العبادي بين الأتفاق و الاتفاق

تعددت الاراء و وجهات النظر بين الاكاديميين و المختصين و العامة من الناس حول مفهوم السياسة و دلالاتها و مقوماتها اعتماداً على النظام السياسي المعمول به , و البيئة التي يعيشها , و درجة الثقافة , و تطور الحياة , و لكنها تتوحد بان السياسة هي فن ادارة المصالح أي تحقيق اكبر قدر من المصالح الداخلية و الخارجية و حمايتها و التضحية باخف الضررين منها . هذه المصالح متداخلة بين بني البشر و اتسعت دائرتها لتشمل المدن و الدول بل و هناك مصالح تشترك فيها المجتمع الدولي برمته و تسعى بالوسائل المتاحة لحمايتها و بعدم التعدي و التجاوز عليها .
العراق دولة تم تأسيسها عام 1921 من قبل الدول العظمى بالكيفية التي تناسب مصالحها على المدى البعيد و بريطانيا كانت رائدة في هذا المجال , و تم توقيع العديد من الاتفاقيات في المجالات المتعددة بينها و بين الدول المحيطة بها , و التي كانت السبب في مد و جزر علاقاتها نتيجة الالتزام او عدم الالتزام بنصوص هذه الاتفاقيات , لأن هذه الدول تملك مصالح أستراتيجية داخل العمق التاريخي و الجغرافي و لا تتنازل عنها بسهولة بل تدافع بشراسة عنها . شهد العراق في السنوات الثلاثة الاخيرة أي منذ عام 2014 احداث كثيرة تركت بصماتها على حياة العراقيين و المنطقة بأكملها منها عمليات الإقصاء التي مارستها حكومة المالكي مع المكون السني و ظهور الجماعة الارهابية (داعش) و قطع الموازنة و الرواتب عن اقليم كوردستان و الإقصاء التدريجي لها .
بعد استلام حيدر العبادي لرئاسة الوزراء أكمل مشوار سابقه بحلة جديدة فقد اجاد ادارة ملف المفاوضات مع الاقليم و ايجاد التنسيق المشترك بين القوات العراقية و الثيشمةركة في محاربة داعش و تحرير مناطق شاسعة من سيطرة داعش خاصة قضائي تلعفر و الحويجة , و كانت كل الاشارات تدل على ان الحكومة العراقية تنتظر الفرصة السائحة لمحاربة الاقليم سياسياً و عسكرياً , و ما ان أوشكت القوات العراقية من النهاية في حربها مع داعش إلا و بدأت توجه فوهات بنادقها الى الاقليم لتطلق كيدها المسموم المتراكم و حقدها الدفين لتجربتها الديمقراطية الى العلن , و مرحلة عقد الاتفاقات الداخلية و الاقلمية دخلت حيز التنفيذ و الكل يحمل تحت ابطيه اهدافه , و بدأت الحركة الدبلوماسية تتفاعل بين العواصم و نشطت خاصة بعد قرار الشعب الكوردستاني باجراء الاستفتاء الشعبي في 25/9/2017 رغم المناشدات الدولية المتعددة بتأجيلها او إلغاءها و منح الاولوية لحرب داعش .
إن الزيارات المتتالية لرئيس الوزراء العراقي (حيدر العبادي) الى عواصم دول الجوار يحمل بين طياته الكثير من المعاني , و كل عاصمة تريد منه التوقيع على أتفاق لصالحها و تحمي اجنداتها في العراق , فالسعودية تريد منها الخروج من كنف الدولة الايرانية و الاهتمام بسنة العراق و الاشتراك في الامور الاقتصادية و الاستثمارية تحت سقف (مجلس التنسيق العراقي السعودي) كخطوة في أتجاه تحسين العلاقات بين الدولتين بإشراف و مباركة امريكا , و مصر و الاردن يريدان من العراق ان يلعب دوره المنشود مستقلاً بعيداً عن تأثير ايران , أما تركيا التي تحمل الكثير من الاطماع و لديها نقاط الخوف في العراق فانها دعت العبادي الى إخراج قوات حزب العمال الكوردستاني من اراضيها ، لانها تشكل تهديداً لأمنها القومي و تأمين ضخ النفط الى ميناء جيهان و محاولة قطع الصلة بين اقليم كوردستان و كوردستان الغربية في سوريا , و إبقاء معسكراتها في داخل العراق , و الاهتمام بمطاليب التركمان , و قد لاقت المطالب التركية ترحيباً من قبل العبادي , أما ايران ذات النفوذ الواسع و المؤثر في القرار العراقي فانها تعمل بكل اجنداتها لتبقى العراق من جنوبه الى شماله اسيرة سياساتها و تقف ضد المصالح الامريكية و الغربية , و تستولي على منابع النفط سواء في كركوك او غيرها من المناطق و تحاول اكمال الهلال الشيعي الممتد من طهران الى بيروت مروراً بالعراق و سوريا و لديها من الاتفاقات مالا تحصى مع العراق تسمح لها ان تفعل ماتشاء و تلزمها القيام باعمال و تصرفات تصب في مصلحة ايران و امريكا الذي قدمت التضحيات الكبيرة و انفقت الاموال الطائلة لتحقيق مصالحها في المنطقة و خاصة العراق تقف الى جانب العبادي و تحاول مساندته باعتباره الاقرب اليهم و دعمه في الانتخابات القادمة , و يطالبه بمحاربة الاجندات الايرانية و ميليشياتها و ان الحشد الشيعي يعمل وفق السياسات الايرانية , و في المقابل يرد عليهم بان الحشد جزء من المنظومة العسكرية العراقية و ابو مهدى المهندس يناضل من اجل العراق في وقت صنفه امريكا ارهابياً و أن يضع مطالب السنة في الاهتمام في وقت ليس بيده حيلة ..
كل هذا و غيره الذي يختفى في بطون الرفوف من الاتفاقات و المطالب المتكررة تأتي في وقت يعيش العراق كدولة في ظل انقسام شيعي و شيعي حيث يقف المالكي على رأسهم ضد كل قراراته و تطلعاته طمعاً في تحقيق الفوز بالانتخابات القادمة و ضرب كل مشاريع العبادي بالحديد و النار , و يعزي احداث مدينة كركوك بعد 16/10/2017 الى غيره و لايعتد به كأنجاز من صنعه , كما و ان فصائل الحشد الشيعي لايتقيدون بأوامره رغم كونه القائد الاعلى للقوات المسلحة لانها مليشيات غير منظبطة تتكون من اكثر من (60) فصيلاً تحمل اهدافاً مختلفة و تتفاوت بقربها من ايران كما ان التيار الصدري و مجلس الاعلى لهما مواقف مغايرة لموقف العبادي في كثير من الاحيان .
و عليه فإن العبادي قد ألزم حكومته بالعديد من الاتفاقات و الوعود لدول الجوار و العالم , بحيث لا يستطيع ان يفي بجميعها في آن واحد لعدم القدرة الداخلية و تضارب التوجيهات الخارجية , لذا فان ممارساته مع اقليم كوردستان و وقوفه الصارم حسب أعتقاده تضمد جراحاته و يخفف كاهل التزاماته و ان الاتفاقات المبرمة بروح تأمرية و كيدية لايجدي نفعاً بل يعود اليه بالضرر فالمكر السيئ لايحقق إلا بأهله . لكن سرعان ماتتغير المواقف الدولية و ان المنطقة مقبلة على المزيد من الاحداث و التطورات التي نرى بأنها لاتصب في صالحه طالما يتمسك بهذه العقلية فعليه القبول بالتفاوض و الجلوس على المستديرة للحوار و الوصول الى الحلول و الكف عن لغة التهديد و منطق القوة .

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
773متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الإسلام السياسي والديمقراطية

الاجتماع القسري الذي أمرت بعقده إيران بين الفائز الأكبر في الانتخابات الأخيرة، مقتدى الصدر، وبين الفصائل الولائية المسلحة التي وعد بسحب سلاحها ومحاسبة فاسديها،...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

حديثٌ خاص عن رئيسِ وزراءٍ سابق!

لا ريبَ أنّ حقبة السنوات التي تولّوا فيها < اياد علاّوي , ابراهيم الجعفري , ونوري المالكي لدورتين > سدّة الحكم " وكانوا قد...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

خذلان الصداقة

احببته كثيرا ، حيث وجدتُ فيه شبابي الذي أفل منذ سنين .. لمستُ عنده نبلاً وحنكة في عمل هو خارج تخصصه العلمي ، لكنه...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

خواطر قديمة

كان الشتاء في قريتنا يتجاوز الثلاثة اشهر وله طعم خاص وكانت الامطار غزيرة جدا واغلب ايام فصل الشتاء ممطره وكان الشتاء شديد البرودة أتذكر...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

أطفال التوحد يحظون باهتمام الجامعة التقنية الوسطى

التوحد ( Autism ) هو عبارة عن اضطراب غالبا ما يصيب الأطفال ويؤثر على الجهاز العصبي لديهم ويحدث مشكلات في نموهم وتطورهم ، وتختلف...

ماسبب خوف طهران من إستمرار الاحتجاجات الشعبية؟

هناك تزايد في مشاعر الخوف والقلق من إستمرار الاحتجاجات الشعبية بين أوساط النظام الايراني ولاسيما فيما لو إستمرت لأکثر من 10 أيام، حيث تعتقد...