الأربعاء 14 نيسان/أبريل 2021

مجلة المجمع العلمي العراق / بؤس المنجز وضحالة المحتوى

الجمعة 01 أيلول/سبتمبر 2017
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

تسعى اكثر المجامع العلمية في اغلب الدول المتحضرة الى ان تكون منبراً للحوار الفكري الجاد والمستمر حول القضايا المهمة التي تشغل بال اي مهتم ومثقف وصانع قرار ومتابع حصيف تمثل همومهم واهتماماتهم .. لذلك يجب ان يكون بين هذه المجامع والمهتمين بأمر انتاجها عهد وميثاق يكون دائماً لسان صدق يعبر عن العقل والحرية باعتبارهما اداتين لبناء المستقبل ووسيلتهما الى ذلك ان تكشف عن مواضع الداء وسلبياته المحبطة في حياتنا بجوانبها المتعددة ، وكذلك تكشف عن تحديات تستفز الهمم لمواجهة تلك السلبيات وتجاوزها على نحو يدفعنا الى التزام نهج قويم في معالجة شؤوننا العامة .
واتساقاً مع سياسة المجمع العلمي العراقي ــــ كما هو منصوص بقوانين تأسيسه ــــ في اثراء معرفتنا بحوار عقلاني خصب وخلاق ، ان يقدم لمتابعي نتاجاته ــــ مطبوعاته ــــ وملتقياته ــــ المعدومة منذ 2003 ــــ موضوعات ذات مستوى علمي لا يقل عن مستوى اي باحث او متابع نبيه لتكون مجالاً رحباً لمناقشة قضايانا ومشكلاتنا على هدى من الموضوعية العقلانية والنقدية وفي ضوء الجديد من معطيات البحث العلمي والواقع وما يفرضه علينا من تحديات توجب مراجعة متجددة لرصيدنا وادوات عملنا .
ونحن كباحثين اولاً وكقراء ثانياً ، لا نعتبر ذلك دليلاً على اهمية وحيوية ما تحفل به نتاجات هذه المؤسسة من افكار ومواقف ورؤى فحسب وانما ايضاً على حركة العقل العراقي وحيوية الباحث / رجل الدولة / القارئ في هذه المرحلة الحرجة حيث ثبت انه عقل رافض لكل ما احاطت به وسائل الاعلام الموجهة من الغث والتافه الساقط من الافكار والمواقف ، عقل يفكر بعمق ويبحث عن الكلمة الجادة ، الموقف الصادق ، الرؤية المجتهدة ، بصرف النظر عن الاتفاق والاختلاف بينه وبينها .
فالحوار الحقيقي الذي يجب ان نسعى لاقامته بيننا ــــ المجمع العلمي / الباحث / القارئ ــــ حوار لا ينتهي بالضرورة الى اتفاق كامل في وجهات النظر ولكنه الحوار الذي يوضح الافكار ويعمق الرؤى ويدفع بالاجتهادات الى اقصى نتائجها المنطقية او يرشد المواقف حتى تمضي على طريقها الصائب الذي يحاول ان يقترب من الحقيقة دائماً .
صحيح ، ان احداً لا يمكنه ان يزعم العصمة الا ان أمكاننا تحقيق الممكن وتوظيف قسم من غير الممكن ، في سبيل ان نحافظ على مصداقية هذه المؤسسة . والمصداقية ، خاصة العلمية ، هي عماد اي عمل علمي امام الباحث / القارئ ، والضمير المهني ، والوطن ، الذي يطالبنا بواجبات كثيرة اقلها ان نكون صادقين وموضوعيين .
فالثقة التي يمنحها الباحث لمجلة المجمع العلمي لا يجوز ان تكون يوماً مادة تفريط وتبديد بل يجــب ان تكـــون سنــداً للمواجهــة ولتأكيد فعل وعمق مادتهــا في العقول والقناعات . تلك قواعد التعامل السليم الذي يجب ان يقوم بين المجمع العلمي والآخر الذي يعطيها ثقته وهو ما يلزمها .
والمادة العلمية الجيدة المقدمة لمجلة المجمع العلمي تفرض نفسها وليست بحاجة الى من يرفعها الى مرتبة الجودة لتكون ذات قيمة . فالجودة هي مقياس في عملية التقويم ، والمعرفة ليست بضاعة كاسدة بحاجة الى من يروج لها . وعندما تتولد لدينا مقدرة علمية عالية ينبغي ان نهبها اقصى قدر من حرية التعبير حتى ولو من هو راسخ في نفوسنا او في قناعاتنا . والسبب ، ان هذه القدرة ليست ملقاة على قارعة الطريق وباستطاعة اي كان ان يكونها ولا يمكن لأي كان ان يتجاهلها او لا يعترف بها مهما كان موقفه الفكري منها ، لاننا امام خلق واعجاز لا ينكره الا من يظن انه يراهن على غباء المتلقي او يظن انه ليست له القدرة على الاستيعاب .
ولاجل الوصول لهذه الغاية تبرز ضرورة اختيار هيئة تحرير مجلة المجمع العلمي من بين باحثين مؤهلين ذوي سمعة علمية وخبرة طويلة مع ضرورة توحيد تعليمات النشر في هذه المجلة وضرورة اختيار المقومين لما ينشر فيها من اهل الاختصاص والسمعة العلمية الجيدة لضمان استمرارية المستوى الجيد والرصين مع ضمان ايصال هذه المجلة الى جميع المهتمين بالعمل العلمي في داخل العراق والوطن العربي وخارجهما .
ان اطلاق التقييمات من قبل مسؤول مجلة المجمع العلمي من دون اساس او مقياس ، امر مرفوض ، فلابد من ضابط متفق عليه او ماخوذ به عند عدد من ذوي الخبرة العلمية والرأي السديد . فما هي المقاييس التي تتبعها مجلة المجمع العلمي في تقييم النتاجات المقدمة لها ؟
اننا اذا ما اردنا الرقي بمستوى انتاج المجمع العلمي ومجلته عبر قنواته العامة والاختصاصية ، فان الواجب يقضي الاهتمام بالتقويم الحصيف الموضوعي المتجرد من عنصر التملق والمجاملة والمسايرة لرأي رئيس المؤسسة .
والتقويم الحصيف يجب ان يتضمن الوصف والتفسير والتحليل والاستنتاج حتى تخلق ذوقاً عاماً قادراً على التمييز بين الغث والسمين ، بين الجيد والرديء ، بين الاصيل والمبتكر ، بين الجمود والابداع . ولكن ، هل تستطيع مجلة المجمع ان تختار المقوم العلمي المناسب الذي يقدر على التقويم المنصف وفق معيار علمي موضوعي بعيد عن الانحياز والتملق الاسترزاقي ؟
ان المشكلة التي نواجهها في عمل المجمع العلمي متعددة الابعاد ، وآية ذلك ، ان التقويم الاسترزاقي المتملق منحاز ، لان الاحكام او احكامه التقويمية في مجالات النقد والتحليل انما هي نتاج الرأي الخاص للمقوم ، لان الحكم التقويمي يمثل وعي الخبير وادراكه في مجال الموضوع المراد تقويمه ، ولا يكون الحكم موضوعياً متجرداً عن انحياز المقوم الا اذا تمكن المقوم من ابعاده عن اتجاهاته ، ومقاصده وتطلعاته الشخصية بصورة واعية حتى يصبح دوره مثل شاهد العيان الامين الذي لا يقول سوى ما رآه بأم عينيه بدون اضافات او تشذيب ، فهو يجمع على ابانة قوة الدراسـة ونقـــاط ضعفها ، واتساقهــــا وتناقضهــــا ، جودتها او رداءتها بكل امانة .
ولكن مقوم مجلة المجمع العلمي العراقي يخضع لتأثير عقده النفسية بسبب امتلاكه عقلية تقليدية متخلفة ازاء علمية الاخر المتقدمة والمتطورة ، وقد يكون مدفوع بدوافع باتت مكشوفة بواطنها ولا تنطلي حتى على السذج . وبذلك يختلف عن اولئك الذين يحرصون على اسمائهم ومكانتهم في درجة انحيازهم العلمية ، فانهم يتجهون نحو مهارة الاداء متبعين المنهجية السليمة والفرضية الصحيحة للعمل العلمي الذي لا يرقى له شك ، الربط والاستنتاج المنطقيين ، دقة التعبير ووضوحه ، التوصل الى استنتاجات ومقترحات ذات علاقة بالموضوع ، ومن ثم يصدرون احكاماً ، بحيث تصيب اهدافها بحكمة واتزان من اجل تعزيز البحث عن الحقيقة وتقديم الدراســـة الافضل للقــراء ، وبشهادة واضحــة لا لبس ولا غمــوض ولا ابهــام فيهـــا ، ولا يرقـــى لها الشك ، والاسترزاقية التملقية .
والمقوم الحصيف يحذر الف مرة من الاسراف في التخصيص والتعميم ، وهو حريص على فهم المعاني التي اوردها منتج العمل العلمي ، سواء مؤلف او مترجم ، يقلبه ذات اليمين وذات اليسار لكي يتأكد مما ينطوي عليه من مضامين خفية او مضامين فضفاضة من جهة نظر القارئ في الثقافة التي هو فيها . فالمقوم العلمي يبذل جهده في محاولة منه لاستخلاص ما يقوله كاتب الدراسة لكي يتمكن من تقدير القيمة العلمية والادبية لها واصدار حكمه بشأنها .
ان على رئيس تحرير مجلة المجمع العلمي الحرص على تقديم الافضل والاحدث لقراء المجلة ، وعليه ان يحرص على استقطاب كبار الكتّاب والعلماء والباحثين والمترجمين ممن يمتلكون ناصية المعرفة والمشهود لهم بوافر الثقافة او بالمصنفات العلمية .
ان هؤلاء لا يحتاجون الى من يقوم نتاجاتهم العلمية الا اذا كانت تعالج اموراً مثيرة او غير محسومة من الجوانب السياسية والفكرية ، عندئذ تسعى ( المجلة ) وبالاتفاق مع كتابها او مترجميها الى التعديل او الحذف حتى تتوافق المادة العلمية مع الاتجاه المقبول .
ان مفهوم التقويم يتضمن معنى قطعياً في المعاجم ، وان قرار المقوّم اذا كان سلبياً وفق عقده النفسية وميوله التملقية / الاسترزاقية قد يحرم القراء من دراسة علمية مفيدة للقارئ ، فضلاً عما يلحق بكاتبها او بمترجمها الاحباط من وجود مثل هكذا مقوم وبالتالي عدم التعامل مع مثل هكذا مؤسسة .
ان المقوم العلمي الجيد هو الذي يملك حساً مرهفاً نحو مختلف جوانب الثقافة ويكون ملماً في مجال اختصاصه المعرفي ومشهوداً له في كذا جانب حتى يتمكن من كشف التعقيد الذي تطرحه الدراسة او تتناوله بالبحث والتحليل ، ومن ثم الكشف عن جواهر الدراسة ممثلا بغاية الباحث وكيفية توصله اليها او نفيها .
والصدق يشكل شرطاً لازماً للمقوم ، لان وظيفته بالاساس الكشف عن الافاق العلمية وتتبع خطوات البحث واتساق مفرداته وترابطها ومدى اهتمام الباحث بالمعرفة والذوق في الثقافة المعنية التي يكتب لها . ويتطلب التقويم الصحيح للدراسة ايضاً ، التفسير والشرح والمناقشة ، وهذا يتطلب مقوماً يمتلك نواحي المعرفة والنضج حتى لا يشط في قراره نتيجة محدودية مساحة معرفته او نتيجة انحيازه او انفعاله . وكلما كانت شخصية المقوم اكثر اتزاناً كلما كان حكمه اكثر ملائمة لاذواق القراء واكثر مصداقية وثباتاً .
ان على مجمعنا العلمي ومجلته ان يكون حصيفاً في انتقائه للمقوم والخبير العلميين ، وان يبعد العناصر الانفعالية والعدائية وان يطالب بقية المقومين ــــ تقويم بحوث مجلة المجمع محصورة بشخص رئيس التحرير الذي هو رئيس المجمع العلمي ــــ بوضع المعايير التي تكفل التمييز بين الدراسة الافضل والاسوأ ، الاكثر ملائمة وغير الملائمة ، ومن اهم المعايير التي يتعين عى المقوم اعتمادها هي :
1- وضوح العبارات وترابطها ، ويتضمن ذلك الكشف عن الاخطاء والتناقض .
2- الايجاز والدقة ، ويتضمن الكشف عن التكرار والاطناب غير المبرر .
3- الاتساق والثبات في المنهجية والتوثيق .
4- الاقناع بأهمية الدراسة ودرجة ملائمتها للثقافة العامة .
5- المصداقية .
6- الاداء الجديد او المقترحات العلمية الممكنة التطبيق التي توصل اليها الباحث .
7- مراعاة الذوق العام وحاجة القراء .
8- الاسلوب ومدى قدرة الباحث على اثارة اهتمام القراء .
الحقيقة ، ان المقوم لا يستطيع تغيير شخصيات الآخرين واعمالهم الا بتكثيف حدة شخصيته وحرصه على درجة علميتها ومكانتها في المجتمع . ولما كان التقويم يتضمن التفسير والتحليل والتوصيف والتقدير والاستنتاج ، فان على المقوم ان يبعد انحيازاته ما استطاع الى ذلك سبيلاً خلال عملية التقويم التي يكلف بها وبخلافه فان قراراته ستكون خاطئة بحق الباحثين والكتّاب والمترجمين وكذلك القراء . فالتقويم الملتزم يعكس حاجة العقل ونقاء احساس النقد ، وهو ناتج عن عقل شفاف حريص على نشر المعرفة بعفة متجردة . واما التقويم المنحاز فهو نتاج عقلية اسيرة لذات مريضة او مغلقة لا تأبه لترجيح الاعمال المعرفية بحسب ما تستحقه من تقدير ولا تسعى الى الرقي بالذوق الجماهيري او اغنائه ، فالدافع الذي يحكم هذا المقوم هنا هو دافع غريزي عدواني .
وعلى اساس ما تقدم … ارى ان واجب المجمع العلمي ان يشخص المقومين الذين لا يصدرون احكاماً موضوعية راجحة وتبعدهم عن مسؤولية عظيمة كهذه . والا يقع في اشكالات ومطبات . يكفي عدم مشاركة اصحاب العلاقة في نشاطاته العلمية وعدم اقبال القراء على اقتناء مطبوعاته .




الكلمات المفتاحية
العراق المجمع العلمي

الانتقال السريع

النشرة البريدية