هناك عنوانات فرعية في متن الكتاب ، راحت تعزز حجم المأساة التي طالت هذا الشعب المسكين ، كحال هذه العنوانات الدالة : ( انتعاش مهنة الاسكافي / تأثر الصناعة المحلية / وللدبابات المدمرة فوائد ! / بدائل كهربائية / من فوائد الفانوس الآخر / بدائل الشيلمان / أسطوانة الغاز المعطوبة / الخيوط بدلا من القطن / وسائل النخل في زمن الحصار / التحولات التجارية : التجارة بين المحافظات / تجارة الصفيح / الربح على حساب الآخرين / الكيل و الميزان / انتشار السلف / بالتقسيط / خط و نخلة و فسفورة ! / عطور مزيفة / ثياب مقلوبة !/ تجارة النوى !/ بيوت أم مساجد ! / الإزرار و السحابات القديمة ) و هنالك في متن الكتاب عنوانات مركزية و فرعية ، قد لا يطال مقالنا في عرضها إجمالا ، ولكن ما يعنينا في الأمر هنا هو فكرة ثنائية ( حوار النص / و حوار الصورة ) و أسئلة الجياع في جمهورية الرعب ، و وفق ما تصبو إليه مباحث فصول و صور و تصويرات رؤى الكتاب ، حيث علينا جمع و تفكيك إمكانيات و استعمال اللقطات الوثائقية و الأرشيفية ، كوسيلة تعبيرية ، نسعى من خلالها إلى فهم خواصية المادة التوثيقية و التصويرية في محكيات اللقطة الإخبارية ، كوثيقة تتحدث عن حقيقة متوحشة عاشها الفرد العراقي ، وعلى نحو كارثي من الأزمة و التشرد و الشحاذية و التفكك مع تفاصيل أسرته و ذاته و قيمه ودينه .

ـــ جدل الحقيقة و تسجيل الحقيقة .
و يكفي أن نشير في مجال هذا الفصل إلى حجم و مثاقفة الدلالات التي يمكن فهمها من خلال الصورة الفوتوغرافية المتواجدة في أسفل أو في الوسط أو في الأعلى من مجال منطقة حدود المنطوق التقريري و الاستطلاعي ، لذا فإننا لا نقف عند حدود القراءة ، إلا من خلال لحظة تواصل إحالات المؤشر الصوري في المقروء الصحفي المؤرشف الدال ، لندرك إن الترابطات المتجلية عبر سطح المكتوب النصي ، قد حلت في حدود أفق علاقة عضوية مع حيثيات ( = نص =صورة = وصلات ) لذا فإننا من خلال معطى النص المصور يتولد لدينا معطى معرفي عام و خاص ، حيث لا يدرك إلا من خلال الوظيفة الوصلية بين النص + الصورة وصولا إلى رؤية متكاملة و موثقة بحسن الإشارة و الأرشفة و الإحالات و الدليل و الإقناع .

( تعليق القراءة )
ما من شك في إن حركة دلالات كتاب ( رغيف و كتب) كان يجسد تلك الصورة الاستفهامية و التعجبية في واقعة ودليل أفق مدلولها القطعي الصريح تطبيقا ، وهو ما راح يلخص بدوره لإيقونة فهم الأجيال ذلك المشهد الزمني المتوحش في جملة تفصيلاته القاهرة في محققات علاقة الذات الجائعة وهي تفقد أثمن مقتنياتها ، لأجل سد حاجة الرمق برغيف من الطحين المهجن ، وهنالك بالمقابل من راح يدفع أعلى مستويات اعتباراته التربوية و الاخلاقية من أجل إطعام صغاره الجياع . هكذا تجسد لنا صورة ملفات كتاب ( رغيف و كتب ) أصعب الأمثلة و الحقائق و الحكايات ، منها حكاية ذلك الشاعر الذي دفعه العوز و الجوع و الحرمان و الفاقة إلى بيع خزانة كتبه و قلمه و ضميره إلى سلطة بائع الطحين و إلى سلطة الدكتاتور طلبا منه للعيش الرغيد . و تبعا لهذا أصبحت الكثير من الأعمال الأدبية في زمن الحصار تابعة لسلطة و إعلام الدكتاتور ، حيث راح الشاعر يكيل أعظم و أجلى كلمات التأليه بحق صدام و زمرته البعثية الفاسدة ، جاعلا منه آلهة في أرض دولة التواريخ المتوحشة و الزنازن المظلمة و أناشيد الجياع . هكذا وجدنا فصول و أسفار و مداليل كتاب ( رغيف و كتب) للكاتب المبدع باسم حسين غلب ، حيث وجدنا الوعي الكتابي فيه مسكون بأهلية الباحث الاجتماعي و المؤرخ و فيوضات الرأي السياسي المصلح أو الهادف إلى الإصلاح . و يمكننا عد هذا الكتاب في كافة موجهاته الأرشيفية و التوثيقية و الخبرية ، بمثابة تلك الصرخة المرسلة دليلا نحو وعي الأجيال الصاعدة التي لم تشهد سوى الحكايات المتناقلة عن هذه المرحلة الزمنية القاهرة من هنا و هناك ، وحول وحشية هذه العلامة المرحلية العصيبة من الوقائع الزمنية الواقعة في البلاد حينذاك . إن عملية قراءة كتاب ( رغيف وكتب ) يمكنها أن تتيح لقارئها فهم و إدراك منطقة الخطر التي تواجهه البلاد و حتى يومنا المعاش هذا .. فالمخطط الأمريكي قد جاءنا اليوم ولكن ليس بأدوات لعبته القديمة .. بل أنه بات يحاربنا بمواقف و آليات قد تبدو أكثر فتكا من الحصار و الضربات الجوية . . و في الختام لا أملك سوى كلمة الحب و التقدير للصديق الأستاذ باسم حسين غلب ، لأنه دائما سباقا في صياغة المفردات و الأفكار الخاصة بالمصلحة العامة ، و التي من شأنها تقديم فعل الانجاز و انجاز فعل التقديم .

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
866متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

تحول التجارب الاجتماعية إلى ظواهر ثقافية

1 عمليةُ تَحَوُّلِ التجارب الاجتماعية إلى ظواهر ثقافية لا تتم بشكل تلقائي ، ولا تَحدُث بصورة ميكانيكية ، وإنَّما تتم وفق تخطيط اجتماعي عميق يشتمل...

العراق…الإطار التنسيقي واللعب مع البَعابِعُ (1)

التردد والهروب إلى الأمام والخوف من القادم والماكنة الإعلامية التي تنهق ليلا ونهارا لتعزيز وتريرة الخوف والتردد جعل ساسة الإطار يحيطون نفسهم بحاجز جداري...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

العراقيّون ومُعضِلة (النضال الحقيقيّ والنضال المُزيّف)!

عَرفت البشريّة، منذ بدء الخليقة وحتّى الآن، مسألة النضال أو الكفاح ضد الحالات السلبيّة القائمة في مجتمعاتهم وكياناتهم السياسيّة (الدول البسيطة والمركّبة)، لأنّها مسألة...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

أعلنها لرئيس التونسي الدولة ليس لها دين

الدولة كما يقول أ.د . حسن الجلبي استاذ القانون الدولي العام ، هي ليست سوى ظاهرة اجتماعية وحدث تأريخي تساهم في تكوينه عوامل جغرافية...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

إبداء الصدقات من وجهة نظر اجتماعية

حثت الأديان ترافقها العقول والقلوب على المساعدة، فهي عمل انساني سواء كانت المساعدة مالية او غير ذلك، وانما تركزت على الأمور المالية بسبب حب...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ساكشف لاول مرة في الاعلام مجموعة من الاسرار بشأن داعش واترك لكم الرأي

هل كان في الإمكان الحفاظ على أرواح عشرات الآلاف من الشهداء الأبرياء الذين قتلوا على يد داعش ؟؟؟؟ في وقت مبكر من عام 2007 ,...