الثلاثاء 04 آب/أغسطس 2020

الكـتـبُ :.. وسـحـرها

الثلاثاء 16 أيار/مايو 2017
عدد القراءات: التعليقات
طباعة

” الكتب ليست أكوام من الورق الميت ، إنها عقول تعيش على الأرفف “- غيلبر تهايت.القراءة هي الوسيلة الأكبر في اكتساب الثقافة ، وهي التي تمكنّ الإنسان من اكتساب خبرة الآخرين، و” القراءة تضيف إلى عمر الإنسان أعمارا ً أخرى” -عباس محمود العقاد. فالكتاب هو الصديق الذي لا يمكنه أن يخونك ، ولذا لا يوجد أفضل من هذا الصديق لكي تبني خبرتك الحياتية على أساسه . ” سحر القراءة “* الكتاب الثالث للكاتب (جاسم العايف)، فضلاً عن أربعة كتب ساهم فيها ، قدم في (سحر القراءة) قراءات مجاورة لبعض الكتب ، ومنها- أنين بلا ناي- عن ” دموع الأرض ” مجموعة الشاعر” مجيد الموسوي التي يفتتحها بيوميات الربيع الدامي مستعيراً فيها ما ذكره هنري مللير :” الحرب هي شكل من أشكال الجنون سواء كانت أهدافها نبيلة أم منحطة ، والقتال ليس سوى فعل يدل على اليأس لا القوة “. لذا فالموسوي يلعن ُ شعرياً الحرب التي تخرّب الأوطان والإنسان وذاكرته وروحه.ومن خلال شعره، كما يرى (العايف)، نتلمس القصيدة بصفتها حالة غامضة من الغياب والحضور ، من الحلم واليقظة ، من التذكر والنسيان ، حالة من احتدام الروح يغدو فيها الإمساك بالبدء أو المنتهى أقرب للمستحيل،والشعر لدى الموسوي ليس مجرد انتظار سلبي لانبثاق الرمز من أعماق اللاوعي بل من قطبين هما ، الإنسان ـ العالم ، لينبثق بعد ذلك ضوء القصيدة المشع من ملايين الأشياء التي يتأملها الشاعر وربما لا يراها الآخرون ، ولا يفتر الموسوي عن ترديد ” بـَصّرته” كأنما خلق لها وغمس في تيارها وأستنشقها.كما تناول (العايف) ” عربة النهار ” المجموعة الشعرية لـ ” هاشم تايه ” ، ويرى في قصائده لغة واضحة المعنى لا تفتعل الغموض بذاته من خلال إدراكه لقيمة المفردة الشعرية ووضوح معناها ومقاربتها لواقعية الحدث. يؤكد (العايف) لا يمكن لقارئ ” عربة النهار ” إلا أن يقف عند الصياغات الشعرية الدقيقة المنتقاة برهافة ودراية وتميز والولوج إلى خفايا الأشياء واستبطانها، بعض قصائدها قصيرة جداً لكنها دالة على الزمان الغريب والمكان المحاط برعب الانتظار والقسوة واليأس والالآم والإحباط والقهر الراهن.كما قدم دراسة عن مختارات شعرية للشاعر (مهدي محمد علي)، أختارها الشاعر ” عبد الكريم كاصد ” وهي الأشعار الأولى التي تصدر له في العراق منذ أن غادرها بصحبته عبر بادية السماوة، ووفاته في حلب. ويرى العايف أن مهدي محمد علي يستثمر في بعض قصائده ثنائية : الحضور ـ الغياب ، حضور الذاكرة ـ الماضي وغيابها الآني ، استدلال الأمكنة والأحداث والأشخاص بوضوح ، محاورتهم ، طغيان ملامحهم ، الاحتفاظ بأدق الخصائص الواقعية للمشهد ـ الماضي القابع في الذاكرة ـ غياب الوطن في المنفى واختراق المنفي ذاته في حضور الوطن . وتتحول الصور اليومية إلى فعل مملوء بالغضب والمرارة ، ويبقى الأمل الذي يفعـّل هذه الكائنات البشرية المقتنعة بحياتها الهامشية التي تحولها اللغة البسيطة الماهرة والصور الغنية المتقدة بالحياة إلى نسيج يضج بالحركة والوجود المتوتر والإنساني. كما تناول الشاعر ” علي عيدان عبد الله ” ومجموعته ” هنالك .. وأبعد “ورأى أنها تكشف عن أفق جديد في تجربته التي لم يفرط فيها بقصيدة النثر مطلقا. ثمة في (سحر القراءة) دراسة عن “البريكان ..و البذرة والفأس ” كتاب الناقد رياض عبد الواحد. يلاحظ العايف إن (عبد الواحد) رأى شعر البريكان أشبه بالبذرة الموضوعة في أحدى قصائده التي فيها أستقى عنوان كتابه ، وهذه البذرة وهي تعيش في الداخل فأنها تأخذ منه كل شيء وتندفع بقوة إرادتها مخترقة تربتها لتكبر وتثمر وتكون ذات لحظة ما ، خاضعة لفأس الحطاب التي هي صلة التواصل والتقاطع في العيش بعجائبه المتعددة مرئية – مخفية ، ومنها صلة الشعر بالشاعر وبالآخر لكونها محصلة الحياة النهائية. ثمة دراسة عن قصص “ممر الضوء ” للقاص و” دود حميد ” ، التي تعتمد الحبكة المنضبطة والسرد المتزن الذي ينأى عن الإرباك والارتباك والخسائر اللغوية الفائضة ، كما يعمد القاص إلى تنقية شخصيات قصصه من أدران اجتماعية سائدة في الحياة العراقية ، ويبدو أنه على تماس وثيق مع شخصياته القصصية حتى أنه يعقد معها صداقة ومعرفة . ويتناول الكاتب (جاسم العايف) تجربة القاص ” محمد سهيل احمد ” و مجموعته القصصية الأولى ” العين والشباك ” ـ الكويت – 1985 ، والتي حضت باهتمام بعض النقاد والكتاب العراقيين والعرب ، ومجموعته القصصية الثانية المعنونة ( الآن أو بعد سنين ) التي صدرت بعد 20 عاماً على صدور مجموعته الأولى ، ويلاحظ أن ” محمد سهيل أحمد ” كاتب قصة يتقن الصنعة وقصصه مشحونة بالتوتر ، والسرد القصصي لديه يخضع لمعارفه وقدراته وخبراته المتراكمة في التكنيك الفني عند كتابته للقصة القصيرة . كذلك ثمة دراسة لرواية علي عباس خفيف ” عندما خرجت من الحلم ” ويكشف فيها إن رواية (خفيف) تجاوزت فخ السقوط في الأيديولوجية وتجريدياتها وتوجهاتها الدوكوماتية ، وهو ما أعطاها بعداً فنياً وبذا كانت بعيدة بمنهجية ، روائية ، عن سلطة الأيديولوجية الملفقة وتحكم سلطة الوعي المنحاز ، وإسقاطاته ، ويمكن قراءاتها اجتماعيا ً.وقد أعتمد – خفيف- تكنيكاً مغايراً لما هو سائد في البناء الروائي الذي يعتمد التأريخ مرجعية له من خلال تداخل السرد وعبر هيمنة الماضي كذكرى ، وسطوة الحاضر كفعل إلى الحد الذي لا يمكن الفصل بينهما دون تعسف أو افتعال.و ثمة دراسة عن ( ثقافة الجسد .. قراءة في السّرد النـّسوي العربي )كتاب الناقد عبد الغفار العطوي ، وهو قراءات مختارة لروايات ، ومجموعات قصصية، تتعلق بالمرأة العربية، وهمومها الخاصة التي تقف حائلا ً دون عيشها بسلام بلا تمييز جنسي وثقافي وبايلوجي يؤشر وضع المرأة العربية المعاصرة كما هي في الواقع العربي الذي تعيشه، ويلاحظ أن (العطوي) لم يتناول منجزات القاصات والروائيات العراقيات؟!. يتناول (العايف) تجربة الكاتب والناقد والمخرج المسرحي” بنيان صالح ” التي فيها كثير من المواقف التي تعكس حضوره كانسان وكاتب ومثقف ، كونه نشر الكثير من الدراسات عن المسرح البصري ـ العراقي ، وبعض المسرحيات العربية والعالمية في الدوريات والمجلات العراقية – العربية ، ونشر واخرج أكثر من عشرين عملاً مسرحياً ، أثارت اهتمام وثناء النقاد الذين ثمنوا قدراته في الكتابة المسرحية وكذلك النقدية المسرحية . ففي منتصف الستينات سعى ” بنيان ” في البصرة بتشكيل جماعة يكون همها الأساس ” المسرح ” لمناقشة أفكاره ورؤاه وأساليبه التطبيقية،وأسس جماعة ” كتابات مسرحية ” وبذا يشكل ” بنيان صالح ” مع بعض زملائه صفحة مضيئة في التأريخ المسرحي في البصرة والعراق . كما تناول ” العايف ” كتاب الشاعر كاظم اللايذ ” دفتر على سرير المرض .. محمود عبد الوهاب شاعراً ” ، و ” بابلو نيرودا .. في البحر والأجراس ” ،و ” ما لا يدرك .. والصوت الذي يحدثه العالم ” و ” صنعة السرد .. الصرامة والوضوح ” و ” عاصفة ماركيز .. وعواصف العراق ” ،و دراسة عن الشاعر ” شاكر العاشور ” وغيرها. الكاتب جاسم العايف يتجاوز في(سحر القراءة) العرض التقليديّ البارد لما انطوت عليه متون الكتب التي تناولها ، إلى إطلاق رؤية تفحص، وتفكّك، وتحلّل بوعي جمالي، وتُنشئ انطباعات، وتنتهي إلى تقييم. وفي هذا كلّه، وعبره، نتوفر على فرصة مرافقة قارئ كفء لا تفارقه كفاءته في رحلة استكشاف عوالم الإبداع لالتقاط الجوهريّ المستوحش في مطاوي الكتب. وأبعد من هذا، وذاك، لا يفارقنا- مع العايف- انشدادنا إلى كاتب مُنصف يعمل كوسيط كُتُبي محايد يخدم قناعته،ويشهر تبصّراته بجرأة مستنيراً بوعيه التاريخي،وبذائقته الجماليّة، في الدفاع عن الإنسان ورفعة الحياة.

* منشورات اتحاد الأدباء والكتاب – البصرة- لبنان – 2017 – الغلاف الفنان: صالح جادري.




الانتقال السريع

النشرة البريدية