الأحد 3 يوليو 2022
35 C
بغداد

طائر حافي لا أعرفه أبدًا،ولكني أعرفه جيدًا….!؟

كلمة أقولها،و قد يثير الاستغراب عنوانها، فهو متناقض في التعبير، لكنه حقيقة تهزّ جدران مخيلتي احترامًا وتقديرًا، و أخذ التفكير مني طويلًا كي أجد مدخلًا ومخرجًا لتلك الحالة العجيبة التي تعيش في علاقاتي، وتساءلت :
“ما هي ….؟”
“هل هي حالة عصرنة….؟”
“هل هي صداقة ….؟، وكيف ….؟”

إذًا أنا لم ألتق هذا الشخص أو ذاك ثانية واحدة، إذًا هو العصر وجبروته العجيب، هي ثورة الاتصالات العجيبة المجنونة، التي عصرت الأرض بقبضتها الفولاذية حتى جعلتها كرة صغيرة بحجم قبضة يد طفل، نقلّبها من خلال جهاز صغير في جهاتها الست، في كل دقيقة تمر, ولا مجال لمفارقتها دقيقة واحدة، و واحدنا جالس في كرسيه من أي بقعة من هذا العالم، هي سمة هذا العصر, مارد النت الذي ينتقل بيننا بدعكة صغيرة من جهاز النقال, و من أعمق نقطة وصلها ابن آدم في الفضاء أو أعمق نقطة في أعمق أعماق الأرض…..يا الله…! قدرات هذا المارد تتجاوز قدرات مارد مصباح علاء الدين، ولا أدري هل نحن رجعنا إلى ذاك الزمن أم عشنا في أحلامه حقيقة ملموسة…!؟

كانت خيال من أخيلة ألف ليلة وليلة وبساط الريح وقوة المارد, وسرعة في تحقيق الأماني والمنجزات, دعكة من جسد مصباح علاء الدين، الفانوس العتيق الذي يملأه الصدى، تتطاير نظراتنا مع كلمات جدتي حول موقد النار ومدفأة علاء الدين المخروطية التي كانت في يومها أكبر اختراع يساوي اليوم مكوك فضائي يطلق باتحاه ثقب دودي خارج مجرتنا ….

وكبرنا وتحولت مدفأة علاء الدين (سبلت ) يتسيّد الحائط، وبعد سنة صار السبلت عموديًّا لأن ذاك لايكفي تكيفه استمرارنا في النوم, فهو همّنا الوحيد بعد الأكل، وبعد فترة وجيزة صار جزءًأ من سقف المطبخ, ومع هذا السباق في التطوّر وأنا لا أزال أفكر بقوله تعالى: يامعشر الجن والأنس..!

وأخاطب ضميري :

-“إذا كنا نحن الأنس، فمن هم الجن….؟”

يصمت ضميري طويلًا, ثم يتنحنح وبعدها تنفرط عقدة لسانه السليط, وتنتشر فوق بساط الحكمة فيقول:

-“نحن…!؟”

تعجبت من رده وقلت :

-” كيف…!؟”

ضحك ضميري ورد باستهزاء :
ألا ترى نحن فقط نراوح في مكاننا، من نوم إلى مائدة الأكل, ومن مائدة الأكل للفراش، لا ندرك شيئًا غير أننا نشتري كل ما يسوقه لنا الغرب من علم ومخترعات, وما علينا إلا التبجح بالقول :

“نحن أصل هذا العلم…ونذكر ساعة شرلمان, عشبات الرازي، وعجلة أور و أول حرف مسماري…. لكن لا نذكر لماذا لم نفعل شيئًا يكمل ما فعله أجدادنا….!

ضحكت من رده السليط وقلت :

-“صدقت والله، ما فعلناه لا يتجاوز سوى النوم والأكل, سيتّسع في الأهمية لو أضفنا له النفاق والكذب والقيل والقال وأكل لحم الآخرين في المقاهي، وأظن أننا تطوّرنا في الآونة الأخيرة حين كفّرنا من أغرقونا في مخترعاتهم، وبدأنا نفجّر في بلدانهم، ثم دارت عجلة التطوّر فينا إلى الأمام في السنوات الأخيرة, فاخترعنا سبلًا جديدة في الموت، فنحن لا نحسن غيره، والسبب هو أننا لا نريد أن نصبح مثل الكفرة الغرب, الذين يزرعون السعادة بمخترعاتهم، لأن السعادة حرااااام…فيها غناء و رقص وموسيقى, وتلك الأشياء تجلب الفرح والسعادة…!؟ لذلك دأب علماؤنا على العمل في مختبراتهم حتى توصلوا إلى آخر صرخة في علم الموت وهو اختراع الموت ذبحًا، وبذريعة التكفير، وقتل الأطفال، وبيع النساء في الأسواق …!؟…فعلًا تلك المخترعات أرعبت الكفرة الغرب، وجعلتهم يفكّرون في إبادتنا فحوّلوا اختراعاتهم إلى أسلحة وضعوها في أيدينا لنقتل بعضنا البعض، وها نحن نسكن هذا الحقل المتقدّم من المعرفة…..!”

وأنا في هذا الاستغراق، سمعت صوت محادثة على تلفوني، لمحتها و في طرفها الثاني هذا الرجل العجيب -محمد عزام- الأديب المصري الرائع، اللطيف، الذي يذكّرني دائمًا بالتمسّك والإخلاص, خصوصًا في الأدب, أرى فيه معطف غوغول، ورسائل دستوفسكي، وطفلة جان فالجان، وسمكة سنتياغو، وإخلاص أنتونيو لبسانيو، وموقف عطيل ودزدمونا في مشهد سايبرص …وهروب مارك توين، وسفينة موبي دك، ومرتفعات ويذرنج …..وهو ويقبع في مكان صغير (وهذا ما أعرفه عنه فقط من خلال ما تصلني من صور على مصباح علاء الدين الجديد ) يكتب عن مجتمعه وفقرائه، بجهاد مستميت، يحاول أن يجعل كل شخص في تلك الكرة الصغيرة يعرف شيئًا عن فقراء مصر، ومعاناتهم، كتب رائعته الأنفوشي وهي سبب تعرفي عليه وتشرفي بصداقته، من خلال اتصال تلفوني أقل من دقيقة بتوجيه مني للناقدة الكبيرة عبير خالد يحيى وهي تنقد تلك الرواية, والاختلاف على عقدتها، وكان دخولي حلًا لتلك المناقشة، ذلك الحل الذي ولد جزءها الثاني ازميرالدا، ويستمر هذا الرجل بالابداع ليخلد الإسكندرية ،مدينة العشق والجمال ،و بطبيعته الإنسانية الأدبية ولاءً يعكس طيبة أهله ، أبناء الكنانة، ويظلّ يتذكّرني في كل مناسبة حتى صرت أعرفه جيدًا وهو في قارة أخرى غير قارة آسيا التي أسكن جنوبها الشرقي، أكثر من الذين أعرفهم وهم يبعدون عني بضعة سنتمرات….فهو عملاق من خيال كاتب عبقري ، لم تثنه المسافات ،و صار حقيقة تسكن خلدي ،وها انا أذكره كما يذكرني ….أليس هذا الرجل يستحق الإحترام…؟…فمن شدة حبه للفقراء لقب نفسه بالطائر الحافي… !

المزيد من مقالات الكاتب

المادة السابقةانتخابات مفصلية
المقالة القادمةكركوك الى الواجهة من جديد

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
865متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

تحول التجارب الاجتماعية إلى ظواهر ثقافية

1 عمليةُ تَحَوُّلِ التجارب الاجتماعية إلى ظواهر ثقافية لا تتم بشكل تلقائي ، ولا تَحدُث بصورة ميكانيكية ، وإنَّما تتم وفق تخطيط اجتماعي عميق يشتمل...

العراق…الإطار التنسيقي واللعب مع البَعابِعُ (1)

التردد والهروب إلى الأمام والخوف من القادم والماكنة الإعلامية التي تنهق ليلا ونهارا لتعزيز وتريرة الخوف والتردد جعل ساسة الإطار يحيطون نفسهم بحاجز جداري...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

العراقيّون ومُعضِلة (النضال الحقيقيّ والنضال المُزيّف)!

عَرفت البشريّة، منذ بدء الخليقة وحتّى الآن، مسألة النضال أو الكفاح ضد الحالات السلبيّة القائمة في مجتمعاتهم وكياناتهم السياسيّة (الدول البسيطة والمركّبة)، لأنّها مسألة...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

أعلنها لرئيس التونسي الدولة ليس لها دين

الدولة كما يقول أ.د . حسن الجلبي استاذ القانون الدولي العام ، هي ليست سوى ظاهرة اجتماعية وحدث تأريخي تساهم في تكوينه عوامل جغرافية...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

إبداء الصدقات من وجهة نظر اجتماعية

حثت الأديان ترافقها العقول والقلوب على المساعدة، فهي عمل انساني سواء كانت المساعدة مالية او غير ذلك، وانما تركزت على الأمور المالية بسبب حب...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ساكشف لاول مرة في الاعلام مجموعة من الاسرار بشأن داعش واترك لكم الرأي

هل كان في الإمكان الحفاظ على أرواح عشرات الآلاف من الشهداء الأبرياء الذين قتلوا على يد داعش ؟؟؟؟ في وقت مبكر من عام 2007 ,...