الثلاثاء 07 تموز/يوليو 2020

الحاضر الغائب حسين الموزاني !

الجمعة 08 كانون أول/ديسمبر 2017
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

برحيل الكاتب والمترجم العراقي حسين الموزاني المقيم في المانيا منذ عقود ثلاثة تكون الساحة الثقافية العربية قد خسرت شخصية ادبية لها حضورها المميز ، شخصية كتبت في الرواية والقصة والشعر ونقلت الاعمال الادبية المهمة من اللغة الالمانية الى العربية وكان أهمها رواية ( طبل الصفيح ) للالماني غونتر غراس الذي رحل هو الآخر قبل عام تقريبا فيما استضافت يومها القناة الالمانية العربية (DW) الكاتب والمترجم حسين الموزاني ليتحدث عن رحيل غراس وكان يتحدث بطريقة العارف بما كان يجول داخل فكر غراس باعتباره مترجم روايته الطويلة نسبيا ، وربطته علاقة طيبه معه ، وتعتبر ترجمة الموزاني لرواية طبل الصفيح من افضل الترجمات بالرغم من صفحاتها التي تجاوزت التسعمائة صفحة .
ومنذ سنوات طويلة كنت أسمع باسم حسين الموزاني واقرأ له هنا وهناك بعض الترجمات وبعض المقالات التي تمتاز بلغته المختلفة عن الآخرين ، لغة واضحة المعنى والدلالة وتقودك الى ما تريد في قراءة الموضوع وثيمته بدون زوائد وفذلكات لغوية يستخرجها بعض الكتاب من قواميس اللغة ليتفاخروا بأنهم فتحوا او فجروا اللغة كما شاع ويشاع في بغداد وبعض عواصم العرب في زمن سابق ، بينما اللغة لا يمكن لها ان تنفجر ! بل ممكن ان تنام على أصابع الكيبورد بعد ان كانت تتمرجح في الكتابة بالقلم وبخط بائس قد يكون يؤثر على اللغة ويجعلها تكره نفسها !
لقد أختار الموزاني العاصمة الألمانية برلين لان تكون مقرا لإقامته ، لانه أبن مدن كبيرة او أستطيع القول انه ابن عاصمة ، بالرغم من ولادته في مدينة العمارة التي تقع جنوب العراق لكنه عاش طفولته وترعرر في بغداد ومنها إنتقل وعاش في بيروت وعاش في القاهرة ولهذا اختار برلين كمدينة كبيرة وعاصمة ، وعادة ما تتركز الفنون والآداب وأغلب الفعاليات الأدبية والسياسية داخل عواصم الدول وهذا أحد الاسباب المهمة التي جعلت الراحل حسين الموازني ان يختار برلين مكانا للإقامة والعيش .
الموازني وهذا لقبه من سلالة عريقة جداً يعود نسبها الى بني هاشم عائلة النبي محمد ص لكن حسين الطيب الوديع الكبير بكل تصرفاته من خلال علاقتي به قبل سنوات عبر الفيس بوك كنا نتحاور كثيراً ويسألني عن أمور وأجيبه ، خاصة عن العراق الذي فارقه منذ سنوات طويلة وعاد ليزوره عام 2004 بعد سقوط النظام لكنه أنصدم بواقع مرير وصعب تعيشه عاصمة الفكر والادب والحب والجمال بغداد فوجدها غارقة بالإهمال وإنعدام الخدمات وحروب داخلية وطائفية !
في صيف عام 2014 اتصل بي تلفونياً وقال أنه يحب زيارة اوسلو مع صديقته الالمانية (هايكة) فرحبت بفكرته ، ودائما ما يكون الصيف جميلا داخل العاصمة اوسلو ، فذهبت بسيارتي الخاصة الى مطار اوسلو واستقبلت حسين وهايكة الطيبة الرائعة التي كانت تحب حسين باخلاص مطلق ، كانت زوجتي في البيت تحضر لهم الفطور على الطريقة العراقية التي أبهرت حسين وهايكة المستمتعة بالأكل كثيرا كما قالت ، بينما الموازني حسين فتح حقيبته وقام بتوزيع هداياه التي جلبها من برلين ، دب صغير وتشيرتات ثلاثة لي ولاولادي وهدية لزوجتي ولم تكن ثمة هدية لابنتي التي قالت لحسين : وانا ؟ قال لها حسين بلهجته العراقية الجميلة بعد ان قبلها واعتذر منها بطيبة ، انه بعد عودته لبرلين سوف يرسل لها هديتها حتما . كانت رحلتهم الى اوسلو لمدة اسبوع تقريبا لكنه فاجئني أنهم قد حجزوا تذاكر طيران مع فندق فعليهم ان يناموا في الفندق الذي حجزوه وهو فندق أنيق جدا يقع وسط سنتر المدينة وبقيت في سيارتي أذهب الى فندقهم كل يوم مرتين وأقوم بنزهتهم في مواقع عديدة من أوسلو فوق الجبال وتحتها خاصة وان أوسلو مدينة تحيط بها الجبال من كل الجهات وسنتر المدينة يغفو عند لسان بحر الشمال ، هايكة صديقة حسين الألمانية كانت تحمل خارطة لكل متاحف أوسلو ففي الصباح يخرجون ليزوروا متحافها التي لا تبعد سوى مئات الامتار من الفندق الذي يسكنون فيه ، كان حسين وهايكة منبهرين بمتاحف المدينة التي تحتوي على كل شيء . أسبوع مضى مملوء في اللقاءات وزيارة الأماكن والمتاحف وبعض الاصدقاء حتى جاء موعد عودتهما الى برلين وكان حسين وهايكة قد وعدوا أبنتي التي لم تحصل على هدية منهم ، قالوا انهم بمجرد الوصول الى برلين سوف يبعثوا هديتها في طرد بريدي صغير ، انتقلنا من الفندق الى بيتي ليتناولوا طعام الغداء ومن هناك انطلقنا بإتجاه مطار أوسلو ، ودعتهم على أمل اللقاء في قريب الايام ، غادر حسين الموزاني وهايكة الى برلين وبعد ساعات قليلة أتصل بيّ عبر الهاتف ليبلغني وصولهما ، ثم طلب مني أن اكتب له عنواني البريدي ليقوم بارسال ساعة جميلة لابنتي التي وعدها ، وكانت فرِّحة جدا بتلك الساعة ، كم كان حسين طيبا وكريما ومهذبا ورائعا بكل شيء .
وقد تعمقت علاقتنا به أكثر من خلال التلفون والفيس بوك وكان يكتب لي عن أمور كثيرة لا يعرفها داخل العراق وأجيبه بصدق ومحبة حتى طُلب منه أن يكتب لجريدة العرب التي تصدر في لندن مقابل مبلغ من المال كان في أمس الحاجة إليه لكن حسين الموزاني رفض عرض جريدة العرب بعد ان تأكد بإن صاحبها ومالكها ابن محمد حمزة الزبيدي والذي هو احد أركان نظام صدام وكان يشغل منصب رئيس وزراء نظام البعث الصدامي في ثمانينات القرن الماضي ، سألني وسأل أصدقاء عن صاحب الجريدة والتي لا أعرف عنها سوى أن العراقيين يتهافتون للنشر فيها من أجل المال ! رفض الموزاني حسين ان يكتب لهم وظل يكتب كل يوم مقالا كبيرا في موقع الفيس بوك وتتلاقفه بعض الصحف دون اذن صاحبه كما يحدث مع العديد من الكتاب العراقيين !
وبعد مضي عام واحد ذهبنا الى باريس انا وأخي ستار ووسام هاشم وصديقنا القادم من امريكا فاضل جواد كانت رحلة جميلة في سيارتي لحضور مهرجان اللومانتيه الباريسي الذي يعقد في كل خريف وحين أتصلنا بصديقنا الشاعر عدنان محسن المقيم في باريس جاء ومعه حسين الموزاني الذي كان قادما من المانيا وقضينا يوما جميلة في ذلك المهرجان الذي تلتقي فيه كل الاحزاب اليسارية في العالم وإلتقينا ايضا باصدقاء جاءوا من بغداد كان علي الفواز وتوفيق التميمي . كنت قد أوقفت سيارتي في الشارع الرئيسي المؤدي الى سوق الهرج في حي الشانزلزيه وكاتدرائية نوتردام وكل تلك الأماكن تقع وسط باريس تماما ، كان موقف سيارتي في الشارع مجانا حتى عندما سألني الشاعر عدنان محسن عن موقف سيارتي فاشرت له وهي واقفة في ذلك الشارع ليضحك عدنان الذي يعرف جيدا كل شوارع باريس التي عاش فيها منذ عقود من الزمن وانا الذي أزورها للمرة الاولى ، ضحك وهو يقول لو خيروني ما بين جائزة نوبل وهذا البارك الذي حصلت عليه لسيارتك في وسط باريس لاختر البارك ! وضحكنا بقوة جميعا !
كان ذلك عام 2014 وهو اليوم الأخير الذي أرى فيه الراحل حسين الموزاني الذي غادرنا في 7/12/2016 في برلين بطريقة صدمتنا نحن اصدقاؤه وصدمت الوسط الثقافي العراقي والعربي ، وبينما كنت على موعد معه في أن أذهب الى برلين في الصيف القادم جاء خبر رحيله المؤلم وغير المتوقع !
حسين الموزاني الذي أقمنا له عزاءات في قلوبنا لا يمكن ان ننساه وهو الطيب الشهم النبيل والانسان الذي لا يساوم على مبادئه وكان يعتصره الألم خوفا على وطنه العراق وشعبه الذي عانى ومازال يعاني من الارهاب والقتل والحروب والحصار وسلاسل طويلة عريضة مرت بوطنه الأم الذي لم ولن يستطع ان يتنكر له الموزاني بالرغم من عيشه لعقود ثلاثة في المانيا . حسين الموزاني مثال في الاخلاص لشعبه ووطنه ومحبيه وهو الكاتب الذي نجح بتجسيد مأساة العراق في روايته ( اعترافات تاجر اللحوم ) والتي صدرت عن دار الجمل عام 1997 وهي رواية تتناول مأساة الحصار العراقي في فترة التسعينات .
وبعد زيارته للعراق سجل مشاهداته في كتابه ( أعوام الجمر والرماد ) وهي تجربة عن خيبة الأمل في حلم العودة للوطن المثخن بجراحاته التي لا تندمل !
وكان الموزاني الى جانب ترجمته من الالمانية الى العربية يكتب مباشرة في الالمانية وقد كتب رواية بعنوان ( منصور ، عطر بلاد الغرب ) ولاقت ترحيبا كبيرا وقد حصل من خلالها على جائزة ( شاميسو )الالمانية التي تمنح للكتاب ذوي الاصول الاجنبية فيما وصفتها لجنة الجائزة بانها تحفة ادبية . وكذلك لحسين مجموعة قصصية عنوانها ( خريف المدن ) وثمة كتب اخرى لدى دار الجمل تنتظر الخروج من المطبعة بعد رحيله . خسارة كبيرة رحيل صديقنا الكاتب حسين الموزاني الذي ذهب جثمانه من برلين الى بغداد ومنها الى مقبرة وادي السلام في مدينة النجف الاشرف ، وداعا حسين الموزاني الطيب والصديق المحب للجميع لقد تركت فراغا كبيرا وجرحا عميقاً في دواخلنا نحن الذين أحببنا فيك كل شيء ..
حسين الموزاني
أيها المبتسم على طول الحزن
الحزن الذي شيدتْ كربلاء دعائمه يوم الطف
قبل ألفِ من السنوات !
أيها الحالم بصفاء الود
ونقاء الروح
والعاشق للأرض المبتلة بالحرب
الى أين تمضي وحيداً في غياهب المجهول ؟
وأنت لم تسترح بعد من جراحاتك
المثخنة بالغربة
كنت تمقت عيش المنفى
وتسحق آلامه في شوارع برلين الموحشة
التي عرفتك غريباً عاشقاً للحزن
منذ عقود ثلاثة
تريث يا حسين ؟
أرجوك !
مازالت الحياة تتسع لعشقك الصافي
عشقك الواقف بالظل خجولا .
كانت وسادتك التي نِمتَ عليها في ليلتك الأخيرة
بيضاء كقلبك يا حسين
لكنك لم تصحُ !
وكانت ابتساماتك التي تسخر من الموت وجبروته
محملة بطيبتك النادرة
تنثرها على قلوب العشاق والحالمين .
الى أين ؟ … الى أين ؟
الى أين تمضي يا حسين الموزاني ؟
ها أنت تنقض عهدك مع الاصدقاء
برحيلك المخيب لآمالنا !

اوسلو




الانتقال السريع

النشرة البريدية