الثلاثاء 25 أيلول/سبتمبر 2018

تسييس الشعائر والطقوس الدينية

السبت 30 أيلول/سبتمبر 2017
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

ليس فينا من ينكر أو يتجاهل مكانة الرسول العظيم وآل بيته الأطهار والكل يعلم انهم قدوة لكل المسلمين وليس لطائفة منهم ، ولعل استذكارهم وزيارتهم أمرا يعد من الشعائر وطقوس الوفاء لأصحاب القيم والمباديء النبيلة ، ولكن التطرف والمغالاة يفسد هذه المناسبات فضلا عن استغلال بعض الساسة للمشاعر الدينية للناس وتوظيفها وهذا يعد خلطا خطيرا للاوراق .

فمنذ سقوط النظام في 9 نيسان 2003 حتى اليوم برزت ظاهرة تعضيد الشعائر الحسينية وكانت مقصورة على العشرة الاولى من محرم وحتى يوم الطف الدامي ، لكن التوظيف السياسي مد في عمر العزاء الى ما بعد الاربعين ثم الى مرد الروس ، وصرنا نتابع المشاهد المبرمجة في استغلال هذه المشاعر سياسيا ، والدليل على ذلك خلق شبكة واسعة من المواكب الحسينية في كل المدن العراقية ، وهي محاولة لخلق واجهات لبعض الأحزاب تستثمر كل عام لزيادة رصيدها في الانتخابات وكسب الولاء لخططها السياسية وللأسف ان هذا الأمر يتم لتعميق الانفعالات العاطفية الشعائرية عند بسطاء الناس والسذج خاصة منهم .

فصرنا نشهد الملايين يتركون أعمالهم وأحوالهم ويتفرغون للعزاء و السير على الأقدام للأماكن المقدسة في ضروف أمنية مازالت قلقة وأوضاع مهيئة لاستغلال هذه الحشود لاستفزازات طائفية والتعمد في تعطيل الحياة العامة وشلها بالكامل ، فضلا عن استنفار لكل الأجهزة الأمنية وعرقلة الدوام الرسمي في الدوائر الحكومية وتأخير مصالح الناس وتعطيل الحركة الاقتصادية والتطرف بممارسة هذه الشعائر مما يسيء ليس فقط للشيعة بل للدين الاسلامي نفسه .

ليس من المعقول أن تشل دولة بكاملها وفي مناسبات متكررة على مدى العام الواحد بسبب احياء هذه الطقوس ، ونحن على يقين بانها لو كانت عفوية لكانت بسيطة اعتيادية وليس بهذه الضخامة المتعمدة والمبرمجة والدليل عشرات الالاف من المواكب التي تقبض شهريا والالاف من السرادق المحمية من حرس خاص وتحت اشراف كيانات سياسية توفر كل شيء للمد في عمر هذه الشعائر وتعظيمها .. ليس محبة بالائمة ولكن استغلالا بشعا للدين ومحاولة للابقاء على سذاجة الملايين وعدم اعطائهم الفرصة للتمدن والتحضر .

لو ان هذه الاموال الطائلة تنفق على هؤلاء الناس في هكذا مناسبات وتنظم منتديات ثقافية في الجوامع والحسينيات ويتولى أشخاص متعلمين ومتنورين من القاء محاضرات عن سيرة آل البيت وضرورة بعث هذه القيم في سلوكنا الاجتماعي الراهن وحث الناس على القيام بأعمال تضامنية والاخلاص لجوهر الدين في الأمانة والصدق في العمل والأجتهاد والأخلاص في اعمار البلاد وتحويل هذه المناسبات الى ظاهرة للتكافل الاجتماعي ورعاية الأيتام والفقراء والمتعففين واستثمار أوقات الناس بالعبادات والزيارات الأعتيادية وليس المسيسة لكان الأمر يأخذ شكلا آخر .

لو اننا تأملنا ما الذي سيحدث في السنوات القليلة القادمة فأن الآتي سيكون بكل المقاييس مرعبا ومخيفا وستتحول حياة الناس الى مجرد احياء للشعائر والطقوس وتتحول أجهزة الحكومة بكل مستوياتها أدوات لحماية وتنشيط هذه الظاهرة بدلا من القيام بواجبات أساسية وضرورية أشار الدستور للعشرات منها وهي ما زالت معطلة .

ان الحياة في العراق أصبحت فقط استذكارات لمصائب آل البيت وهم أبرياء من هذه المغالاة وهذا التطرف والتسيس بالدين والمتاجرة بمشاعر المسلمين .. فحتى الجارة ايران تعيش بضعة أيام على مراسم العزاء وهي على مدى العام تمارس حياتها الطبيعية وتحرك مصانعها وتنعش اقتصادها وتنظم مدارسها وجامعاتها وتعمل دوائرها الحكومية بدون عطل وتنساب الحركة بشوارعها ولا تستغل جيشها وشرطتها بتنظيم مواكب الزائرين .

أصبح هؤلاء الذين سيسوا الدين يتحكمون بمصائر البلاد ولا يسمعون ولا يذعنون لصوت العقلاء والمثقفين والسبب هناك مرجعيات صامتة لاتقوم بدورها الأخلاقي لايقاف المغالين والمتطرفين ومخاطبة بسطاء الناس من الآباء والأمهات وحثهم على ان الحفاظ على أولادهم في بيوتهم آمنين خير ألف مرة من قيادتهم تحت لهيب الشمس ولمسافات طويلة وهذه تعد انتهاكا لحقوق الطفولة والمسنيين أيضا وانتهاكا لخصوصيات الأرامل والأمهات والزوجات والأخوات وهن يواصلن الليل بالنهار في الطرقات العامة .

نعم نحن نقدس هذه الروحية وهذه المحبة لآل ألبيت ولكن على هذه الطريقة فأن الحياة ستكون في العراق شبه مستحيلة ، لأن هذه الكتل التي تنظم هذه المسيرات تفرض هيمنتها ليس على مسارات الحكومة فقط بل على الدولة بكاملها وسيبقى العراق مزدحما طوال العام بهذه المناسبات ، رغم الجميع يعلم ان البلاد أصبحت خراب فلا زراعة ولا صناعة ولا تجارة شريفة ولا علم ولا تعليم بل مجرد استثمار الناس واستغلال مشاعرهم والابقاء على جهلهم .

ولبيبقى العراق كما تريد امريكا ودول الجوار مجرد سوق تستهلك ما يصدره الجيران من بضائع فاسدة ولعلنا نستطيع ان نشتريها اليوم بأموال النفط ولكننا ماذا سنفعل عندما يهبط سعر النفط لأقل من دولار حينها سيتحول العراق الى سرداق كبير لعزاء دائم وطويل وحينها ستحل علينا لعنة الله ولعنة احفاد الرسول لأنهم يقدسون العمل ولا يحبذون العطل .

[email protected]




الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.

tristique mattis id pulvinar mattis porta. Praesent dolor. suscipit