الثلاثاء 25 أيلول/سبتمبر 2018

جريمة تحت مطرقة القاضي ..!

الأربعاء 30 آب/أغسطس 2017
عدد القراءات: التعليقات
حفظ طباعة

في عام 1974 تحديداً وفي مدينة فلوريدا جنوب شرق الولايات المتحدة، قَدمَت المحكمة أحد المسلمين متهماً بجريمة قتل مواطن أميركي مسيحي، بدافع الدفاع عن النفس، أمام القاضي ليبت بالحكم عليه آنذاك، كان القاضي ثرثاراً منفعلاً بفحوى طائفي لأنه مسيحي أيضا! وأراد أن يلعب دور رجل الدين الحقيقي الذي يُنكر الجريمة! ويدعوا الى السلام، محاولة منه للإنتقاص من الإسلام أولاً! وليخفي وراء حديثه ملامح وجهه المتأثرة وأنفعالاته، ليبين للمجتمعين بأن دين المسيح يمثل عدالة الإنسانية، وجوهر تعاليم السماء، فكان نص كلامه للمتهم:” نعم إنك قد تجربنا بأن نصدقك بأنك قتلت الضحية للدفاع عن نفسك، ولكن بالنتيجة أنت أزهقت روح خلقها الله لتعيش وتنعم بالحياة، وهذا ما ينكره الدين الحقيقي”.

مع تلك اللحظة؛ لم يتمالك القاضي نفسه، فضرب المطرقة التي كانت بيده على الطاولة بقوة! ليُعبر عن إنكاره للجريمة، ومن محاسن الصدف أن تكون نملة على تلك الطاولة، قتلتها مطرقة القاضي! ظن القاضي بأن لم يراه أحد، فتابع كلامه! محاولاً إخفاء النملة عن الأنظار، تبسم المتهم وقال:( إنني سأعمل على إقناعك بأني دافعت عن نفسي عندما أزهقت روح الضحية، ومنعتها العيش كما تقول، ولكن هل لك أن تقنعني انك دافعت عن نفسك وأزهقت روح تلك النملة؟! التي خلقها الله لتنعم وتعيش في الحياة، هل دينك يجيز لك منع رسالة السلام عن النملة؟ النتيجة واحدة كلانا ازهق روحاً، ولكن النملة كانت ذاهبة في طريقها فقتلتها أنت! والرجل الضحية كان قد أتى بيتي ليقتلني، فقتلته أنا!)

سكت القاضي؛ وتابع المتهم حديثه، وكأن كل شيء تغير، بات المتهم قاضياً! والقاضي متهم! وراح المتهم يتابع حديثه، ليبين للمجتمعين رسالة الإسلام، فكان نص حديثه:(سيادة القاضي الجاني؛! كنت تحاول أن تحكم عليه بالقصاص، وتتكلم معي بأن رسالة السلام تنطلق من دينك ومعتقدك، إن ديني ومعتقدي أجاز لي الدفاع عن نفسي، لأنه على كل الفرضين ستزهق روح أحدنا، وسيمثل هو أمامك بجناية قتلي، وأجاز لي ديني أن أطالبك بدية روح تلك النملة التي قتلتها، ديننا يحترم المخلوقات على أدق وأصغر حجم ويُجرم قتلها، لأن ديننا يجزم بأن في خلقها حكمة ومنفعة، وقبل أن تنهال علي بسوط كلامك المشحون المنفعل، كم أتمنى لو أصلحت نفسك، وتكلمت لي عن رسالة سماوية أعم وأشمل من الرسالة التي أكلمك أنا بها).

للغة الخطاب فنون ومؤثرات، قد تجذب وتؤثر في نفس المستمع، من حيث ما يجده صائبا، ولكن أعظم ما يجعل الخطاب مؤثراً، هو الصدق بالحديث، والانطلاق من حيث التجربة، فنجد تجربة القاضي المسيحي، في سرد مفاهيم رسالة هو يؤمن بها، كانت تحتاج الى المصداقية مع نفسه على أقل تقدير، جُل ما كان يطمح له، هو تحقيق مآربه من حيث الإنتقام لشريكه في الدين! إذ لم يكن بمستوى ما تكلم به الرجل المسلم، من حيث الحجة الدامغة, والبرهان المنطلق من حيثيات الصدق ومبادئ التجربة، التي وجدها وأمن بها في دينه وحياته، وعلى هذا القدر من التوضيح، سأنطلق بك عزيزي القارئ الى جريمة أُخرى، ولكن هذه المرة الجريمة من نوع اخر، و على مسرح خطيب المنبر..!

بعد إن ركن سيارته الفاخرة، دخل الخطيب الى المسجد، ليعتلي المنبر، ويحدث المجتمعين عن الصبر, والزهد, والقناعة, في إنسانية “علي إبن أبي طالب”! وكان الخطيب مسترسلاً في كلامه، مستعين ببعض المصطلحات والألفاظ، التي يرها قد تكون مناسبة ومؤثرة في نفس المستمع، فقطع حديثه أحد الجالسين! وكان عامل نظافة!
سيدي الشيخ؛ خرجت من بيتك ذو الثلاث طوابق، والمؤثث بما لا ينقص حياة المترفين شيء! وأتيت بسيارة فارهة! وملابس جميلة غالية الثمن، لا أستطيع شراءها ولو جمعت مرتبي لمدة عام كامل! وعطرك الغربي الذي ملأ أركان المسجد! وخواتيمك العقيق والزمرد والفضه التي ملأت وأثقلت أصابعك! أقلها سعراً بثمن مرتبي لنصف سنة! وموبايل “الأيفون” الذي بيدك، وتذهب في كل عام الى الحج أو العمرة! فدخلت المسجد؛ وصعدت المنبر لتحدثني عن الزهد والصبر والقناعة؟!.

هل لك أن ترافقني لمرة واحدة، فتدخل غرفتي المسقوفة بالصفيح المتصدأ، وتنام على بساطي الممزق، بلا تكييف أو تبريد يلامس جسدك الرقيق المترف! ثم تستيقظ في أول الصباح، وتحمل مكنستي وتنظف شوارع المدينة، حتى الساعة الثانية عشر ظهراً، وأنت صائم تتلافحك حرارة الشمس، والهواء العاصف المترب اللاهب!.ثم ترجع معي الى الغرفة ذاتها عصراً! لتجد أطفال يتصارخون من شدة الجوع! فتقنعهم بحديثك هذا، وكلامك المعسول، عن الصبر والزهد، على السكوت وعدم البكاء، ومن ثم تعال معي الى المسجد، لتتكلم عن الصبر والزهد في الحياة.

سيدي الجليل: أنا أعمل ذلك كل يوم، وإني صائم لا أجد سوى الصبر مفتاح للفرج، والزهد والقناعة تيمنا بمدرسة “علي”، من الأحرى أنا من يعلمك الصبر والزهد والقناعة عن صدق وتجربة، لا عن خطاب تنقصه المصداقية! لا يجد سوى أذان صماء! قد إنشغل أصحابها بالتفكير في ثمن ملابسك, وعطرك, وسيارتك, وخواتمك, وبدل أن تكلمني عن ما أجيد الحديث أقول:
• حدثنا عن ظلم السلطة, ورياء الحكام…!
• حدثنا عن البطالة؛ التي أزهقت البلد وأضاعت أبناءه.
• حدثنا عن تجويع الشعوب، وخط الفقر الذي نحن فيه.
• حدثنا عن المحاصصة والتهميش وإقصاء الفقراء وظلمهم.
• حدثنا عن غياب العدالة وتلاشي معالم مدرسة “علي”.
• حدثنا عن الفساد الذي نخر دولة بأكملها.
• حدثنا عن أسباب الترف الذي أنت فيه والحال الذي نحن عليه.

قد لا تحتاج هذه المقالة الى ما يختتم الحديث به، لأن الصورة باتت واضحة المعالم، وتهيأت لدى كل قارئ خاتمة هو يجيد التعبير عنها، عن مصداقية وتجربة، يرها في المحيط الذي يعيش به، ولكن نقول متى ما صلح الراعي صلحت الرعية، وإذا ما كان الراعي السياسي قد أسرف عليه الشيطان بفضائله وعطائه، فأنساه من هو ومن يكون، فما بالنا بالراعي الديني الذي ينطلق من قاعدة المجتمع، والمحيط الذي نحن فيه، للأسف الشديد قد نلحظ تأثير السياسيين وخطاباتهم المعسولة، باتت اكثر تأثير من الخطاب الذي يتملكه المرشد الديني أو التربوي من خلال المنبر، فهل السبب في تلكم الجماهير التي إبتعدت عن أصحاب المنابر، أم ان المصداقية والتجربة إنفقدت وتلاشت، في خطاب أصحاب المنبر، خصوصاً بعدما أترفت اجسادهم ملذات الدنيا وزخارفها..




الكلمات المفتاحية
الولايات المتحدة مطرقة القاضي

الانتقال السريع

النشرة البريدية

تعليقات فيس بوك

تنويه لابد منه: ايماناً منا بحق القارئ فى التعليق على الاخبار و المشاركة الفعالة بعرض وجهات النظر المختلفة، فقد اضفنا خدمة التعليقات بواسطة حسابك على الفيسبوك.

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأى ادارة الموقع و يتحمل كتاب التعليقات المسئولية الاخلاقية عن محتوى تعليقاتهم.

Lorem risus sem, diam ut odio lectus in ut leo Sed