الجمعة 16 تشرين ثاني/نوفمبر 2018

رقصة الحياة

الأربعاء 03 كانون ثاني/يناير 2018
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

“المحيط الهادئ ليس بهادئ” رددتُ هذه الجملة التي سيطرت على قاموس مفرداتي مراراً وانا اضيع بين موجات المحيط التي تضرب كمدافع لم اسمع بها منذ الحرب العراقية الامريكية, منذ الطفولة التي قضيناها على ضفاف نهرٍ أشبهُ بالغدير في إحدى ضواحي بغداد, ابو غريب, تلك المنطقة الزراعية التي ترعرعنا بين خضرة بساتينها.
لم اكتفِ بتكرار هذه الجملة المجهولة الهوية, بل كتبتُها في مذكرة الهاتف, وكأنني اريد ان أؤرخ هذه اللحظة بزمانها ومكانها, بموجاتها العتية, بسفنها البعيدة الضخمة, بشساعة الساحل, بالخلوة التي تسعد من يحبون الهروب من المدن المزدحمة, بالجمالية التي يرسمها خط الافق, بالبعد الخيالي لفرشاة الرسامين والحالمين..
البحر والماضي شيئان متشابهان, وربما البحر والحياة شيء واحد, هذا ما اتخيلهُ او اتصوره بعيداً عن المنطق الفيزيائي لحركة الطرفين, بعيداً عن النظريات الكيميائية لعوامل تكوين الاثنين, بعيداً عن المنطق الفلسفي لهواة كل من البحر او الحياة…
الماضي وذاكرتهُ, الشاسعة, عادا بيَّ الى اقرب وقت, وكأنهما لسمكةٍ وليسا لانسان, فتذكرتُ روايةَ خَتمتُها قبل ايام من هذه الجلسة البحرية, عادةً ما تعود بيَّ وبأغلب البشر الذاكرة الى اقدم الذكريات بمسراتها واحزانها, لكنها هذه المرة عادت بي الى البعيد القريب “زوربا”. تلك الرواية الاغريقية المليئة بالمنطق الفلسفي, ذات النظرة الواقعية للحياة “الحياة” التي نعيشها بلا امل.
انهيت رواية زوربا قبل ايام قلائل, كانت مليئة بالاحداث الميتافيزيقية, بالروحية العالية, بالواقع الخيالي, بالمُمكن…
انها ليست رواية, وليست بكتاب ولا بتجربة, بل انها حياة نعيشها نحن البشر. حيث احداثها التي تسير بسرعة الرياح التي تصنع امواج البحر, كانت تفاصيلها دقيقة جداً, من تركيز كاتبها على الشخصية الانطوائية “باسيل” الى الواقع الجامح الجميل “زوربا”.
لو خُير الانسان بلون الحياة التي يحب, لاخترتُ زوربا. ذلك الرجل العنيف بحبه, القوي بحنانه, الدافئ بتصرفاته الحارة, الطيب بكلماته الصلبة, انه يشبه الدين, او الاصح انهُ يشبه الدنيا, ذلك ان الدين والدنيا شيئان مختلفان, فالدنيا تريد ما يريده زوربا, والدين يريد ما يريده الاساقفة.
عادت بي الذاكرة ايضاً الى الماضي الابعد, حيث الواقع الاسقفي الذي يعيشهُ مجتمعي, بل تعيشهُ المجتمعات البشرية كَكُل, ولن اسمح لنفسي هنا ان اذكر التفاصيل, لكوني مستمتع بالبحر وزوربا, اولئك الشيئان المتشابهان صوتاً وصورةً, شكلاً ومضموناً. اولئك الهادئان سطحاً, الغاضبان جوفاً!
لم ابتعد كثيراً في الذاكرة, لكن ابتعدتُ قليلاً لرؤية خط الافق الرائع, انهُ يشبه الحياة, يشبهها الى درجة انه يكاد ان نتصوره يحدها. نقلتُ نظراتي الى امواج البحر التي ترقص كرقصة زوربا.
لابد لنا جميعاً ان نرقصها, انها ليست برقصةٍ بقدر ما هي حياة اخرى يخلقها الامل الخائف بداخلنا, انها موسيقى الروح الصامتة, انها الدين الذي لا نعرفه, فلا يوجد دين يُحرم الرقص التأملي, لذلك من الواجب الروحي تجاه انفسنا ان نظهر الابداعات التي تغص داخلنا برقصة الامل الزوربوية او نذهب ابعد من ذلك لنرقص رقصة الحياة مع عامٍ جديدٍ…




الكلمات المفتاحية
العراقية الامريكية رقصة الحياة

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.

fringilla consectetur velit, in Curabitur libero ipsum Aenean efficitur. Praesent