الأحد 3 يوليو 2022
41 C
بغداد

لجان التحقيق … من التخدير الى النوم العميق

المهازلُ التي أفرزتها العملية السياسية الجديدة في العراق بعد عام 2003 كثيرة جدا ولا حصرَ لها . والحديث عنها ذو شجون وتفرعات وتشعبات يوجعُ الرأسَ ويحبط الآمال . فقد تعوّدَ العراقيّيون منذ السنة الأولى لمرحلة ما بعد التغيير سماع تشكليل لجان تحقيقية بأعلى المستويات حول الأحداث التي عصفت وما تزالُ تعصفُ بالبلد . ولكن الذي يحصلُ دائماً أن تلك اللجان سرعان ما يضمحلُ وجودُها وتتبعثرُ أوصالُها هنا وهناك دون معرفة نتائج التحقيق بتفاصيلها التي هي أساس عمل أية لجنة تحقيقية في قضية ما . ولحد الآن لم يطلع الشعبُ العراقي على نتيجة تحقيقية واحدة تعززُ الثقة بين المواطن والمسؤول . ورغمَ حماس كبار المسؤولين وتوعدهم ووعودهم بكشف المستور ثأراً لكرامة الوطن وانصافا للمظلومين من الشعب ، الاّ أن حماسهم لمْ يدمْ طويلاً ، وكل تلك الوعودِ تتبخرُ حتى تصبحَ في خبر كان . ومن هنا يقودنا الاستنتاج الى أن ما حصلَ وما يحصلُ ليس من باب الصدفة أو الاهمال أو ما شابه ، وانمّا نتيجة عمليات تخدير مقصودة من قبل المتحكمين بزمام الأمور لكسب غايتين في آن واحد ، الغاية الأولى تخدير الرأي العام وامتصاص غضب الشارع ودفع المواطنين الى النسيان تدريجيا . والغاية الأخرى تخدير لجان التحقيق ( المشكلة صُورّياً ) لتنامَ بعدئذٍ بمعلوماتها وتفاصيل تحقيقاتها في نوم عميق عملاً بالمثل العراقي الشهير ( الباب التجيك منه ريح سده واستريح ) . ويبدو أن هذا الاسلوب أكثر ملائمة لمن يخشون مواجهة الحقائق التي ربّما لو ظهرتْ لانفتحتْ عليهم أبوابَ جهنم . ويبدو أيضا أن أي تحقيق لو تم كشف النقاب عن تفاصيله وحيثياته للجمهور سيضعُ الكثير من الأسماء اللامعة المرموقة في قفص الاتهام ، وربّما سيزلزلُ العملية السياسية بمحاصصتها ومغازلاتها ومجاملاتها ، وبالتالي سيتدحرجُ نحوَ الهاوية من يعرفُ فن التدحرج ، وسيهربُ خارج البلد من يجيدُ لعبة الهروب ، وسيلطمُ على رأسه من يتقن أصول اللطم . ولماذا كلّ ذلك طالما أن الأمر لا يحتاجُ الى التعقيد ؟ فاللذين تطبعوا على الكذب والخداع وتزوير الحقائق ولهم القدرة على مصارعة الأحداث المرعبة بسكاكين المكر ، ليس عليهم جناحٌ ان حقنوا لجان التحقيق بحقن مخدرة ( أمريكية الصنع ذات كفاءة عالية ) لتقضي على أيّة صحوة ٍ محتمله لتلك اللجان . والذي يتصورُ أن ما تقدم مجرّد دعابة أدبية لا تمت الى الواقع الملموس بشيء ، عليه أن يجيب بحيادية تامة على هذه الأسئلة التي لا يمكن أن تسكتهُا الأيام والشهور والسنين حتى وان طالتْ : أين نتائج التحقيق في أبشع مجزرة شهدها التاريخ الحديث ( وأقصد مجزرة سبايكر ) ؟ وماذ عن تفجيرات الكرادة المأساوية الموجعة ؟ ومن هم المتسببون بسقوط محافظة نينوى ، وكيف دخلتها ( داعش ) وهي محصنة بالفرق العسكرية ؟ وما هو رأي لجان التحقيق بالانتهاكات الأمريكية المستمرة على قطاعاتنا العسكرية بذريعة الخطأ ؟ والى أين وصلت اللجان بتحقيقاتها حول جرائم أقرباء كبار المسؤولين المتمثلة بسفك دماء الأبرياء وسرقة الأموال العامة والخاصة والاستحواذ على ممتلكات الدولة وحتى تجارة المخدرات ؟ ومتى ستكشف اللجان التحقيقية عن عشرات بل مئات الحوادث التي أكل الدهرُ عليها وشرب ؟ وحينها سيجدُ السائل الكريم انعدامَ الأجوبة دليلا واضحا على كون لجان التحقيق في نوم عميق وعميق جدا .

أنيس الأنصاري

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
866متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

تحول التجارب الاجتماعية إلى ظواهر ثقافية

1 عمليةُ تَحَوُّلِ التجارب الاجتماعية إلى ظواهر ثقافية لا تتم بشكل تلقائي ، ولا تَحدُث بصورة ميكانيكية ، وإنَّما تتم وفق تخطيط اجتماعي عميق يشتمل...

العراق…الإطار التنسيقي واللعب مع البَعابِعُ (1)

التردد والهروب إلى الأمام والخوف من القادم والماكنة الإعلامية التي تنهق ليلا ونهارا لتعزيز وتريرة الخوف والتردد جعل ساسة الإطار يحيطون نفسهم بحاجز جداري...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

العراقيّون ومُعضِلة (النضال الحقيقيّ والنضال المُزيّف)!

عَرفت البشريّة، منذ بدء الخليقة وحتّى الآن، مسألة النضال أو الكفاح ضد الحالات السلبيّة القائمة في مجتمعاتهم وكياناتهم السياسيّة (الدول البسيطة والمركّبة)، لأنّها مسألة...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

أعلنها لرئيس التونسي الدولة ليس لها دين

الدولة كما يقول أ.د . حسن الجلبي استاذ القانون الدولي العام ، هي ليست سوى ظاهرة اجتماعية وحدث تأريخي تساهم في تكوينه عوامل جغرافية...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

إبداء الصدقات من وجهة نظر اجتماعية

حثت الأديان ترافقها العقول والقلوب على المساعدة، فهي عمل انساني سواء كانت المساعدة مالية او غير ذلك، وانما تركزت على الأمور المالية بسبب حب...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ساكشف لاول مرة في الاعلام مجموعة من الاسرار بشأن داعش واترك لكم الرأي

هل كان في الإمكان الحفاظ على أرواح عشرات الآلاف من الشهداء الأبرياء الذين قتلوا على يد داعش ؟؟؟؟ في وقت مبكر من عام 2007 ,...