التعارض والتغارض!!

المجتمع يخلط المفاهيم ويشوهها ويمنحها ما يعزز تحريفها وتمريرها لتحقيق غاياتٍ تناهض جوهرها , وهذا ينطبق على العديد من المفردات والتعابير المحلية والمستوردة , أو المستنسخة على آلةٍ قديمة صدئه.
فالتعارض في سلوكنا يعني التعادي والعدوان , فمعارضي هو عدوّي الذي يريد إزالتي ومحقي , وليس رفيق مسيرتي للوصول إلى الهدف بأفضل السبل , وعندما يتحول المعارض إلى عدوّ تتقيد الحياة بالخسران وإستنزاف الطاقات وتبديد القدرات , وإتلاف الحاضر وإلغاء المستقبل.
وهذا الخلط يتجلى بقسوة في تفاعلات الواقع السياسي (إن صح ذلك , فلا وجود لسياسة في بلداننا) , وكلما تتابع نقاشا على شاشات التلفزة أو في وسائل الإعلام الأخرى , تتضح أمامك صورة التعادي والتغارض لا صورة التعارض والتفاعل المبني على الحجة والدليل , والقدرة على إبداء الرأي المعرفي العقلي العملي الصالح المقنع , وإنما يتسلط دوي الإنفعالات ومفردات الرعد والبرق والنيل من الآخر , حتى لتشعر بأنك أمام مشهد في حلبة مصارعة الثيران , أو أمام أكباش تتناطح وديكة تتقاتل.
تلك حقيقة مخزية وقاسية وأليمة تخيم على الواقع الخالي من الكلمة الصادقة والفكرة الراجحة , والإيمان بوحدة الهدف والمصير والتأريخ والإنتماء والوطن.
فما يدور في أروقة الويلات آليات التعادي والتغارض بما يرافقها من تقنيات دفاعية أولية بدائية ذات إرتباط بأمّارة السوء والبغضاء , كالتعميم والإسقاط والنكران والتبرير والشك والخوف والهلع من الآخر , وتحفيز قدرات الفتك والإلغاء , وغيرها الكثير من سلوكيات التمحن والإستنقاع والتوحل بالذات والموضوع , وعدم القدرة على الخروج منها إلى ضفاف الحرية والعمل الإيجابي البنّاء.
ولهذا فأن قدرات المجتمع مكبلة بقيود ثقيلة ومصفدة في غرف الأسر الدفاعية , فكل حالة تدافع عن وجودها ضد الحالة الأخرى , مما يمنع الحالتين من الخطو إلى الأمام , أو إنجاز أي مشروع أو هدف ذي قيمة وطنية وإقتصادية.
ولا يمكن للمجتمع أن يتطور ويتقدم إن لم يتحرر من هذه القيود المكلفة , التي تهدر وقته وطاقاته وثرواته وتدفع به إلى حضيض الويلات والتداعيات المريرة.
فلا بد من إعادة فهم المفردات والمفاهيم وتحقيق الآليات السلوكية اللازمة للوصول إلى الأهداف المشتركة الصالحة لأبناء المجتمع بعيدا عن أي إعتبار آخر , فالإنتماء يجب أن يكون للوطن والحاضر والمستقبل , وأن يتحقق الشعور بالمسؤولية الوطنية والإنسانية , وعلى الجميع أن يعي حقوق الأجيال في كل زمان , فالذي لا يحترم حقوق الأجيال يأخذ البلاد والعباد إلى أتون سقر.
فهل من تعارض بنّاء لا تغارض وجفاء؟!!
*التغارض: التزاحم أو التقاتل على الهدف و القصد.

المزيد من مقالات الكاتب

المثلث المحذور!!

التصالح مع الوطن!!

التضليل بالدين!!

التأمل والتحمل!!

التلقيح الذهني!!

التحرر من النفط!!

المادة السابقةالمسائل المستحدثة
المقالة القادمةليس من العيب الإنتماء

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
806متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

في الامتحان يكرم مقتدى أو يُدان

لمقتدى الصدر، منذ تأسيس جيش المهدي وتياره الصدري في أوائل أيام الغزو الأمريكي 2003، عند تلقيه شكاوى من أحد الفاسدين، وخاصة حين يكون قياديا...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

مظلومية العراقيين… من لها ؟

تعددت المظلوميات التي حُكمنا بها ! بعضها أُعطيت لها أبعاداً طائفيةتاريخية ومنها معاصرة, أُسكتت بالسلاح الكيمياوي لإطفائها ووأدها. مدّعو هذه المظلوميات, الذين أدخلهم المحتل الأمريكي...

التحولات الاجتماعية والنظم الثقافية في ضوء التاريخ

1     نظامُ التحولات الاجتماعية يعكس طبيعةَ المعايير الإنسانية التي تتماهى معَ مفهوم الشخصية الفردية والسُّلطةِ الجماعية . والشخصيةُ والسُّلطةُ لا تُوجَدان في أنساق...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

كاتيوشيّاً

طَوال هذه السنين الطِوال , يستغرب بل يندهش المرء لا من اعداد صواريخ الكاتيوشا التي جرى اطلاقها هنا وهناك < دونما اعتبارٍ للمدنيين الذي...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

الرئاسة بين الألقاب والأفعال!

لم يتعود العراقيون أو غيرهم من شعوب المنطقة إجمالا على استخدام مصطلحات التفخيم والتعظيم على الطريقة التركية أو الإيرانية في مخاطبة الما فوق الا...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

إنبوب النفط العراقي الى الأردن.. ضرورة أم خيانة؟

لكل دولة سياسات ومواقف عامة وثابتة، تلتزم بها الحكومات المتعاقبة، وإن تعددت أساليبها في إدارة الدولة منها: حماية اراضي الدولة وسياداتها، رسم السياسات المالية...