البطالة ، بوابة إرهاب الدولة الواسع !

يُقاس مدى نجاح النظام السياسي لبلد ما بنسبة البطالة ، لأن التناسب بينهما عكسي ، أي كلما قلت هذه النسبة ، حكمنا على نظام ذلك البلد بالنجاح ، ورغم تطوّر الأنظمة السياسية في أوربا مثلا ، نجد أن هذه النسبة لا تصل إلى الصفر ، ورغم ضآلة هذه النسبة ، فإن الدولة ملزمة بتخصيص ما يسد رمق العاطلين عن العمل ، بالرغم من عدم نفاذ فرص العمل على الإطلاق ، لإنهم كُسالى أوإنتقائيون جدا في العمل ، وقد ركنوا إلى الراحة ، مستفيدين من إمتياز الأنتماء كونهم يتمتعون بحملهم لجنسية هذا البلد ، كيف لا وشعار مواطن هذه الدول (الحقوق أولا ثم الواجبات) ، لكنّا أفنينا أعمارنا بشعار معكوس ، لقد أدّينا أكبر الواجبات وهي أرواحنا ، دون أن نحصل على أي حقوق ، فصار تلميذنا يذهب إلى المدرسة بحذاء ممزق ، وملابس بالية لا تكاد تستره ومعدة خاوية ، ليُجبر على أداء نشيد (موطني ، موطني) في الأصطفاف ، وهي حبكة مؤلمة لكن واقعية وجدتها في (الفيس بوك) ! .
ربما تزداد نسبة البطالة قليلا في بعض البلدان بسبب ضعف الموارد ، أو المشاكل الإقتصادية التي صارت عالمية ، ففي نظرنا أن ثمرة العولمة (Globalization) الوحيدة هي عولمة المشاكل فقط ، من أزمات مالية وإقتصادية وبطالة وتلوّث ورعونة سياسية وإنحلال وغسل للأدمغة ، سبب آخر للبطالة هو إنفاق الدولة الكبير على مشاريع تربوية وخدمية وإسكانية ودعم إنساني وتأمين صحي وتطوير أمني وعسكري ومحاربة الفقر ، تعتبرها تلك الدولة من صَلب الواجبات ومن المسلّمات ، وهي تصب بالتالي لمصلحة مواطنيها ، لذلك نراها تعوّض عن ضعف الموارد بالإستثمار وتنمية الصناعة والزراعة والسياحة وغيرها من المشاريع ، على الأقل لأجل الحفاظ على نسبة البطالة منخفضة ، إلا في العراق ، فقد غابت عنها تلك الواجبات تماما !.
الحكومة العراقية ، الوحيدة على وجه الأرض ، نراها تعمل بالمعكوس ، وتخالف أي منطق أو قانون أو علم أو عَرف في سياساتها ، لذلك نراها تحتل الأرقام القياسية العالمية في كل ما هو سيء ومخزي ، نعرفها جميعا ولا داعي لسردها ، دولة إنقرض فيها الفخر والإعتداد والعزة بالنفس ، منها إنها تحتل مراتب عليا في إرتفاع مستوى الفقر ونسبة البطالة ، تلك الآفة الخطيرة ، والوحش المرعب الذي يهدد كيان البلدان ، إنه يهدد الإستقرار والأمن ، آنه صنو حقيقي للإرهاب ، بل إن الأرهاب هو وليد البطالة .
أنظر بعين العطف ، إلى شبابنا الخريجين وهذا موسم تخرّجهم من الجامعات ، يؤلمني تفائلهم العفوي وفرحهم بعد سنوات من الجهد والدراسة ، ممتلؤون بالعنفوان والتفاؤل والعزم ، ليجدوا أن الخيبات بإنتظارهم ، وهم يواجهون مصير مستقبلهم المهني المظلم ، في ظل دولة يتراكم فيها الخريجون وحملة الشهادات ، والمحظوظون القليلون منهم قد يجدون عملا (ليس حكوميا طبعا) ، بعيد جدا وأدنى بكثير عن إختصاصهم ، الأقل حظا من يجد وظيفة (أجير يومي) في دوائر الدولة ، بأجر بخس للغاية لا يكفي لكلفة النقل ! ، موعودين بأمل كاذب وهو التوظيف على الملاك ، وتضيع السنون من شبابه ، وهو يجد نفسه مراوحا في مكانه ! ، يرى بأم عينيه موظفين كُثر بشهادات مزورة ، أو بمؤهلات كاذبة ، أو من رفعتهم الرياح السوداء من المحسوبيات أو الإنتماءات على حساب الكفاءة طبعا ، فيأكله الحيف وضياع العدالة ، فكيف ترجو الدولة إنتاجا ؟! ، أما الباقون ، فسينزوون في منازل ذويهم ، محبطين مُدَمّرين مكسورين ، لاعنين يوم دخولهم للكلية ، ذويهم الذين طالما راودتهم الأحلام الكبيرة ، وهم يبذلون الجهد والمال والترقب والقلق في دولة تخلو من الأمن والأمان ، هذه العوائل ترى إبنها قد تحول من مُعيل ومُعين لها على هذه الحياة القاسية ، إلى عبء نفسي ومعيشي ، لهذا ظهرت الكثير من الدعوات على مواقع التواصل الإجتماعي ، بنبذ التعلّم ، لأنه تعب لا يُفضي إلى نتيجة !.
كل دول العالم تُحارب الفقر والبطالة بكل ما أوتيت من قوة ، لأنها تعلم أن الجوع كافر وضيق ذات اليد مجرم بحق الإنسان ، الفقر رأس كل آفة وجريمة ومرض ، الفقر هو من يغذي الإرهاب ، أو على الأقل الإنتقام من دولة أبخسته حقوقه ، وإني أتسائل ، أعينوني يرحمكم الله على الجواب ! ، متى يُزال الصدأ عن التنمية ؟ ، هل بسبب الأزمة المالية والتقشف ؟ ، وهل يوجد إستثمار ومردود مادي أكبر من تشغيل مئات الآلاف من العاطلين عند تشغيل مئات الآلاف من المعامل المتوقفة ؟ متى تتحرك عجلة الإنتاج والزراعة ، متى يُدعم القطاع الخاص ؟ ماذا تنتظر الدولة من العاطل؟ ، من أين يأكل ؟ متى يتزوج ؟ متى يمتلك منزلا وسيارة ، اليست تلك أبسط الحقوق ؟ ، فيعيش العاطل صراعا قاسيا ، وشعور قاتل بالحيف ، لا يلبث أن يتحول إلى رغبة عارمة للإنتقام ، وهو يرى بلدا منهمكا بالجباية ، ولا يدعمه ، وهو يرى السّراق والإمّعات ، وذيول الأحزاب ، وكل ذي عقل خاو ، يمتلك القصور الفارهة والسيارات والمناصب .
وبسبب توقف التنمية والبناء توقف عمل الشركات الخاصة ، وهي صمام الأمان للعاطلين ، والشركات الباقية ، تبخس حق موظفيها بعيدا عن الرقابة أو النقابات ، ففي أحد المرات تقدّمتُ لأحدى هذه الشركات المعنية بإستيراد وتصليح وصيانة المولّدات الكهربائية والكائنة في ساحة (الواثق) ، لكون راتبي التقاعدي لا يكفيني ، وعرضت خدماتي كمهندس كهرباء إستشاري ، وبسيرة ذاتية طولها متر ! ، عرض عليّ مدير الشركة ، قائمة طويلة من الواجبات المناطة بي ، وهي الصيانة الدورية لعدة مولّدات منصوبة ، وتصليح موقعي وميداني ، وتسوّق للأدوات الاحتياطية ، وإلتزام صارم بالدوام ، قسَما عظما أنه عرض عليّ راتب شهري قدره 300 ألف دينار ! ، وكان إبني (المهندس أيضا) معي ، فعرض عليه مهنة الترويج لمنتجات الشركة مقابل 50 ألف دينار شهريا ، تُقتطع من راتبي ! ، عندها غادرت الشركة قائلا للمدير : وكم راتب (الچايچي) لديك ؟! ، قال 400 ألف ! ، وإن كنتَ لا تقبل بالعمل فثمة الكثيرون غيرك ، وهو مُحق في قوله ! ، فالعار ، كل العار عليك يا دولة ، أنت من تصنعين الإرهاب ، فبعد الفراغ من داعش ، ثمة قنابل موقوتة لا تُعد ، تلك التي يمثلها العاطلون ، سيظهر إرهاب من نوع جديد من عصابات الخطف والإبتزاز وشتى أنواع الإخلال بالأمن ، وقد بدت ظواهره فعلا ، أنتِ تمثلين الجميع إلا الشعب ، أثبتِ مرارا أنكِ لا تحترمين نفسك فكيف تحترمين أبناءك وكفاءاتك وخريجيك ؟ ، وآخر دليل (وليس الأخير) ، التمثيل الهزيل والمخزي والمهين لأستقبال أعلى رأس في الدولة العراقية لقمة العار السعودي ، تلك القمة – الحضيض ، التي ما كان يجب المشاركة بها أصلا ، إن كانت لديكم شيء من الكرامة !!.

المزيد من مقالات الكاتب

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

تواصل معنا

450,712معجبيناعجاب
769متابعينتابع
1,900المشتركينالاشتراك
- اعلان -

أحدث مقالات ساحة الرأي

https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

فخامة الرئيس

من القليل الذي تسرب من جلسات سرية وراء الكواليس بين الأطراف المتشاكسة في العراق تبين أن العقدة ليس لها حل سهل وقريب، وأن  صيغةَ...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

ما هي سلالة B.1.1.529 ( او ميكرون ) وما تأثيرها على العراق؟!

بعد أن شعر العالم بنوع من الاطمئنان بحصول نحو 54 % من سكانه على جرعة واحدة في الأقل من اللقاح المضاد لكوفيد-19 ، وبعد...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

سوسيولوجيا ظاهرة الإلحاد وخطرها على المجتمع (الشباب تحديدا)؟

في العربية نكتب من اليمين الى اليسار ونطوف الكعبة على هذا النحو نُلبي ونكبر الله ونحمده على آلائه ونعمه، ربنا الذي أعطى كل شيء...
https://kitabat.com/wp-content/uploads/2017/06/kitabat-logo-1.png

منتدى الأمن الاقليمي: ايران والكيان الاسرائيلي؛ ايهما يشكل تهديدا استراتيجيا للمنطقة العربية

انتهى قبل ايام منتدى الامن الاقليمي، الذي عُقد في المنامة عاصة البحرين، ضم دول الخليج العربي ودول عربية اخرى، الاردن ومصر، اضافة الى اسرائيل،...

إليك يا وزير النقل

عندما تضع الشخص المناسب في المكان المناسب فذلك هو المسار الصحيح ولكن عكس ذلك يجعلك في خانة الاتهام والشبهة ولا تلم من يسوق لك...

من أعلام بلادي البروفيسور ” شاكر خصباك “

أن ا د شاكر خصباك من مواليد 1930 الحله يعد واحداً من أعلام العراق المعاصر فهو قاص وروائي وكاتب مسرحي ومترجم وكاتب مذكرات ومقالات...